بين "أوراسكوم" ولافارج".. صفقة"من غبار"

تحقيق
29 أغسطس 2015 () - المسيلة: بن حليمة البشير
0 قراءة
+ -

يكون أمل سكان مدينة حمام الضلعة، وأقرب قراها إليها التي تسمى “الدبيل”، للحظة التي تكتب فيها هذه السطور، قد تبخر إلى الأبد، ولم يعد لسيدي بوهلال الذي يطل عليها من سفح جبل الضلعة حامي حماها منذ الزمن القديم أن يقوم بالدور الذي أنيط به من قبل.
 لقد كانت بداية النهاية لكل هذا عندما دخلها المصريون حاملين إلى سكانها بشرى بتغيير أوضاع حياتهم إلى الأحسن، وقناعة بتحويل منطقتهم إلى جنة تضاهي تلك الموجودة في عديد البقاع.. “أوراسكوم” أو وعد الحياة كما كان يطلق عليه بعض المسؤولين المحليين، على غرار مدير الصناعة والطاقة الذي كان موجودا في نهاية التسعينيات على رأس القطاع بالولاية، الذي كان ينعت سكان الدبيل، أقرب نقطة إلى مشروع مصنع الإسمنت، بأنهم أناس لا يحبون النعمة ولا يهمهم البحث عن حياة أفضل، عندما كان سكان هذه القرية يقرأون كل يوم ما تيسر لهم من جرائد تحمل بين طياتها أخبار عن مهازل أسميدال وغبن المكتوين من نار مصنع الإسمنت بمفتاح وغيره مما قد يجره عليهم هذا المصنع من انتهاك لعذرية الطبيعة ومساس بأراض فلاحية تعد مصدر قوت غالبية السكان، ناهيك عن مجازر التفجيرات على البيوت وراحة العجزة والأطفال وغبار المصافي الذي قال عنه المسؤول ذاته إنه لا وجود لما يبرر الخوف منه، فلا تلوث في الهواء ولا غبار على الأرض.

“أوراسكوم”.. كذبة المخلّص
بوصف شركة “أوراسكوم” بمثابة المخلص لهؤلاء الناس من عذاباتهم، وبجلب كل ما هو متطور يتمثل في آخر ما توصلت إليه تكنولوجيا القرن العشرين، هذا ما كان يعد به المسؤولون السكان هنا، هذا عدا وضع اجتماعي سوف يتغير من خلال مناصب الشغل التي تفتح والبطالة التي تقمع، وموارد جباية قد تخلص عاصمة الحمامات وقراها من مظاهر التخلف والفقر والعجز. المدير السابق تحول إلى ولاية أخرى، وترك وراءه تقارير وليس سوى التقارير. المصريون بعدها باعوا المصنع، قبل أن ينتهوا إلى تحقيق وعد واحد من عشرات الوعود التي قطعوها على أنفسهم لسكان المنطقة، إلى المجمّع الفرنسي لافارج، وحتى قبل أيضا أن تتفطن الدولة أو تستشار في ذلك، وكأن أرض المصنع توجد في أحد أقاليم الدولة المصرية، في حيلة أشبه بعملية قرصنة تعد سابقة في تاريخ دولة وجدت نفسها ملعوبا عليها من وراء الستار دون أن تترك لها فرصة هضم ما حدث.

الأرض الرهينة والاعتراف بالفشل
يعتبر العديد من المتتبعين للشأن الاقتصادي المحلي أن أرض حمام الضلعة وأهلها رهنت لسنوات ومسحت أمام المصريين كل الحواجز البيروقراطية، تحت عنوان لم يتح للراغبين في الاستثمار من الجزائريين الذين هجر معظمهم هذا الواقع بسبب القفز على القوانين، والعوائق الكثيرة التي عبر كثير منهم عن صدمتهم منها. العنوان يتمثل في كون هذا الاستثمار يكون محل توصية ومحاطا بالضوء الأخضر من قِبل رئيس الجمهورية بصفته وشخصه، ولعل هذا الواقع نفسه الذي كذبه بوتفليقة عندما انتقد هذا الملف وقال إن الجزائر ليست بحاجة لمصانع “ڤازوز” أو مطاحن الدقيق، واعترف لأول مرة بالخدعة التي وقعت فيها الدولة عندما لمح لما حدث في مصنع إسمنت حمام الضلعة الذي بيع على رؤوس الأشهاد. ولعل تلك الرسالة ذاتها هي التي كبحت أخيرا جماح وزارة طمار سابقا ونزعت الثقة من إصلاحاته وحوّلت أويحيى إلى رجل أصعب من حجر الصوان، ليس هذا فحسب بل غيرت قناعاته الاستثمارية وغيرت ترسانة قوانينه بما يحفظ ماء وجه الدولة، ويعيد إليها هيبتها بعدما ضحك المصريون على ذقنها كثيرا.

عندما تتغلب الدوافع الشخصية على مصالح الدولة
 ويرى سكان حمام الضلعة أن تغني المسؤولين المحليين في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة بمشروع مصنع الإسمنت لم يكن يحركه سوى دوافع شخصية ومصالح لا ترقى إلى مصلحة الدولة، بقدر ما تعد مجرد مصالح شخصية لتوظيف هذا الشخص أو ذاك الابن أو للحصول على اعتماد معين لتوريد الإسمنت أو إدراج سجل تجاري باسم زوجة مسؤول أو التمكين لهذا أو ذاك من اعتماد لشركة نقل أو شحن وتفريغ أو حراسة، وغير ذلك، فأحد الولاة السابقين قام بتوظيف أكثر من 40 شخصا من مسقط رأسه في المصنع، والأمر هكذا بالتواتر لكل مسؤول وحجمه حصة خاصة به من الجنة التي وعدوا بها من قِبل المصريين.

رحل المصريون واحتل الفرنسيون المكان
 في سنة 2000 كان خطا الإنتاج الأول والثاني قد انطلقا، ووصل حجم الإنتاج إلى 4 مليون طن سنويا. المصريون رحلوا بعدما غنموا الكثير، واحتل الفرنسيون مكانهم.. لا وضع تغير إلا ما مس الطبيعة من انتهاكات، والفضاء من غبار، وحمام الضلعة بقيت كما هي على حالها قبل التسعينيات، فقر وتخلف وعجز. ولم يكن لسكان الدبيل والبلدية ككل سوى مناصب قليلة، وخيم لبيع الأكل الخفيف. هجوم المضاربين وركاب قطار الثراء السريع، والمدينة التي كانت آمنة من قبل تحولت طرقاتها إلى لقمة سائغة في متناول إرهاب الوزن الثقيل، ومصنع أضحى مدخله الرئيسي مصدرا لاحتجاجات البسطاء من العمال الذين حولتهم أيادي الاستغلال من خلال شركات الحراسة والشحن والتفريغ الخاصة، التي تعودت على هضم حقوقهم بالأشهر، ثم ترحل تاركة المجال لأخرى، قبل أن يتحول هو الآخر إلى مكان للصراعات بين مافيا المضاربة بالإسمنت ومرتعا للاعتداءات وما إلى غير ذلك.

نصيب السكان.. الغبار والتلوث وضوضاء التفجير
ويعتبر سكان حمام الضلعة، وبالأخص سكان قرية الدبيل التي لا يبعد عنها المصنع إلا بأمتار قليلة، أنهم لم ينالوا من جنة هذا الاستثمار إلا ما استنشقوه من غبار المصافي والمحاجر والتفجيرات التي تحولت إلى حالة موعودين بها كل ليلة، ولهجة مصرية تعلمها معظمهم مخلوطة بعجينة لهجتهم الأصلية، على غرار جمل أضحت متداولة كثيرا، كأن تسأل أحدهم عن حاله فيجيبك بالقول أصبحت كويس أو ياكاب يعني يا رجل باللهجة المحلية، ودخلت الماهية ولا لالا وتعني دخلت الشهرية، وبعض من المناصب القليلة التي لا تكاد تسد الرمق أو هي موسمية بالأساس، ناهيك عن أن البلدية لم تستفد من شيء قد يمنح لميزانيتها قليلا من “سيروم” الإنعاش لا لشيء سوى لأن المصنع معفى من الجباية لمدة تصل إلى عشر سنوات، وهو ما قد تتقاسمه شركتا أوراسكوم ولا فارج كامتياز فيما بينهما، قبل أن تفكر هذه الأخيرة في النهج نفسه إذا ما تيسر لها ذلك، ولأن القانون بحسب المختصين يكفل لها ذلك، باعتبار أنها لا تقع تحت طائلة القوانين الجديدة المنظمة للاستثمار، إذا ما حدث وسارت الأمور لدى الوزير الأول بغير أثر رجعي.
وبحسب الكثير من المواطنين من هذه البلدية وغيرهم من سكان القرى القريبة، فإن منطقتهم الآمنة من قبل تكون دخلت في الدائرة الأخطر، باعتبار كما أشار هؤلاء وكثير ممن اعتبروا هذا الاستثمار نقمة على إقليم البلدية ككل، لم يعد هناك مجال للاقتناع بوجود الأمن حتى داخل بيوتهم، فإرهاب الطرقات تعاظم والطريق الوطني رقم 60 الذي يربط المسيلة بحمام الضلعة تحول إلى معبر للموت، مئات الشاحنات تعبره يوميا، وقانون المرور لا يطبق هناك إلا فيما ندر، وعشرات الضحايا كانوا لقمة تقتات منها عجلات الشاحنات، ناهيك عن الحروب اليومية لاكتساب المواقع أمام المدخل الرئيسي، وتدخلات لمصالح الدرك كل مرة لفض نزاعات تغذيها حرب الزعامة على سوق السندات، ومافيا الإسمنت وضوابطها وقانونها الذي وضعته لنفسها، ومئات الأطنان من الإسمنت المهرب هنا وهناك، وأكثر من 2800 سجل غير معروفة إن كانت حقيقية أو وهمية! ومقاولون من المنطقة لا يتزودون من المصنع ويقطعون مئات الكيلومترات باتجاه مصنع عين التوتة بباتنة، ومصنع يعشش فيه قانون الغاب وتنعدم فيه آليات الرقابة.
فبغض النظر عن الحملة اليتيمة التي قامت بها مؤخرا مصالح الدرك الوطني، بالتنسيق مع أملاك الدولة والتجارة، حيث تمكنت من وضع اليد على ما يقارب 1400 طن من الإسمنت وبيعه للمواطنين في مزاد علني، خبت تلك الحملة ولم تعد ذات جدوى بسبب ما برر به مصدر أمني ذلك من أن المضاربين تفطنوا وأصبحوا يأخذون احتياطاتهم مسبقا، كما إن مديرية التجارة لم تحرك ساكنا من قبل ومن بعد، بالإضافة إلى انعدام الأمن وسطوة المضاربين وحكم القوي على الضعيف، وعدم القدرة على المس بمصالح الأثرياء الجدد، كل ذلك يبقى عنوانا بالبنط العريض لمصنع جلب الشر للمنطقة وأدخلها في دائرة المجهول.. المدينة تبقى هي المدينة، حمام الضلعة لم تعد مدينة سلام، بقدر ما حاصرتها أمراض كثيرة، ودون شك ليس المقصود هنا الأمراض المعروفة، بل ما أصابها أمر أكبر بكثير من ذلك.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول