وداعا سلمى...

ثقافة
15 فبراير 2021 () - الخبر
0 قراءة
+ -

 

وداعا أختي التي لم تلدها أمي

من لا يعرف سلمى، فهي ستار الحياء، حاضنة الصمت، وأرض المودة ومنبع الجد في المعاملة والكد في العمل، قلمها فياض صادق، هي طفلة صغيرة تفرح وتمرح عندما تفتك الرضى عن عمل منجز.. إنها القوامة الأخلاقية والمهنية معا.

التحقت سلمى بعالم الصحافة يوم كلمني المطرب جمال لعروسي وهو يعرض علي بعد أن سمع ببحثي عن تدعيم طاقمنا الصحفي بقلم مميز في القسم الثقافي، عارضا علي صحافية وصفها لي بأنها جادة وولوعة بالكتابة الصحفية.. قال لي جمال: "أعطها فرصة، علها تكون في مستوى "الخبر"، ولا تخف فقد حذرتها بأنها لن تجد أمامها سوى قلمها، وأخبرتها بأنك مثل الألماني في تعاملك وجديتك..".

حضرت سلمى في اليوم الموالي، لم أستطع أن ألمح عينيها، فالحياء كان ستارها، وبصوت خافت قالت لي: "أأنت فريد الألماني؟"، فقلت: "اجلسي هناك وأريني ما أنت فاعلة بقلمك.. وتأكدي أنه لن ينفعك الألماني الذي بعثك"، وكنت أقصد جمال لعروسي الماكث بألمانيا.

سارت سلمى إلى مكتبها بهدوء، وكانت مرتبكة جدا وهي تخطو أولى خطواتها في عالم الصحافة.. لا تكاد تحس بتواجدها بيننا، خلوقة وهادئة جدا، كنت صارما جدا معها، رافضا لمواضيعها الأولى التي اتسمت بارتباك شديد في تراكيب فنيات التحرير، لكنني لمست في أسلوب كتابتها عمقا تحريريا قلّما تجده بين أبناء جيلها، جملها كانت رصينة رصانة طباعها، ورغم ذلك لم أفصح لها عن تميزها وواصلت في تقويم كتاباتها التي رفضت نشرها.

لم تكد تمر أيام قلائل حتى تفاجأت ذات صباح وأنا أهم بالجلوس على كرسي مكتبي بسلمى تبصرني بملامح غريبة لم اعتدها، ولم أسمع طرقات أناملها تدق لوحة مفاتيح حاسوبها.. التفت إليها متسائلا: "ما بك سلمى، هل هناك ما يقلقك؟"، فأخرجت من درجها ورقة وسلمتها لي وهي تطلب العفو مني.. قرأت خطابها فوجدت رسالة اعتذار وأسف واستقالة مبدئية، وهي تطالب بالانسحاب لأنها أدركت عجزها في مسايرة ريتم "الخبر".. مزقت رسالتها وأنا آمرها بالعودة إلى مكتبها لأنها ستقرأ أول موضوعاتها على أعمدة الجريدة قريبا، فارتسمت على محياها ابتسامة بريئة، وكانت مبتهجة جدا كطفلة صغيرة عثرت على دميتها التي ضاعت منها في فوضى الحياة.

لم تكد تمر أيام قلائل حتى تقدمت مني سلمى طالبة إمكانية استعارة لقب "حراز" عوض لقبها الأصلي "حنك"، فلبيت رغبتها، وابتهجت للأمر كثيرا وهي تشكرني.

وانطلقت سلمى في حياكة مواضيعها بلغة جميلة وأسلوب سردي ممتع، كانت مبادرة، قوامها الجد والنشاط لا تمل في الاستفسار عن تقويم مواضيعها ومصرة على قراءتها عند الصدور، وشقت طريقها إلى التميز في كتابة الروبورتاجات المميزة التي كانت تتحفني قبل قرائها في إبداعها، فكنت أعثر بين ثنايا سطور مواضيعها على تلك اللذة في قراءتها وليس تصحيحها، وهي تلمحني من مكتبها والخوف يجثم عليها من إبداء ملاحظاتي لها، ولم تمر إلا شهور قليلة حتى صار لروبرتاجات "الخبر" إمضاء مميز هو سلمى حراز، فانتابني شعور بفخر واعتزاز لا يوصفان، وكان المرحوم عثمان سناجقي يقول لي كلما أتحفتنا سلمى بروبورتاج لها بأني كسبت الرهان في اختيارها.

 لم تكن سلمى حنك أو سلمى حراز مثلما عرفها قراء "الخبر" تلك الصحافية التي تملأ قاعات التحرير ضجيجا، فقد كانت كتومة ومؤدبة وهادئة ورصينة، وفجرت طاقاتها في تطويع قلمها، وصارت تحصد جوائز مختلف المسابقات المنظمة في عالم الصحافة، ولا أنسى تلك الرسالة القصيرة التي بعثت بها لي عند افتكاكها لإحدى الجوائز قائلة: "والدي يشكرك ويبلغك السلام، وبفضلك صرت ما أنا فيه اليوم.. كل هذا بفضل توجيهاتك لي أستاذي وأخي الكبير أنت".. هكذا كانت أخلاق سلمى السامية، معترفة بالجميل في عز عنفوانها.. ملاك زار بيتنا المهني وغادرنا في ذات الصمت الذي حل به ذات يوم، بعد أن طرحت "نور" ابنتها التي لم تفتح عينيها بعد على هذا الوجود وأمها في عالم دون وجود.

رحلت سلمى بنت باباها الفحلة، التي كانت مصاحبة لوالدها، نعمت الأخت أنت ونعمت الزميلة أنت.. وداعا سلمى..

أخوك فريد معطاوي

 

وداعا.. أمّ "نور"

ليس أصعب على الإنسان من سماع نبأ فراق صديق أو شقيق أو زميل في العمل، وخاصة إذا كان الفراق أو الرحيل الأبدي دون استئذان أو وداع.. أو دون النظرة الأخيرة.. يا أم "نور" لك الله ولنا الله، فلا أحد منا يستطيع الفرار من قدره وكلنا ميتون.

يا أم "نور"، أبكانا رحيلك المفاجئ، صدمنا، ولولا إيماننا بالقضاء والقدر وبأن الموت حق على جميع البشر، لبكيناك لزمن طويل.. عزاؤنا فيك تلك الرحمة التي أنزلها الله على قلوبنا بمجرد تذكرنا أنك ستجاورين الشهيدات من أخواتك الجزائريات اللواتي قضين نحبهم وهن يهبن الحياة..

ستكون "نور" هي مصدر القوة والصبر على فراقك، أنت الأخت الطيبة والابنة المدللة عند والديها، وخاصة الأب الفاضل "عمي مختار" الذي كان يرافقها صباحا إلى "الخبر" ويعود لمرافقتها إلى المنزل العائلي بحي البدر في القبة.. كانت دائما تمتدح الأم الكريمة التي تقرأ مقالاتنا وروبورتاجاتنا، وترسل لنا معها التهاني والتشكرات على ما نكتب.

لا أقدر على نسيان تلك الإنسانة العفيفة الشريفة الهادئة، التي كانت بمثابة الأخت التي لم ينعم بها الله علي بها، كانت المستشارة في العمل، والمنقذة من ضغط التكليفات، وكنت أكلفها بأصعب المواضيع التي أقدمها للنشر دون مراجعة.. إذ كانت تكفيني قراءة المقدمة لأطمئن.

أما عن أم "نور" الإنسانة، فقد كانت نعم الفتاة الثابتة المتشبثة بتعاليم ديننا الحنيف، ناصحة ومرشدة وصارمة في أحيان كثيرة من منطلق الغيرة على بناتنا وأخواتنا.

ولأن قسم المجتمع من أصعب الأقسام الصحفية، فقد كان الحمل الكبير يقع عليه في إثراء باقي الصفحات الرئيسية وخاصة الأخيرة منها، فينال من الفريق المكون من رزيقة أدرغال وصورية بورويلة حفظهما الله (قبل التحاق فاتح خوخي وبعده فاتح عثماني)، ما ينال.. فكانت أم "نور" هدفا "لوخزاتنا" لإضفاء جو من الانبساط، باعتبارها أصغر البنات في القسم، بالدعاء لها بأن يرزقها الله زوجا صالحا ودزينة أطفال، لتعرف عن قرب وعمق معاناة الآباء والأمهات، فكانت على الدوام مستعدة للرد بل القصف قائلة "رزقني الله أبناء وبنات إخوتي، وهم يملؤون حياتنا بالسعادة و.. أيضا بالشقاوة البريئة".

أتوقف هنا للاستعداد لتشييعك إلى جنة الخلد.. يا أختي الصغرى "سلمى".. رحمك الله وغفر لك.

أخوك جلال بوعاتي

 

"سلمى حراز"... عنوان الاحترام

لله ما أعطى ولله ما أخذ.. شاءت الأقدار أن ترحل عنا الأخت والزميلة المحترمة "سلمى حراز"، في لمحة بصر، سيصعب علينا جميعا تصديق الخبر لأننا سنفقد الأخت قبل الزميلة، لأن المرحومة لم نر منها، شهادة أشهد بها يوم القيامة، طيلة فترة العمل معا في "الخبر" إلا الخير والكلمة الطيبة والوقار والاحترام بمعنى الكلمة.

قبل أيام وهي لا تدري أن القدر سيسبقها، اتصلت بي هاتفيا، رفقة زوجها الزميل شفيق خواص، لأخذ رأيي في كيفية تعاملي مع مرض السكري، باعتبار أن شفيق دخل زمرة المرضى بهذا الداء بعد إجرائه للتحاليل الطبية. تحدثت قليلا مع شفيق، لكن مع أختي سلمى رحمة الله عليها، تحدثت قرابة ربع ساعة، وهي تسألني كيف أتعامل وكيف تعاملت مع المرض، ليتسنى لها مرافقة زوجها في هذه المحنة لتجاوز صدمة المرض وكيفية التعامل معه..

أختي سلمى رحمة الله عليها كانت تسألني بأدق التفاصيل، حتى قلت لها من كثرة السؤال والتفاصيل الدقيقة "هل أنت المريضة أم زوجك؟"..

قد يعجز اللسان عن وصف المرحومة تغمدها الله برحمته الواسعة وأسكنها فسيح جناته، لكن أقسم بالله ثلاث، أنها طيلة فترة تواجدها في "الخبر"، فرضت احترام الجميع لها، بحسن سلوكها وإخلاصها في عملها وتفانيها في خدمة القراء..

اللهم ثبتها عند السؤال وألهم ذويها وأهلها وفي مقدمتهم أخي شفيق خواص الصبر والسلوان.

رضا عباس

 

" الخبر" تُودع أبناءها

قلم آخر يجف حبره وورقة أخرى تسقط من شجرة عائلة الصحافة الجزائرية دون سابق وعيد ولا مؤشر وداع، وابنة بارة تودع بدورها وهي في مقتبل عمرها الأم الرؤوم، "الخبر" التي باتت تبكي أبناءها وهي تزف جثامينهم الطاهرة الواحد تلو الآخر إلى مثواهم الأخير.

وداعا سلمى حرّاز، الزميلة الخلوقة والصحفية المتألقة والمرأة الطيبة.. إلى روح وريحان وجنة ورضوان، ورب راض غير غضبان.

لم يجمعني بك مكتب واحد، ولم أتقاسم معك ذكريات سوى مكالمات هاتفية تُعد على الأصابع، عندما كنت تُشرفين في بعض الأحيان على قسم المجتمع، ومع ذلك نزل نبأ رحيلك المفاجئ عليّ وعلى غيري من زملائي، كالصاعقة، وأثر في رحيلك أيما تأثير، كيف لا وقد ودّعت هذه الدنيا أياما بعد وضعك لمولودتك "نور"، التي انتظرتها طويلا، فالأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

ألف رحمة ونور تنزل على روحك الطاهرة، وعلى روح كل أبناء "الخبر" البررة الذين يأبى أثرهم الجميل أن يفارقنا، من عثمان سناجقي إلى محمد شراق ومحي الدين عامر وشريف رزقي وعمر أورتيلان والبشير العربي ومحمد طواهرية ومدني بغيل ومحمد الرخاء ورزوق شعبان وشوقي مدني.

محمد درقي

 

 شكرا "سلمى"..

لقد كنت مغرما بأسلوبك المتميز وأنا لا أزال طالبا في الجامعة، لا طالما كنت أتوق شغفا لقراءة أعمالك على صفحات جريدة "الخبر"، وأستمتع بأسلوبك الراقي المتميز وأتساءل في قرارة نفسي ما سر تميزك التي توقعينه باسم "سلمى حراز"؟ ومن أين لها كل هذه القدرات التحريرية الذي تجعلها دوما متفوقة وتعرف جيدا كيف ترتب أفكارها وتصقلها لتقدمها للقارئ؟ من أين تستمد هذا السحر وهي تسخر قلمها لسرد معاناة المستضعفين والمغبونين تارة؟ وتارة أخرى تلعب على أوتار العبارات والكلمات بأسلوبها الذي يمزج بين السخرية الجد والخفيف تماما مثل خفة روحها الطاهرة.

وكان لي الشرف أن تعرفت عليك حينما ولجت قدماي مبنى مؤسسة "الخبر"، صيف 2014، وهناك اكتشفت الوجه الآخر لشخصك وزاد ولعي بكتاباتك المتميزة.

وكان لك الفضل في انسجامي بين أسرة "الخبر" ومنحي فرصة التواجد بين عمالقة الصحفيين الجزائريين، وتعلمت بجانبك أبجديات العمل الصحفي ولا زلت أذكر نصائحك وتوجيهاتك وأنت تحثينني على المطالعة وتزودينني بالروايات والكتب وتقولين لي "المطالعة هي وقود الكتابة".

أذكر جيدا يوم سقط على مسامعنا نبأ وفاة الزميل محمد شراق، ذات خريف من عام 2018، والذي كان يشبهك لحد ما من حيث الكفاءة المهنية والأخلاق الراقية، وأذكر دموعك وهي تتدفق على خديك حزنا لفراقه، ودار الزمان ومرت الأيام وها هي اليوم لا يكاد يمر أربعون يوما على رحيل المدير العام السابق لـ"الخبر"، شريف رزقي، حتى التحقت بهما راحلة بثناء الناس وحبهم.

واليوم، بقدر فرحتنا بزفك بشرى إشراق أميرتك الصغيرة "نور خواص"، قبل أيام قليلة، بقدر حزننا على رحيلك أيتها الأخت العفيفة. لقد فقدت أسرة "الخبر" والصحافة الوطنية قلما يافعا وخطا داكنا، شخصية قوية وروحا طاهرة، فارحمها يا رب برحمتك الواسعة واغفر لها، وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها ووسّع مدخلها واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقّها من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلها دارا خيرا من دارها، وأهلا خيرا من أهلها وأعذها من عذاب القبر وعذاب النار.

شكرا لك "سلمى"... شكرا أيتها الأخت التي لم تلدها أمي

حسام حريشان

 

 

 

 

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول