23 جوان 2021
23 جوان 2021 °C

هل (عقلُ الإنسان) عاقل؟!

+ - 0 قراءة

 لنتصوّر ندوة علمية جمعت مثلًا العلماء الثلاثة الّذين حازوا على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2020م: الفيزيائي البريطاني روجر بنروز، الفلكية الأمريكية أندريا جيز، والفلكي الألماني راينهارد جينتزِل، [مع التّنويه بانحياز هذه الجائزة وتمييزها الإيديولوجي وعدم موضوعيتها]، والّذين بغضّ النّظر عن حوزهم لهذه الجائزة الشّهيرة من عدمه لا يشكّك أحد في علمهم ومستواهم وتميّزهم، لنتصوّر أنّهم بعد أن قرّروا بعض الحقائق العلمية الدّقيقة جدًّا، قام أحدهم، وقال لهم: لم تقنعوني!! ولا أسلّم لكم ما تقولون! وأنا لم أفهم كثيرًا ممّا قلتم، وبالتالي فهو غير صحيح! وعقلي لم يستوعب ما قرّرتم وبالتالي فهو خطأ! وسأبحث وأتحقّق ممّا قلتم وأسأل أصدقائي وزملائي!

وقام آخر: فقال مثلما قال الأوّل وأكثر، وربّما قام مجموعة فقالوا مثل ذلك... فتاق الجميع لمعرفة هؤلاء (العباقرة) المعترضين على هؤلاء العلماء الكبار، ومعرفة صفتهم العلمية الّتي جعلتهم يتجرّؤون على هذا الموقف، فلمّا كُوشِفَ أوّل المعترضين عن مستواه، قال: أنا أميٌّ لا أقرأ ولا أكتب، ولم أنل أيّ حظّ من التّعليم! قيل له: فكيف تعترض على العلماء في المسائل الدّقيقة؟!، قال: لكن عندي عقل!!

ولمّا سئل الثاني التّعريف بنفسه، قال: أنا طبيب كبير!، قيل له: وما دخل الطّبيب في الفيزياء؟! قال: لكن عندي عقل!!، والثالث قال: أنا أديب معروف وروائي شهير! قيل له: وما دخل الرّوائي في الفيزياء؟! قال: ولكن عندي عقل!!... وهلُمّ جرّا.

إنّها صورة هزلية كاريكاتورية!، وكلّنا بلا ريب نستهجن مواقف هؤلاء الّذين حشروا أنوفهم في ما لا يحيطون به علمًا!، وأنكروا على من هُم أعلم منهم بالموضوع وأدرى! ونستغرب من مواقفهم هذه وندينها! لكن الأغرب الأعجب، الأكثر استهجانًا وهزلية أنّ عقولنا في ذات الوقت، تتقبّل أسخف من هذه المواقف وأغرب وأعجب وأشدّ هزلية! فيحقّ لنا أن نسأل: هل عقل الإنسان عاقل؟! ذلك أنّ كثيرًا من البشر لتخصّصه في علم واحد فقط من مئات أو آلاف التّخصصّات العلمية، يعترض على أمر الله تعالى في خلقه أو في شرعه! ويقول لك: لم أقتنع بهذا؟! بل هناك كثير من الأميين والجهّال والفاشلين من يناقش في حكمة الله من خلقه، وفي حكمة الله من شرعه، ويقول لك ببجاحة وغرور وحمق: (ما اقتنعتش؟! تبان لي مخالفة للعقل).

وأين عقل الإنسان الصغير المعرّض للخطأ والنسيان، المتأثر بالعواطف والإيديولوجيات، المحدود في القدرات والإمكانات، من عظمة الخالق سبحانه؟! ومن عظمة أسراره في خلقه وشرعه؟! ولكنّ الناس (ذوي العقول!!) ينكرون على من يعترض على البشر من العلماء، ويستهجنون موقفه!، ولكنّهم لا يستهجنون من يعترض على الخالق الحكيم علّام الغيوب!
مع أنّ الواقع والعلم يشهدان أنّ الإنسان مهما بلغ من العلم، بل البشرية مهما بلغت من العلم فعلمها سيبقى محدود بحدود الزّمان والمكان؛ ولهذا العلم مازال في مسيره يكتشف كلّ مرّة الجديد، وعقل البشر مازال يتعلّم، يكتشف دائمًا جهله بما كان ماثلًا أمامه ولكن عجز عن فهمه وتفسيره، حتّى جاء الوقت الّذي قدّره الله تعالى لذلك: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}، وحقيقة ضعف الإنسان الماثلة للعيان، يقرّرها القرآن بأوضح بيان: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}، وهذا كلام عام يشمل كلّ نواحي الإنسان، فالإنسان ضعيف في كلّ جوانبه بما في ذلك عقله! فهو ضعيف حقّا!، كثيرًا ما يخطئ، ويغلبه النّسيان والسّهو والغفلة، وتغلبه العواطف والإيديولوجيا والأفكار المسبقة والظنّ الكاذب؟ فحُقّ للقرآن أن يكرّر السّؤال للإنسان: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون}.

إنّ عقل الإنسان لا يهتدي للصّواب إلّا بعد معاناة، وإتّباع للمناهج العلمية والبحثية، ولو تغذّى بمعلومة خاطئة لأخطأ! ولو غلط في جزئية من جزئيات المنهج لأخطأ، ولو غلبه النّسيان أو السّهو أو الغفلة، أو العواطف أو الإيديولوجيا أو الأفكار المسبقة لأخطأ! ولذلك يقول الحقّ جلّت حكمته: {قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدَّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون}. أفلا يحقّ للعقلاء حقّا أن يتساءلوا: هل عقل الإنسان عاقل؟

إنّ ممّا يُبيّن تهافت عقل الإنسان وضعفه وتناقضه مع ظنّ أكثر النّاس أنّهم أصحاب تفكير سليم وحرص على المنطق وغير ذلك، أنّك تجد إنسانًا يأتي طبيبًا يفحصه، ويقول له: أنت مريض بكذا وكذا، ويجب عليك التّوقّف نهائيًّا من أكل كذا وكذا، ويكون ذلك أحبَّ الطعام إليه، فيتركه ويتوقّف عنه بعزم وحزم، ولكن حين تقول له: هذا حرام حرّمه ربّ العالمين سبحانه، يقول لك: لماذا؟ وكيف؟ وما الحكمة؟ وما السّرّ؟ وهل فيه ضرر؟ وهل أثبت العلم ذلك؟.. الخ، هذا مع أنّ الطبيب قد يخطئ في التّوصيف والتّشخيص، وقد يخطئ في العلاج والدّواء! ومع أنّ العلم قد يكون خطأ كُلّا أو بعضًا! وكم هي النّظريات الّتي احتفل النّاس بها وانبهروا، وغيّروا قناعاتهم كليّة تأثّرا بها وتوافقًا معها، ثمّ بعد مدّة اذّكر بعض أهل العلم وبيّن بطلانها وهدمها، وجاء بنظرية أخرى بدلًا عنها ومخالفة لها!، ومع هذا يثق عقل الإنسان في حكم الطبيب ورأي العلماء ولا يثق في قول الحقّ والصّدق {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، فَحُقَّ لكلّ ذي عقل أن يردّد قول الله جلّت حكمته في كتابه: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون}، {أَفَلَا تَعْقِلُون}، {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون}.

إنّنا نحتاج أن نتبيّن هل عقلنا حين ينحى منحى معيّن، أو يختار رأيّا ما يكون عاقلًا، أم أنّه يكون أبعد ما يكون عن العقل!، غارقًا في الأوهام والظّنون: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}.

*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شاركنا برأيك