الشّيخ حسين حلاوة، لـ"الخبر": الاجتهاد الجماعي أصبح اليوم فريضة وضرورة

اسلاميات
12 مايو 2020 () - حاوره: عبد الحكيم قماز
0 قراءة
+ -

أكّد الأمين العام للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الشّيخ د. حسين حلاوة، أنّ الفتاوى الّتي أصدرها في الدورة الاستثنائية في ظلّ نازلة كورونا “تنطلق من محكمات الشّرع ومقاصده، تراعي ظروف الخلق ومصالحهم وتسعى للتّيسير عليهم”. ودعا في حوار خصّ به “الخبر”، وزارات الشّؤون الإسلامية إلى “تنظيم مَن يقوم بالإفتاء لمنع البلبلة والصّراع الفكري” وإلى ضرورة “الإفتاء الجماعي بدلًا من الإفتاء الفردي” وأضاف “الاجتهاد الجماعي أصبح اليوم فريضة وضرورة”.


متى تأسّس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث؟ وما أهدافه؟
 المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث هو هيئة إسلامية متخصّصة مستقلّة، يضمّ عددًا من العلماء الّذين يتصدّون للفتوى في المراكز الإسلامية المهمّة في أوروبا، إلى جوار عدد من العلماء الّذين يعيشون داخل الوطن الإسلامي، ولكنّهم مهمومون بأمر إخوانهم في أوروبا، ويتردّدون عليهم ويعرفون ظروفهم وأحوالهم، ويقع مقر المجلس حاليًا في جمهورية إيرلندا.
عقد اللّقاء التأسيسي للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في مدينة لندن في بريطانيا في الفترة 21-22 من ذي القعدة 1417هـ الموافق 29-30 من شهر مارس 1997م، بحضور ما يزيد عن خمسة عشر عالمًا، وكان ذلك تلبية لدعوة من قبل “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا”. وفي هذا اللقاء تمّ إقرار مسودة الدستور لهذا المجلس (النّظام الأساسي).
يتوخّى المجلس تحقيق الأهداف التالية: إيجاد التّقارب بين علماء الساحة الأوروبية، والعمل على توحيد الآراء الفقهية فيما بينهم، حول القضايا الفقهية المهمّة. إلى جانب إصدار فتاوى جماعية تسُدّ حاجة المسلمين في أوروبا وتحلُّ مشكلاتهم، وتنظّم تفاعلهم مع المجتمعات الأوروبية، في ضوء أحكام الشّريعة ومقاصدها، إضافة إلى إصدار البحوث والدّراسات الشّرعية الّتي تعالج الأمور المستجدة على الساحة الأوروبية بما يحقّق مقاصد الشّرع ومصالح الخلق. وكذا ترشيد المسلمين في أوروبا عامة وشباب الصحوة خاصة، وذلك عن طريق نشر المفاهيم الإسلامية الأصلية والفتاوى الشّرعية القويمة.
من أين يعتمد المجلس في تسيير ميزانيته؟
 المجلس في الحقيقة بفضل الله سبحانه وتعالى قائم على العمل التطوعي، بمعنى لا أحد في المجلس يتقاضى راتبًا، ولا يوجد عندنا موظف. الجامعي يعمل لأجل الله ولوجه الله سبحانه وتعالى، بدءا من الرئيس، حتّى كلّ من يساعد في مجال التصوير أو في صفحة المجلس. تبقى مسألة التذاكر والإقامة في الفندق أو في المكان الّذي نقيم فيه الدورة، فأهل الخير هم مَن يُسدّدون تكاليفها. لكن لا توجد عندنا ميزانية، ولا يوجد للمجلس مبنى قائم، وإنّما بفضل الله كلّ واحد يعمل من بيته أو من المكان الّذي هو فيه لوجه الله سبحانه وتعالى، وكلّ ما قدّموه من أبحاث وفتاوى لوجه الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يجزي الجميع خالص الجزاء.
طرأت نوازل جديدة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، كيف تعامل المجلس معها؟
 عقد المجلس في هذه الجائحة دورة استثنائية عبر تقنية التواصل الشبكي بحضور أغلبية أعضاء المجلس، أصدر فيها بيانين يتضمّنَان فتاوى تنطلق من محكمات الشّرع ومقاصده، تراعي ظروف الخلق ومصالحهم، تسعى للتّيسير عليهم كما هو منهج المجلس. فأصدر المجلس في هذه الجائحة أربعًا وثلاثين فتوى بيّنت التالي: نظرة الإسلام للأوبئة والطّواعين، وهل الفيروسات والكوارث عقوبة إلهية؟، كيف يتعامل الوجود الإسلامي في أوروبا مع هذا الوباء مثل: حكم الخروج من المنزل في مناطق الحجر، وحكم الانتقال والسفر في مناطق الوباء، وحكم المصافحة والمعانقة في زمن الأوبئة، وحكم التنمُّر للمصابين، ومَن الأوْلى بالتّقديم في العلاج عند التّزاحم. وبيّن أيضًا أحكام الجنائز في ظلّ أزمة كورونا، وحكم صلاة الغائب خلف البثّ المباشر، بل حكم حرق أموات المسلمين في الوباء، وحكم الصّلاة على رفات الميت إذا أُحرق، وحكم دفن الميت في غرف مبنية فوق الأرض، العجز عن تنفيذ الوصية بالدفن خارج أوروبا. وتناول الأحكام الخاصة بالعبادة في ظلّ هذه الجائحة من الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ وصلاة العيد. ففي الصّلاة أصدر فتاوى في (مدى مشروعية تعليق الصّلوات في المساجد بسبب فيروس كورونا، حكم صلاة الجمعة في البيوت، وحكم صلاة الجمعة في البيوت بمتابعة الخطبة عبر وسائل الاتصال الشبكي، وحكم صلاة الجماعة بمسافة متر بين المصلّين). وفي الزّكاة أصدر فتاوى في ظلّ أزمة كورونا، مثل: (حكم تعجيل إخراج الزّكاة للمساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا، حكم دفع زكاة المال أو الفطر للمستشفيات ودور رعاية المسنين، حكم القروض الربوية للشركات الاستثمارية المعرّضة للإفلاس بسبب الجائحة، وحكم القروض الربوية للمؤسسات الإسلامية المتضرّرة بسبب كورونا، حكم تخزين السّلع ورفع الأسعار أثناء الجائحة). وفي الصّيام أصدر فتاوى في ظلّ أزمة كورونا كالتّالي: (حكم الإفطار في رمضان للوقاية من كورونا بشرب السّوائل، حكم تأجيل صيام رمضان بسبب كورونا، حكم صلاة التّراويح خلف البثّ المباشر، حكم تعجيل الفدية قبل رمضان). ولم يغفل المجلس في إصدار فتوى تتعلّق بحكم صلاة العيدين مع جائحة كورونا، بل حكم تأجيل الحجّ خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا، إلى جانب هذا، أصدر فتوى في حكم الدّعاء لغير المسلمين بالشّفاء، وذكر في هذا الفتوى أنّ التّعامل الإنساني من الدّعاء لغير المسلمين والرّحمة بهم ومساعدتهم بشتّى الصور هو تعامل مشروع.
وختم المجلس في هذه الدّورة الاستثنائية بتوصيات للمسلمين في أوروبا، أهمّها: أن يلتزموا بقرار السلطات المدنية والصحية في منع التجمّعات والزّيارات، وأن يأخذوا بأسباب الوقاية والحماية كلّها لمنع الإصابة والعدوى لهم أو لغيرهم، وأوصاهم بضرورة التّفاعل مع أوطانهم الأوروبية في هذه المحنة. كما شجّع المبادرات الإيجابية كلّها الّتي قدّمها المسلمون والمؤسسات الإسلامية في عدد من الدول من قبيل حملات التبرع بالمال لدعم المستشفيات وحملات التبرع بالدم والتطوع لخدمة المحتاجين والمسنّين، والتطوّع مع فرق الإسعاف ومؤسسات الحماية المدنية، وأن يكون ذلك كلّه بالتّنسيق مع الجهات المعنية في كلّ مدينة، ومع مراعاة كلّ الاحتياطات الوقائية اللازمة. ودعا المجلس الأئمة والدّعاة الأوروبيين إلى أداء دورهم في إرشاد النّاس ودعمهم روحيًا وثقافيًا بوسائل الاتصال الحديثة وتبنّي خطاب حضاري إنساني عالمي، وبثّ روح الأمل والتّفاؤل، وإبراز مظاهر التيسير والرّحمة والمنح في أوقات البلاء والمحن والشّدائد، واعتماد قرارات هيئات الإفتاء والاجتهاد الجماعي.
هل فصل المجلس في كلّ المسائل أم بقيت مسائل عالقة؟
 بفضل الله وعونه، تعرَّض المجلس لجُل القضايا الّتي تهمّ المسلمين في الغرب، فأقام 30 دورة، أصدر فيها مئات القرارات والفتاوى والتوصيات، تحت عناوين شتى ناسبت الزّمان، وما يهمّ المسلمين في أوروبا في وقت إقامتها، مثل: إثبات الشّهور القمرية وخصوصًا شهر رمضان، الحكم الشّرعي في لحوم الأنعام والدواجن المعروضة في الأسواق والمطاعم الأوروبية، أحكام العبادات في بلاد الغرب. التّحكيم في المنازعات، حكم الاستنساخ في الإسلام، الخطاب الإسلامي في عصر العولمة، الجهاد ونفي علاقته بالإرهاب، الأسواق المالية وتطبيقاتها. الأقليات المسلمة في بلاد الغرب. قضايا المرأة المسلمة في الغرب، فقه الأسرة المسلمة في بلاد الغرب. الفقه السياسي للمسلمين في أوربا: المواطنة والاندماج، المعاملات المالية للمسلمين في الغرب، الموقف والوصايا في الواقع الأوربي، تعامل المسلمين مع أهل المذاهب والأديان، مآلات الأفعال وأثرها في فقه أحكام الأطعة والذّبائح والأشربة في الإسلام وما يخصّ مسلمي أوربا في هذا الباب. المستجدات الفقهية للمسلمة الأوروبية. فقه العيش المشترك في أوروبا، تأصيلًا وتنزيلًا. هدي الإسلام في إقرار السّلام والأمان في واقع الظلم والعدوان. من قضايا المعاملات المالية لمسلمي أوروبا. أحكام العلاقات الاجتماعية في أوروبا ودور المسلمين في تعزيزها.
لكن حينما تكون هناك مسائل تحتاج إلى مزيد من البحث، يؤجّل المجلس البثّ فيها، لاستدعاء خبراء في المجال المعيّن، وتقديم مزيد من البحوث من الأعضاء في المسألة المنوطة. فقد أجَّل اتّخاذ قرار أو فتوى في القضايا التالية: (بيع الفواتير، القرض الاستثماري وأحكامه الشّرعية، وهل يمكن أن تبيحه الحاجة أم الضّرورة؟، استكمال أحكام الأطعمة والأشربة والذّبائح في الإسلام وما يخصّ مسلمي الغرب، استكمال موضوع المستجدات الفقهية للمسلمة الأوروبية، الزّواج المدني خارج المؤسسات المدنية الرسمية، استعمال عملة “بتكوين” ومثيلاتها، حكم إعطاء غير المسلمين من الزّكاة، سهم المؤلّفة قلوبهم وتطبيقاته في الواقع المعاصر، وغيرها...
هل للمجلس دور في مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا؟
 أصدر المجلس كتابًا في هذا الشّأن للأستاذ حسام شاكر تحت عنوان: “الإسلاموفوبيا وتعبيراتها في الواقع”، بل وأمام هذه المشكلة وغيرها من تحديات تعيشها البشرية في علاقات النّاس بعضهم ببعض، خصّص لوضع أسس المواطنة والعيش المشترك فكانت دورات تحت عنوان: (المواطنة ومقتضياتها، فقه العيش المشترك في أوروبا تأصيلًا وتنزيلًا، هدي الإسلام في إقرار السّلام والأمان ودفع الظلم والعدوان، أحكام العلاقات الجماعية في أوروبا ودور المسلمين في تعزيزها وغيرها)، وأصدر قرارات وفتاوى في هذا الشّأن تحدّد وتوثّق العيش المشترك والمواطنة والاندماج الإيجابي بين المسلمين أفرادًا ومؤسسات من جانب، وبقية المجتمع أفرادًا ومؤسسات من جانب آخر، من خلال صياغة كونية للقيم الإنسانية المشتركة، يخاطب بها جميع الأوروبيين، حتّى يتعاون الجميع لإقامة العيش المشترك على أسس سليمة وراسخة.
هل تعتقد بتراجع دور وزارات الشّؤون الإسلامية شعبيًا بسبب فوضى الفتاوى؟
 أعتقد أنّ وزارات الشّؤون الإسلامية ينبغي عليها تنظيم مَن يقوم بالإفتاء بقدر الإمكان، لمنع البلبلة والصّراع الفكري حول القضايا الّتي يتّسع فيها الخلاف، وذلك عن طريق التّشاور والبحث المشترك، والاجتهاد الجماعي الّذي أصبح اليوم فريضة وضرورة، وسدّ الطريق على بعض المتعالمين الّذين حشروا أنفسهم في زمرة أهل الفتوى، وصدرت عنهم فتاوى ضالة مضلّة، وحتّى تستعيد هذه الوزارات رونقها وشأنها المنوطة به. وأتمنّى أن يكون هناك تعاون بين الوزارات، بحيث تكون هناك كما ذكرت الفتاوى الجماعية والإفتاء الجماعي، لأنّ النّوازل الّتي تَلُمُّ بالأمّة كثيرة، لذا نحن بحاجة إلى الإفتاء الجماعي بدلًا من الإفتاء الفردي. وبيننا وبين المجامع الفقهية تعاون بفضل الله سبحانه وتعالى كبير، وعلاقاتنا بكلّ المجامع علاقة طيّبة.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول