"الجيل الجديد ينتج بالضرورة مثقفيه ومفهومه للثقافة"

ثقافة
15 فبراير 2021 () - ح. ع
0 قراءة
+ -

بعد سنتين ونصف السنة من تجربة التنشيط الثقافي، يتحدث الكاتب عبد الرزاق بوكبة، نائب رئيس جمعية فسيلة والمشرف على الشبكة الوطنية للمقاهي الثقافة والمكتبة الشعبية، عن هذه التجربة، التي جعلت جمعية فسيلة تشرف على سبعة عشرة مبادرة ثقافية ميدانية في مجال الجوائز والقراءة والفيلم القصير والمسرح والتكوين والتنشيط الثقافي. وقال بوكبة في حوار مع "الخبر"، إن النخب انخرطت في تبني الحكم الجاهز بخصوص نفور الجزائري مما هو ثقافي ومعرفي وجمالي.

حاوره: حميد عبد القادر

 

في المحصلة، وانطلاقا من تجربة نقل الثقافة لعمق المجتمع، هل يمكن الاستنتاج أنّ فكرة عدم اهتمام المجتمع الجزائري بالثقافة، عبارة عن فكرة مغلوطة؟ 

لننطلق من حقيقة اجتماعية وأنثروبولوجية هي أنّ صورة الفقيه (بصورته المغاربية لا المشرقية) وصورة المعلم وصورة الكاتب وصورة "القارئ" وحتى صورة الفنان ظلت مشرقة في المخيال الجزائري العام؛ بما جعلها حافرة فيه في اتجاه الاحترام والتبجيل والصدارة. وهي ما تزال سارية المفعول إلى غاية اليوم رغم التحوّلات المختلفة. لكن في مسعى تكسير صورة المعلم والمثقف و"القارئ" والجامعي والخبير والفنان رُوِّج لكون الإنسان الجزائري لا يحب الثقافة والمثقفين والفن والفنانين والعلم والعلماء والخبرة والخبراء حتى يعطوا شرعية لمسعى التكسير ذاك. وما يثير الاندهاش أن قطاعا واسعا من النخب المثقفة انخرطت في تبني ذلك الحكم الجاهز بخصوص نفور الجزائري مما هو ثقافي ومعرفي وجمالي؛ فانتشرت عقلية الشكوى من طرف تلك النخب في المنابر المختلفة، بما فهمه الشعب اتهاما له بالجهل من طرف نخب عالمة؛ فشرع في خلق مسافة بينه وبينها. هنا علينا الانتباه إلى أن ما نسميه "عزوفا" ليس موقفا شعبيا من البرامج والمقولات الثقافية بل من صورة ومضمون القائمين عليها. وهو ما يحتم عليهم إعادة النظر في صورتهم لدى شارعهم. فالحقيقة تقول إنّ النخبة المثقّفة الجزائرية، في ربع القرن الأخير، لا تراعي كثيرا صورتها لدى شارعها ولا تجتهد في دراسته ولا الاقتراب منه. انطلاقا من هنا نستطيع تفسير خمول الباحثين في علوم الاجتماع والنفس واللسانيات؛ رغم ثراء اللحظة الوطنية بما يستدعي دراساتهم وبحوثهم.

 

من بين الأفكار المغلوطة التي انتشرت كذلك، والتي يبدو أن تجربتكم أظهرت عكسها أن المدينة هي مركز الثقافة، بينما تجلى أن الأرياف والهوامش عندنا أكثر ميلا لاحتضان الفعل الثقافي، أليس كذلك؟

في ظل هيمنة المركز على السياسة والاقتصاد والمال والإعلام؛ في المجتمعات التي لا تخضع للدراسات في تسيير شؤونها؛ تعمل الهوامش في صمت على تطوير نفسها وإعداد ما يثبت ذاتها. من هنا نحن لم ننتبه إلى التحولات التي وقعت في الأرياف والتجمعات الصغيرة في باب مواكبة ما يحدث في العالم من حركات مختلفة، خاصة في الفنون والبصريات وأنماط العيش. قلت لك إن قطاعا واسعا من النخب السياسية والإعلامية والثقافية تنظر إلى المجتمع الجزائري بعيون قديمة. وهو المعطى الذي جعلنا في مشروع فسيلة ومشروع المقاهي الثقافية والمكتبات الشعبية نعمل على استرجاع المواطن ليكون ضمن سلسلة الفعل الثقافي. فقد ظل على مدار عقود مستبعدا من المشاركة في البرامج الثقافية ولا يستشار في مضامينها أصلا رغم أنها وجدت من أجله؛ أما إطلاعه على تفاصيل ميزانياتها وهذا من حقه فالأمر ظل غائبا تماما. بما دفع هذا المواطن إلى مقاطعة البرامج والفضاءات الثقافية وخلق برامج وفضاءات بديلة في ظل الحرية التي أتاحتها له الوسائط الجديدة. هنا نسأل: لماذا لا تملك المنظومة الثقافية الجزائرية برامج افتراضية، رغم أن الجمهور أعرض والتكاليف المالية أقل؟ وظلت تدافع وتصرف على برامج ثقافية لا يحضرها حتى بعض منظميها؟ غير أن تجربتنا في الميدان أثبتت أن شباب المدن مهيئون أيضا للانخراط في برامج ثقافية حقيقية.

 

كيف انعكست هذه التجربة على عبد الرزاق بوكبة الكاتب، من حيث تقسيم الوقت بين العمل الثقافي الميداني والكتابة الإبداعية؟

الكتابة عندي محصلة تجارب إنسانية.. إن الإنسان هو منطلق وأفق كل تجربة أدبية واعية بالكتابة بصفتها فعلا لا افتعالا. وإن احتكاكاتي الميدانية في ظل مسعاي الثقافي تثريني بتجارب إنسانية تغذي مشروعي الإبداعي. خاصة في شقه السردي. ولا أنفي أن نزعتي النضالية الثقافية أخذت مني معظم وقتي بما جعل ريتم الكتابة والنشر عندي غير منتظم. فأنا مثلا مطالب بخلق تراكم روائي حتى أتكرس روائيا لكنني لا أستطيع تحقيق ذلك إلا بالتقليل من ريتمي النضالي لصالح ريتمي الروائي من ناحية الوقت.

 

لا نعرفك كاتبًا متوغلا في ذاتك، فأنتَ من المبدعين القلائل الذين يُراعون العلاقة مع المجتمع، كيف أثرت هذه التجربة على إبداعاتك؟

أنا شغوف بالكتابة عن الذات في تماهيها مع محيطها، وهو الشغف الذي جعل معظم كتبي ضمن السيرة واليوميات وأدب الرحلة أو ما أسميه أدب البيت. وحتى ما كتبته في القصة والرواية داخل في هذا الباب. ذلك أنني أومن بكون الكتابة هي منصة للتعبير عن المشاعر والهواجس والتجارب والأسئلة الإنسانية بعيدا عن منطق تسخيرها للتغيير بما ينحرف بها عن جوهرها.

 

كيف أصبحت تنظر إلى علاقة المثقف بالمجتمع؟

ثمة تشكلات جديدة لمفهوم المثقف في المخيال الشعبي بفعل التحولات المختلفة التي حصلت في العقدين الأخيرين، خاصة في مجال التواصل. فنحن بصدد جيل لم يحدث أن أرسل رسالة ورقية في حياته. جيل الرسالة الالكترونية الخاضعة لكلمة المرور السري. وهو سياق ينتج بالضرورة مثقفيه ومفهومه للثقافة. ولا يكفي رفض النخب الكلاسيكية له والحكم عليه بكونه تافها ومبتذلا لعرقلته. لقد فرض نجوم الوسائط الجديدة أنفسهم وباتوا حقيقة لها حضورها حتى داخل الحقول التي كانت حكرا على المواهب المكونة، مثل الدراما والرواية، ونحن مطالبون بفهم السياق الذي أدى إلى هذا حتى نستطيع أن نجد الأدوات التي تمكننا من المرافقة عوضا عن المراشقة.

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول