مستشار الشّؤون الدّينية في السويد لـ"الخبر": العامل الدّيني لعب دورًا كبيرًا في توجيه وإرشاد النّاس

اسلاميات
11 مايو 2020 () - حاوره: عبد الحكيم قماز
0 قراءة
+ -

أكّد مستشار الشّؤون الدّينية والاجتماعية وقضايا الهجرة والاندماج في السويد، الدكتور عبد الكريم لعلام، أنّ ميزة الأسرة المسلمة وميزة التّرابط الاجتماعي الموجود عند المسلمين، جعل الغربيين في ظلّ تفشي جائحة كورونا يشيدون بأهمية المنظومة الإسلامية في موضوع الأسرة والتّكافل الاجتماعي، واتّضح جليًا لغير المسلمين أنّ قوّة الإسلام في هذا المجال. وأكّد في حوار مع “الخبر”، أنّ منظومة الخدمات الاجتماعية كلّها تكاد تكون انهارت، لأنّ الدولة أصبحت عاجزة عن تقديم خدمات لكلّ شخص يحتاج إلى دعم نفسي أو اجتماعي.


كيف توصف وضع الإنسان في الغرب بعد تفشي هذا الوباء؟
 أعتقد أنّ هذه الجائحة الّتي أصابت العالم أنّها وباء سوف يسجّله التاريخ وسوف تقرأ عنه الأجيال القادمة وسوف يكون ذكرى ومحطة لدول العالم أجمع وللطلبة والباحثين والسياسيين ورجال الدّين والإعلاميين، وسوف يكون مرجع ومحطة تُستلهم منها الدروس والعبر والآيات. وأعتبره من الناحية الدّينية، آية، جعلها الله سبحانه وتعالى للبشرية حتّى تراجع نفسها وتستفيد منها وحتّى تعرف قدر نفسها.
ولو تكلمنا عمّا أحدثه هذا الوباء في أوروبا، ويعرف الجميع أنّ القارة الأوروبية كانت في المرتبة الأولى، سبقتها الصين ثمّ سبقتها أمريكا، والقارة الأوروبية اليوم معنية جدًّا بما حصل، وقد رأينا عودة الكثير من المواطنين الإيطاليين والإسبان إلى رجال الدّين في الكنائس والتعاليم السّماوية الأخرى، ورجوع قيم التّضامن والتّعاون وتفشي القيم الأخلاقية، كلّها أمور ترشد إليها الأديان السّماوية.
ولو أردنا أن نضيّق الحديث قليلًا لننتقل إلى بلاد إسكندنافيا الّتي تقع شمالًا وتشمل السويد والنرويج والدانمارك وفنلندا وإيسلندا، ولهذه الدول خصائص تميّزها عن باقي الدول الأوروبية، ومن تلك الخصائص أنّها دول نوعًا ما لائيكية وأنّ نسبة الملحدين واللادين كبيرة جدًّا، وهي تتبع الكنيسة البروتستانتية.
وبالنسبة للنشاط الدّيني في الشمال الأوربي، يعتبر المسيحي ضعيف جدًّا، والكنيسة طرف فقط في محطات معدودة على الأصابع في المناسبات الدّينية وعند الكوارث والجنائز وما إلى ذلك. وعمومًا، لو قارنا شعوب شمال أوروبا بشعوب جنوبها، نجدها أكثر لائيكية.
هل قرّبت هذه الجائحة النّاس إلى التديّن؟
 أحدثت هذه الجائحة نوعًا ما زلزالًا نفسيًا أو ما نسمّيه حديث الذّات مع النّفس، والكثير من السويديين والإسكندنافيين عمومًا وقفوا مع أنفسهم، والكثير منهم أصبح يتواصل ويسأل ويفكّر فيما تقوله بقية الأديان. ونحن هنا لا نتحدث عن الدّين الإسلامي فقط بل وأيضًا عن الدّين المسيحي الّذي لديه خصائص وبعض التّشريعات الشّبيهة بالتّشريع الإسلامي في أهمية الارتباط بالله والتذكّر بأنّ هذه الحياة ليست أزلية والعمل اليومي للآخرة، واشتراكهما في أهمية التّضامن والتّعاون والتّكاثف.
هل توجد قواسم مشتركة بين المسلمين وبين الغربيين؟
 ما تتميّز به هذه الشعوب خاصة السويد ودول إسكندنافية، أنّ منظومة الأسرة الاجتماعية مبنية على الهرم الفردي، يعني الحياة الأسرية التقليدية الموجودة في بقية جنوب أوروبا أو في بقية الدول والّتي تشمل الأب والأم والإخوة والأعمال والأخوال والجد والجدة والأقارب، معدومة نوعًا ما، فالشاب أو الفتاة عند بلوغها 18 سنة تغادر بيت والديها، لأنّها تعتبر الحياة نوعًا ما فردية، وعندما يكبر الوالدين يأخذونهم إلى دور العجزة. يوجد هناك تشتّت اجتماعي كبير جدًّا، وهذا سببه النظام السياسي.
وباء كورونا جعل الكثير من النّاس تشعر بقساوة هذا النوع من النظام، وجعل الجميع يشعر بحاجته الماسة إلى التّضامن الاجتماعي والدفء الأسري ودفء العلاقات، وهو ما عانت منه كثيرًا هذه الشعوب.
على خلاف ما لو رجعنا إلى المسلمين في هذه البلاد عمومًا نجدهم أكثر اطمئنانًا وراحة وسعادة بحكم وجود ترابط اجتماعي جيّد. والمسلم في الغالب لا يحتاج مساعدة من الجهات الاجتماعية المختصة أو الدولة حتّى يسأل على قريب أو على أبيه أو أمه أو مَن يخدمه، أو يتوجّه إلى الجهات الّتي تقدّم الخدمات.
كما لا يخفى عليكم أنّ منظومة الخدمات الاجتماعية كلّها تكاد تكون انهارت، لأنّ الدولة أصبحت عاجزة على تقديم خدمات لكلّ شخص يحتاج إلى دعم نفسي أو اجتماعي أو أنس أو خدمة. حتّى أنّ الواحد منهم إذا لم يتلق خدمة من الدولة ويبقى في بيته فيموت جوعًا.
وهنا اتّضحت ميزة الأسرة المسلمة وميزة التّرابط الاجتماعي الموجود عند المسلمين، بحيث يتكاتف المسلمون مع بعضهم البعض، حيث تجد الشّخص يسأل عن أقربائه ويخدم بعضهم بعضًا في غنى تام عمّا تقدمه الدولة من خدمات. وهنا نجد أهمية المنظومة الإسلامية في موضوع الأسرة والتّكافل الاجتماعي، واتّضح جليًا لغير المسلمين قوّة الإسلام في هذا المجال.
ما مدى قبول النّاس لاستشارات ترجع لهم السّكينة النّفسية من قبل داعية مسلم؟
 لو أردنا أن نقارن بين الجيل الأوّل للمسلمين المقيمين في هذا البلاد، نجد أنّ أوضاعهم النّفسية مستقرّة، وسبب ذلك هو ما يمنحه الدّين في هذا المجال، ونحن نعرف أنّ أركان الإيمان الأساسية، الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه، فتجد المسلم هنا عمومًا مطمئن ويعرف بأنّ هذا ابتلاء من الله، وتجد عنده قيم الصّبر والاحتساب والرِّضا بالقضاء والقدر، هذه كلّها تعطيه شحنات كبيرة جدًّا بحيث لا تصيبه الأمور بالاضطرابات النّفسية الّتي تحصل عند غير المسلمين.
ونفس الشّيء (حالة الاطمئنان) تجده بشكل لا بأس به عند بقية المتدينين من المسيحيين وغيرهم، بينما تجد الاضطراب النّفسي والأمراض والخوف والانتحار وغيره عند اللادينيين عمومًا.
طبعًا بالنسبة إلى الإسلام، خاصة أنّ هذه الحادثة عالمية، جعلت الإسكندنافيين عمومًا والباحثين الأوروبيين يتأمّلون في قلّة نسبة الإصابات في بلاد العالم الإسلامي، وهذا يرجع إلى عدّة أسباب من بينها طبيعة البنية الديموغرافية عند المسلمين، حيث توجد نسبة عالية جدًّا من الشباب، وهذا المرض يُصيب بالدرجة الأولى كبار السن، ولهذا عدد الوفيات كبير جدًّا في أوروبا، وهذا جعل الكثير من الإسكندنافيين ينتبهون إلى قوّة البنية الديموغرافية والتشكيلة الاجتماعية الموجودة في بلاد العالم الإسلامي.
والأمر الآخر نشرته جريدة “التايم” الأمريكية، تحدثت فيه على الوصفة النّبويّة الّتي جاءت في الحديث النّبويّ، عن أنّ الوباء إذا ظهر في بلدة وكنتم داخلها فلا تخرجوا منها ولا تدخلوها إذا كنتم خارجها، معتبرة أنّها وصفة طبية نبويّة عظيمة، بحيث أنّ الإسلام قدّم حلًّا منذ زمن بعيد عن كيفية التّعامل مع مثل هذه الأحداث.
ولعلّ هذا من بين الأسباب الّتي جعلت الكثير من المسلمين في بلاد العالم الإسلامي يقبلون بقضية الحجر الصحي رغم ما فيه من قسوة ومن شدّة ومن تضييق على الحريات، لأنّ العامل الدّيني لعب دورًا كبيرًا جدًّا في توجيه النّاس وفي إرشادهم.
طبعًا هذه وغيرها تعتبر من الأشياء الّتي جعلت رأس المسلم يكون مرتفعًا ويعتزّ بدينه وبأنّ لديه منهجا وأسلوبا في كيفية التّعامل مع مثل هذه الأحداث.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول