18 ماي 2022
18 ماي 2022 °C

الأمن الغذائي في عالمنا العربي والإسلامي

+ - 0 قراءة

كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن حجم التّحدّي الّذي يواجهه أمننا الغذائي، خاصة مع الاعتراف بعدم قدرة الإنتاج الغذائي في البلاد العربية والإسلامية على تقليص الفجوة الغذائية لتوفير غذاء كاف لعموم السكان.

إنّ عدم قدرة الإنتاج الغذائي على تلبية حاجات الأمّة من الغذاء، واعتمادها على العالم الخارجي في سدّ حاجات سكانه من المواد الغذائية بشقّيها النباتية والحيوانية، يعدّ من أهمّ التّحديات الّتي تواجه مجتمعاتنا، الّتي ممّا لاشكّ فيه أنّها تأخذ أبعادًا اقتصادية وسياسية، إضافة إلى البعد الأخطر، وهو البعد الاجتماعي الّذي يتّسم بالفقر والجوع.

إنّ أزمة تفشي فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية أثّرا كثيرًا على هذا الموضوع الحيوي في الكثير من دول العالم. بسبب تقطّع سلاسل الإمدادات في السلع الحيوية.

ووفقًا لتقرير أممي في هذا الخصوص، بيّن أنّ العديد من القطاعات المعنية بالأمن الغذائي وصلت إلى خطّ الفقر مع شحّ الغذاء وعدم الوصول إلى السلع الأساسية، بينما فقد الملايين من السكان وظائفهم ووسائل عيشهم.

يعدّ الغذاء من الحاجات الأساسية للإنسان لضمان بقائه على قيد الحياة وقدرته على القيام بأعبائه اليومية. ولقد كان الغذاء أحد أسباب نشوء الصّراعات بين الدول، وقامت الحروب والنّزاعات من أجله. فالإنسان يحتاج يوميًا كمية من الغذاء توفّر له استمرار العيش، فمن تمكّن من توفير غذائه وأمنه وعافيته فكأنّما ملك الدّنيا وما فيها؛ وذلك مصداقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن أصبح منكم آمِنًا في سربه، مُعَافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنّما حِيزَت له الدّنيا بحذافيرها”.

فالأمن الغذائي مرهون بمقدرة الدولة على تحقيق ما يكفي أو يزيد من الإنتاج الزّراعي والحيواني لكافة مواطنيها، بحيث لا تكون معتمدة على الغذاء الوافد من الدول الأخرى؛ لأنّ عجز الدول عن توفير الغذاء سوف يجعل الدولة مرهونة لغيرها، وبالتالي سوف يقوم الغير في التّحكّم بإدارتها.

ولقد ربط الله عزّ وجلّ بين الإيمان والتّقوى والدّعاء والاستغفار وبين الأرزاق وتحقيق البركة فيها من الله عزّ وجلّ. وهذه مسائل معنوية لا تتحقّق إلّا عند الفرد المسلم التّقيّ الورع والمتوجّه إلى الله. وقد ورد بالقرآن الكريم وبالسُّنّة النّبويّة الشّريفة الأدلة الكثيرة على ذلك، يقول الله عزّ وجلّ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}. كما أنّ الله عزّ وجلّ حرّم قتل الأولاد خشية الفقر في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}، فالقرآن يربط بين العقيدة والرّزق.

ولمّا كانت الزّراعة ضرورية لتوفير الغذاء وتأمين احتياجات الإنسان منه، فقد حثّ الإسلام على الاهتمام بالزّراعة باعتبارها الرّكيزة الأساسية في بناء الاقتصاد القويّ وتأمين الحياة الكريمة، وباعتبارها المصدر الأساسي والرئيسي في توفير الغذاء، قال صلّى الله عليه وسلّم: “لا يغرس المسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلّا كانت له صدقة”.
وتعدّ الأراضي الزّراعية من أهمّ عناصر الأمن الغذائي الّتي يمكن الاعتماد عليها في تحقيق الاكتفاء الذّاتي من الغذاء، وقد حثّ الإسلام على الزّراعة والاهتمام بالأراضي الزّراعية؛ لذلك كانت السياسة الزّراعية في الإسلام تقوم على أمر واحد مهمّ، ألَا وهو زيادة الإنتاج الزّراعي.

وكان من المفترض على أيّ دولة، أن تقوم بتعزيز أمنها الغذائي سواء في حالات السّلم أو الحرب، لكن الّذي نراه أنّ الدول العربية اكتفت بالاستيراد ولم تسعى إلى الاعتماد على مقدّراتها الذّاتية في تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.

إنّ توفير الغذاء مسؤولية عظيمة، و”إنّ من لا يملك غذاءه لا يملك قراره”، و”لا خير في أمّة لا تأكل ممّا تزرع، ولا تلبس ممّا تصنع”..
والإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، ومن رعايته توفير الأقوات للنّاس، حتّى لا يجوعوا أوّلًا، وحتّى تبقى الأسواق عامرة بالمواد الغذائية فتستقرّ الأسعار، ويقطع دابر المحتكرين، وخاصة الاحتكار العالمي. ومن باب الرّعاية أن يحسب الإمام حسابًا لأوقات الحروب والقحط والكوارث الجسام، حيث تقلّ الزّراعة، وتضعف إمكانية نقل المواد، وبما أنّ حفظ النّفس واجب فإنّ توفير الغذاء واجب؛ لأنّ القاعدة الشّرعية تقول: “ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب”.

وأوصي بالاعتماد على النّفس والسّعي إلى الاكتفاء الذّاتي في المجال الزّراعي والاستثمار في هذا القطاع واستخراج ما تتوفّر عليه الأراضي الواسعة من خيرات ربّانية، وببناء مرافق تصنيع وتكرير متخصّصة بالسّلع الاستراتيجية، وهي: الدقيق والأرز والسكر والزيت والحليب. وأدعو إلى ضرورة تفعيل التّعاون بين الدول العربية والإسلامية ورفع قدراتها في مجال تحقيق الأمن الغذائي، وتنمية وزيادة إنتاج السلع الإستراتيجية، مثل الحبوب، ورفع مستوى التّبادل التجاري فيما بينها، وعقد شراكات حقيقية وناجحة لتحقيق الأمن الغذائي وضمان أسباب توفير الأغذية.

شاركنا برأيك