المسجد في زمن الكورونا!

اسلاميات
30 ابريل 2020 () - الأستاذ يوسف نواسة
0 قراءة
+ -

لا أريد الخوض في الجدالات الفقهية حول غلق المساجد استثنائيًّا في هذه الفترة، وهل هو الموقف الأصوب أم لا؟، وإن كان رأيي الشّخصيّ أنّ قرار الغلق الاستثنائيّ الظرفيّ صواب بلا ريب، ومن الضّروريّ استمراره حتّى تتغيّر المعطيات الصحيّة في البلاد إلى الأحسن، وعسى أن يكون ذلك قريبًا، وهذا القرار لا علاقة له بمنع مساجد الله أن ترفع؛ لأنّه لا توجد قوة في العالم تقدر على غلق بيوت الله نهائيًّا، هيهات هيهات، وإنّما هذا القرار جاء حفظًا لأرواح الناس واحتياطا لصحّتهم، وهو استثنائي ظرفيّ، ستعود المساجد بعده عامرة زاهرة أكثر ممّا مضى.

أمّا من يتكلّم على المؤامرة الماسونية العلمانية العالمية لغلق المساجد، فهؤلاء قد أبعدوا النُّجْعَةَ وساروا في طريق الخيال بلا رجعة!. نعم إنّ أعداء المساجد الّذين يزعجهم آذانها كما يزعجهم وجودها كُثُر، وهم يسعون في خرابها لا يفترون، ولكنّهم لا يقومون بغلقها، بل هم يستهدفون جماهيرها لصرفهم عنها -وخاصة الشباب منهم- بالشّبهات طورًا وبالشّهوات طورًا آخر.

أرجع إلى المعنى الّذي أريد التّنبيه عليه، وهو مظهر من مظاهر إحسان الإسلام ويسره وعظمته وجلاله وتوافقه مع الفطرة البشرية، حيث أنّ الأديان غيره تتطلّب العبادة فيها وساطة الرّهبان والأحبار والقسس وغيرهم بين العابد وربّه، بل بعضها لا تشرع فيها الصّلاة إلّا داخل الكنائس والمعابد، وإنّما يتركون لمتّبعيها خارجَها الدّعاءَ الحرَّ فقط، أمّا العبادات وطقوسها فلا تجوز ولا تصحّ إلاّ تحت إشراف الراهب، بل حتّى التّوبة لا تكون إلاّ بين يدي الرهبان والأحبار؟، فلن يتوب المذنب إلّا بفضح نفسه أمام القسيس، الّذي يمنحه صكّ الغفران!.

وفي مقابل هذا نجد سماحة الإسلام وروعته في هدم الوساطة بين العباد وربّهم، والّتي هي لوثة وثنية ووصمة شركية، يقول الله عزّ شأنه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، ويقول: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}.

وفي المساجد والصّلاة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سياق تعداد خصائصه الّتي أكرمه اللهُ وأمّتَه بها: «.. وجُعِلَتْ لِي الأرضُ مسجدًا وطَهُورًا، فأيُّما رجلٍ مِن أمّتي أدركتْهُ الصّلاةُ فليُصَلِّ..» رواه البخاري ومسلم. أي: مسجدًا بصحة الصّلاة في أيّ مكان منها، وطهورًا بالتيمُّم بصعيدها الطيّب، فأينما أدرك المسلمُ الصّلاة صلّى، وإذا عدِمَ الماء تيمَّم، حتّى لو كان في طائرة تخرق الأجواء أو باخرة تمخر عُباب الماء.

ومن هذه الفضيلة رأينا كيف تحوّلت بيوت المسلمين في أصقاع الأرض قبلةً تقام فيها الصّلوات وتجمع الجماعات بسبب الحجر المنزلي، فانتقل المسلمون مؤقتًا من فضيلة الصّلاة في المسجد إلى فضيلة تحويل الأرض كلّها إلى مسجد، ورحم الله الإمام ابن عطاء السّكندريّ المالكيّ رحمه الله حيث يقول: متى فُتح لك بابُ الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء!.

وأزيد معنى جليلًا يُستفاد من هذا الحديث زيادة على المعنى الفقهي الخاص، وهو معنى حضاريّ كبير يومئ إليه الحديث، فحواه: أنّ الأرض جعلت مسجدًا للمسلم، وهذا يوجب عليه أن يكون في كلّ بقعة منها على نفس الحال الّتي يكون فيها داخل بناء المسجد، تقوى وإقبالًا على الله تعالى وخضوعًا وخشوعًا بين يديه، فلا ينسى المسلم هذه المعاني بمجرد خروجه من بناء المسجد، فهو في الحقيقة لم يخرج من المسجد المحدود إلّا إلى المسجد الممدود!.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول