حسنات جاريات في الحياة وبعد الممات

اسلاميات
3 نوفمبر 2019 () - الشيخ عيد مالك واضح
0 قراءة
+ -

أخرج الإمام ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “إنّ ممّا يَلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته؛ عِلمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السّبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته يلحقه من بعد موته”.

بيَّن لنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث أنّ من أهمّ الصّدقات الجارية علم يحصله صاحبه ويسعى في نشره، فيبقى أثر ذلك العلم، وتجري حسناته على صاحبه في حياته وبعد مماته، سواء كان علمًا دنيويًا أو أخرويًا، فيدخل فيه علم الطب والهندسة والصناعات ونحو ذلك، وإن كان أفضلها العلوم الشّرعية، ممّا يتعلّق بالكتاب والسُّنّة من علوم التّفسير والحديث والفقه والتّوحيد والأخلاق والمعاملات، فتعليم الخلق من أعظم العبادات المتعدية النّفع إن لم تكن أعظمها على الإطلاق، وثواب مَن علّم النّاس الخير عظيم جدًّا.

وقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتقدّم: “وولدًا صالحًا تركه”، كلمة الولد تشمل الذكر والأنثى، فيدخل في ذلك الابن والبنت إن كانَا صالحين، فكلّ مَن أحسن تربية أولاده ورعايتهم يكتب الله له أجر كلّ الأعمال الصّالحة الّتي يقوم بها أبناؤه، وكلّ مَكْرمة يُعلّمها الأهل لأبنائهم تزيد من مقامهم ودرجتهم يوم القيامة حتّى يبلغ المرء بذلك أعلى الدرجات، وذلك مصداق قول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: “مَن دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعَا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا”. وقوله: “ومصحفًا ورَّثه” يدخل في ذلك شراء المصاحف وتوزيعها وإهداؤها للمساجد أو للمكتبات، أمّا قوله صلّى الله عليه وسلّم: “أو مسجدًا بناه”، فبناء المساجد وعمارتها وإقامة شعائر الدّين فيها من الحسنات والصّدقات الجارية للمسلم في حياته وبعد مماته: “من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتًا في الجنّة”، ويدخل في ذلك من ساهم في شرائه أو بنائه، أو عمل فيه بيده، ونحو ذلك، ثمّ ذكر رسول الله صورًا أخرى للصّدقات الجارية بقوله: “أو بيتًا لابن السّبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته يلحقه من بعد موته”، فكلّ ذلك ممّا ينتفع به المؤمن، إذا احتسب عند الله أجره، وابتغى به وجهه الكريم.

ومن صور الحسنات الجارية إصلاح الطرق، وإزالة الأذى عنها، ومنها بناء المدارس لتعليم النّاس شتى العلوم، ومنها المساهمة في بناء المستشفيات لعلاج المرضى، فكم من مريض أرهقه البحث عن العلاج أو عن دواء فلم يجده، فالمساهمة في تخفيف الألم ورفع المعاناة من أفضل أبواب الصّدقات الجارية، ومنها وقف الأموال والعقارات على المحتاجين إليها.
ومن كنوز الصّدقات والحسنات الجارية، حفر القبور للموتى ودفنهم: “مَن غسّل مسلمًا فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرّة، ومَن حفر له فأَجَنَّهُ (دفنه) أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إيّاه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله يوم القيامة سندس وإستبرق الجنّة”.

نعم قد يعجز المرء عن المشاركة في أيّ من الصّور الّتي سبقت، فليصحِّح نيَّتَه، فإنّه ينال أجر من أنفق في سبيل الله، فقد ورد عنه عليه الصّلاة والسّلام: “إنّما الدّنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتّقي فيه ربّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله عِلمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النّية يقول: لو أنّ لي مالًا لعَمِلْتُ بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه عِلمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتّقي فيه ربّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنّ لي مالًا لعَمِلتُ فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء”.

*إمام مسجد عمر بن الخطاب –
بن غازي - براقي

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول