القصبة تعزم السياح على "بنّة زمان"

+ - 0 قراءة

حول مائدة الشاي وصينية النحاس وصحن الطمينة المزينة بالقرفة على الطريقة العاصمية التقليدية، اجتمعنا مع بنات المرحومة خالتي البهجة في منزل العائلة المعروف باسم دار خالتي البهجة الذي ذاع صيته لدى العام والخاص، وتحول إلى قبلة للسياح يصرون على زيارته وتذوق الأطباق التقليدية من يدي ابنتها خالتي خديجة، وتناول الشاي الساخن بالنعناع والحلويات على سطح "الدويرة"، والتمتع بالمنظر الجذاب المطل على الواجهة البحرية للعاصمة في جو مميز واستثنائي.

 

من هنا بدأت الحكاية ...

 

تقول خالتي خديجة وهي تصب الشاي "القصة بدأت من سنتين عندما استقبلنا أول وفد للسياح الأمريكيين عن طريق الديوان الوطني للسياحة والسفارة الأمريكية في الجزائر.. الزيارة كانت من أجل وجبة عشاء تقليدية انطلقت على الساعة الخامسة مساء على أن تنتهي خلال ساعة كأقصى تقدير، لكنها تجاوزت الساعة الثامنة مساء، ولم يرد هؤلاء المغادرة لولا إصرار المرشد السياحي والقائمين على الوفد على ضرورة الرحيل.. ومنذ ذلك اليوم أصبح بيتنا مزارا للسياح، يخبروننا بيومين عن موعد قدومهم وعن قائمة الطعام التي يريدونها ونحن نتكفل بتنظيم "القعدة".

وتضيف بصوت حزين.. "إييه هذا الدار ماكاش اللي ميعرفهاش دار خالتي البهجة ربي يرحمها، أجانب من مختلف الجنسيات زاروه في حياة أمي وبعد مماتها".

تضيف محدثتنا أن طابع المنزل يعجب الأجانب كثيرا، خاصة من ناحية التصميم والديكور الذي لا يزال يحتفظ بالعراقة والتقاليد، من خلال الأواني النحاسية وإبريق الشاي وحتى الكراسي القديمة التي يفوق عمرها نصف القرن ولا تزال تحافظ على شكلها وألوانها وحتى "قعدتها".

 

الرشتة، الشربة والبوراك مزاج الأجانب

 

تعد الرشتة الجزائرية العاصمية بالمرق الأبيض والحمص وقطع الدجاج المزينة بالقرفة، من بين الأطباق الأكثر طلبا من قبل الأجانب، حيث أكدت لنا نصيرة شقيقة خالتي خديجة أنهم يصرون في كل مرة من زيارتهم للقصبة على تناول هذه الوجبة، حيث يؤكدون أنهم لم يتناولوها سابقا في المطاعم المنتشرة في قلب العاصمة، بالإضافة إلى أنهم يعتبرونها طابعا عاصميا أصيلا لا يستغنى عنه، ومن الضروري التعريف به للأجانب، حتى أن هناك من يسأل عن الوصفة ويصر على تعلم طريقة التحضير حتى يتسنى له طهيها في بلده.

وأضافت نصيرة في حديثها أن قائمة الطعام عادة تحتوي أطباقا تقليدية على غرار شربة فريك، بوراك، سلطة متنوعة، مثوم وكسكس بالمرق الأبيض، كما تضيف أحيانا أطباق أخرى تكون تحت الطلب مثل اللوبيا، السردين وغيرها، لكن على الأغلب تتصدر الرشتة الطلب يليها الكسكس بالمرق الأبيض، وثم يأتي الباقي تباعا، دون أن ننسى "شباح القعدة" حمود بوعلام، سيليكتو أو القازوزة البيضاء الذي يعتبر من المشروبات الأكثر طلبا من قبل السياح، والذي نحرص في كل مرة على تواجده فوق طاولة الغذاء أو العشاء وحتى القعدات.

 

الطمينة والشاي وشباح السفرة

 

عند الفراغ من وجبة الغذاء أو العشاء، تحضر بنات خالتي البهجة طاولة الشاي على "سني النحاس"، وهو الوقت الذي ينتظره السياح بفارغ الصبر، حيث يستمتع هؤلاء بقعدة الشاي الأخضر والنعناع مع الطمينة والبقلاوة وبعض الحلويات التقليدية الأصيلة، التي تسعى خالتي خديجة لتحضيرها بالطريقة الأصلية والتقليدية، بعيدا عن التحديث الذي مس حلوياتنا وأخرجها من قالبها وطابعها الأصلي بل طمس هويتها.

وتتمثل الحلويات التي تحضرها محدثتنا في التشاراك العريان، الغريبية، حلوة الطابع وغيرها من الحلويات الجافة، مؤكدة أن تلك المصنوعة باللوز والجوز مخصصة فقط للأعراس، حسب التقاليد العاصمية.

 

سكان القصبة يفتحون منازلهم للسياح

 

من خلال الصور والفيديوهات التي ينشرها الأجانب على مواقع التواصل الاجتماعي، عند زيارتهم للقصبة ولمنزل خالتي البهجة، انتشرت فكرة استقبال العائلات الجزائرية للسياح، خاصة من لا يزال يحافظ على الطابع القديم والأصلي لدويرات القصبة، ناهيك عن المنظر المطل على الواجهة البحرية للعاصمة الذي يجذب الأجانب كثيرا ويعتبرونه أساس زيارتهم لهذا المتحف المفتوح.

وتتواصل العائلات بالقصبة مع المرشدين السياحيين الذين ينحدر أغلبيتهم من ذات الحي، من أجل جلب عدد من السياح الأجانب إلى منازلهم بين الفينة والأخرى، مقابل مبلغ مالي بسيط يتفقون عليه مع المرشد السياحي الذي يسعى بدوره للوقوف على كافة التفاصيل.

 

سياح يتحسرون على القصبة

 

يحكي لنا سكان القصبة أن السياح يتأسفون في كل مرة يزورونها على الحال الذي آلت إليه، على الرغم من تصنيفها من قبل اليونيسكو كتراث عالمي إنساني يجب المحافظة عليه وحمايته من الاندثار، إلا أن جملة الترميمات التي قام بها السكان وحتى المصالح المعنية أتت عليها وجردتها من ذاتها وجمالياتها، وعوضت أسقف القرميد الأحمر بالقصدير ونوافذها الخشبية بالألمنيوم وأبوابها الفخمة بالأبواب الحديدية.

كما تحدثوا عن من حولها إلى بناء فوضوي ومكب للردوم والنفايات، وهو ما رأيناه بأعيننا من سطح منزل خالتي البهجة المطل على مساحة واسعة من البيوت القديمة التي انهار معظمها، بينما لا تزال البقية تحاول الصمود في وجه الطبيعة الرحيمة عليها. 

 

بطاقة فنية عن القصبة

-  قصبة الجزائر، المعروفة باسم القصبة، تعد من مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1992، وتقع إداريا في بلدية القصبة في ولاية الجزائر. 

-  تأسست في القرن العاشر تحت سلالة الزيريين، وتم إثراؤها من طرف الأندلسيين، ثم وصلت إلى ذروتها خلال فترة إيالة الجزائر، التي كانت مقر السلطة السياسية 

- احتلت دورا مركزيا خلال الثورة التحرير الجزائرية، حيث كانت بمثابة معقل لاستقلال جبهة التحرير الوطني.

- تعد مثالا على العمارة الإسلامية وهي أيضا رمز للثقافة الجزائرية، موضوع للإلهام الفني ومقر للخبرة الحرفية الموروثة. 

- بعض المعالم التاريخية في القصبة: قصر الداي - قصر البايات - دار البارود - مسجد البراني والدويرات المحاذية - دار حسن باشا - جامع سفير - جامع سيدي عبد الله  - جامع سيدي بن علي - جامع بن فارس - جامع سيدي امحمد شريف - قصر دار الصوف ودار الصداقة - دار احمد باشا.