آخر الأخبار

نهاية قصة مستهـدفي رجال المال بڤالمة

+ -

جرت مطلع الأسبوع الحالي محاكمة المتورطين في قضية اختطاف وقتل تاجر العملة بنهج عنونة وسط مدينة ڤالمة، وهي القضية التي انتظر “الڤالمية” منذ 29 نوفمبر 2012 فتح ملفها طلبا للقصاص من الجناة. فقد سلطت محكمة الجنايات على المتهمين الثلاثة: عقوبة الإعدام للمتهم الأول، والسجن لمدة تتراوح بين10 و15 سنة للمتهمين الآخرين، وهي الجلسة التي عقدت لسان المتهم الأول الذي تظاهر بالاضطراب وبأنه أقرب إلى الجنون منه لرجاحة العقل، رغم اعترافه في وقت سابق خلال مراحل التحقيق بجرمه ومشاركة المتهم الثالث له.الضحية اتصل بعائلته وأخبرهم أنه في مزرعة يحيط بها جدار يشبه سور برلين كما كشفت التحقيقات والمرافعة التي استغرقت قرابة 15 ساعة متواصلة عن مخططات وضعها الشركاء لتنفيذ عمليات اختطاف تطال رجال أعمال بارزين بڤالمة وعنابة، من بينهم بن عمر، وصاحب مصنع للمشروبات الغازية الحاج ظافري، إضافة إلى تجار الذهب والعملة، وطلب الفدية من ذويهم، وهي “مشاريع اختطاف” بقيت مفتوحة حتى يحين وقتها ويعثر مهندسوها على مساعدة شركاء آخرين.بدأت من الضحية وانتهت عنده لسوء حظ الضحية “ب. محمد” أن القائمة التي وضعت لاختطاف الضحايا بدأت منه وتوقفت عنده أيضا، حيث خطط لاستدراجه حسب ما ذكر في ملف المرافعة منذ قرابة 3 أشهر، سبقت التاريخ المشؤوم المصادف لـ29 نوفمبر 2012، والذي يمثل موعدا هاما لإجراء الانتخابات البلدية. في صباح ذلك اليوم تلقى الضحية اتصالا هاتفيا من المتهم الأول “س. عبد الحق”، وبعد وقت قصير التقى به، ونقله معه إلى بلدية بوحمدان (على بعد 37 كلم من ڤالمة) واحتجز هناك داخل مزرعته، واتصل هو وشريكه “ز. سمير” بعائلته، وطلبا فدية قدرت في بادئ الأمر بمليار سنتيم، تم تخفيضها إلى حدود 100 مليون سنتيم، غير أنهم لم يحصلوا عليها، وهي التفاصيل التي عاد إليها كاتب الضبط خلال المحاكمة ناصر محجوب، ورغم محاولته اختصار وتجاوز بعض المعلومات، فقد استغرق حوالي ساعتين من الزمن في تلاوتها، منذ انطلاق مجريات المحاكمة في حدود الساعة التاسعة صباحا حتى حدود الحادية عشر.وتفيد الوقائع تعرض الضحية “ب. محمد” لاختطاف من قبل مجهولين، وأنه لم يعد للمنزل منذ غادره في حدود الساعة الحادية عشر صباحا حتى المساء، وهو ما دفع ابنه لتقديم بلاغ لدى مصالح الأمن يفيد باحتمال تعرض والده للاختطاف، لتباشر على إثرها تحقيقات موسعة من قبل الشرطة والدرك، قبل أن يعثر على جثة الضحية مرمية في دوار بني عدي، مسقط رأس الرئيس الراحل هواري بومدين.التخطيط لاختطاف أصحاب المالظهرت المعلومات والتفاصيل من خلال تصريحات المتهمين الثلاثة، والتي جاءت متناقضة في بعض الأحيان، لكن ثمة حقائق تنطوي عليها تؤكد واقعة الخطف والقتل مع التنكيل بجثة الضحية، وهو ما كشف عنه المتهم الأول عند التحقيق معه سابقا، قبل أن يلتزم الصمت خلال مجريات المحاكمة، وخلال ساعاتها لم يكف عن تحريك جسمه في حركة تنم عن حالة من الاضطراب والغليان الداخلي، كأنما يحاول تسريع وتيرة المحاكمة، وهو يستجدي الوقت والقاضي والمحلفين أن يرأفوا لحاله.ذكر أن هذه العملية لم تكن منفصلة عن سياق آخر يسعى هو وشريكه المعروف باسم “القط” الذي يعتبره مهندسا لعملية خطف تاجر العملة الصعبة، حيث اقترح فكرة التخطيط لاختطاف أصحاب المال بولاية ڤالمة، ووضعوا قائمة حددوا بدايتها، وكان على رأسها الحاج ظافري الذي يشتهر في الولاية بإنتاج المشروبات الغازية، فأراد أن يخفيه بفيلا تابعة لإحدى العائلات المعروفة بالولاية أيضا. أما الضحية الثاني على سلم ترتيب الاختطاف المستقبلي فهو جواهري، وأهم شخصية في ذلك هو رجل الأعمال بن عمر، حيث ذكر أنه خطط لذلك مع أحد حراس مسكنه الكائن بعنابة، وهنا يعقب المتهم وهو يسرد هذه التفاصيل لقاضي التحقيق، أنه رفض كل هذه المخططات، قبل أن يستقر الأمر على تاجر العملة، وقال إنه لا يعرفه ولم يسبق أن تعامل معه ولا علاقة تربطه به، وأن شريكه هو من خطط لذلك، وطلب منه أن يساعده بعد اختطاف المعني أن يخبئه في مزرعته ببوحمدان، وهي تصريحات تتلوها أخرى في محاولة منه ليبرئ نفسه “الأمّارة بالسوء”، حيث يضيف قائلا “رفضت في بادئ الأمر، وبعد أن تناولنا الخمر الذي عمد شريكي إلى وضع أقراص مهلوسة فيه، وكان لذلك تأثير بفقد الوعي في البداية ثم الموافقة على المشاركة في العملية في مرحلة تالية”، وتم خلالها استدراج الضحية من أمام فندق “التاج” وسط مدينة ڤالمة إلى الضيعة التي توجد بها فيلا المتهم الأول في بوحمدان، بنية إتمام معاملة بيع العملة، وتحجج بأن المال موجود في بوحمدان، لذلك طلب منه بأن يرافقه، وهو ما تم.كما عمد المتهمان إلى حيل سبقت إدخال الضحية للمسكن حتى يبعدا عنه الشك والخوف، وبعد استقراره داخله، يضيف شريك “القط”، قام مباشرة بإمساك الضحية من الخلف وأسقطه أرضا ووضع خنجرا على رقبته، وهو ما دفع الضحية للصراخ، غير أنه قام بتكبيله بخيط قال إنه يُستعمل في البناء، وطلب منه مبلغ 2 مليار سنتيم، في البداية أخبره الضحية بأنه يحوز 50 مليون فقط، ثم استقر عند مبلغ 100 مليون سنتيم، واتصل الضحية بعائلته في حدود منتصف النهار، وطلب منهم وفقا للمخطط الذي وضعه المتهمان بأن يتجهوا بالمبلغ إلى مكان قرب الفرع البلدي لحي الحاج أمبارك، وهناك سيجدون شخصا ملتحيا يسلمونه المبلغ، وذهب شريكه بعدها لإحضار المبلغ وأخذ معه هاتف الضحية، لكنه لم يتمكن رغم انتظاره حتى حلول الظلام، بسبب تواجد رجال الشرطة بالمكان، فعاد للضيعة من جديد.في هذه الأثناء كان الضحية قد أصيب على مستوى الرأس وهو يحاول القفز من الشرفة طلبا للهرب، فأعاد إدخاله للمنزل وحاول خنقه بخيوط، لكن شريكه المتهم الأول، كما يذكر، طلب منه العدول عن ذلك، وقام بنزع سترته وقميصه وأدخله للسيارة كما لو أنه يحضره لمصير غير آمن، وهذا ما تنم عنه القفازات السوداء التي كان يرتديها، وسارا حتى وصلا إلى “مرمورة” فتعطّل محرك السيارة.هذا الوضع حسب تصريحات مختلف الأطراف استدعى من “عبد الحق” الاتصال بابن أخيه “ناصر” لطلب المساعدة. في هذه الأثناء كانت الساعة تشير إلى حدود السادسة والنصف مساء، وكان “ناصر”، حسب تصريحاته، متواجدا بمسكنه العائلي بمشتة “بني ملول”، فهرول لمساعدة عمه، كون المنزلين يبعدان عن بعضهما بمسافة تقارب 50 مترا فقط، فوجد عمه في حالة سكر، وهو يتقدم أكثر من السيارة سمع أنين شخص ينبعث من داخلها، في البداية ظنّ أن مرافق عمه هو الآخر تحت تأثير الكحول، وبعد أن استعلم الأمر أخبره عمه أن ذلك بسبب شجار دار بينهما. عادت الحياة للسيارة من جديد، لكنها حتما لن تعود للضحية الذي ملأ أنينه عمق السيارة ودماؤه تنزف، ولكن من يهتم له إن نضبت بعدها، فمصير الشاة إلى الذبح، ولن يثني الأنين عزيمة من ذهبت الكحول بعقله، ومن بات يعلم أن مصيره محصور في طريقين، إما طمس معالم الجريمة، أو إلقاء القبض عليه، وهي نهايات مؤلمة في كلتا الحالتين للضحية ولمختطفيه.يشير “ناصر” عند استجوابه إلى أنه بعد أن تأكد من تشغيل السيارة ترك عمه وذهب إلى مركز فرز الأصوات المتواجد بالمنطقة، حيث كان يعمل بالمطعم يومها، وتحدث المعني عن بعض التفاصيل التي يوحي من خلالها للقضاء بأنه لا علاقة تربطه بالواقعة غير صلة الرحم بعمه الذي كما طلب منه مساعدته الليلة الماضية في دفع السيارة، اتصل به كذلك في ساعة مبكرة من صبيحة اليوم الموالي، وطلب منه مساعدته في إدخال السيارة إلى المنزل، والذي اتضحت معالمه بعد تسلل أشعة النور إليه، ليكشف عن بعض جوانب الجريمة، لكن قراءتها لم تكتمل بعد لشخص كناصر، حيث ظهرت بقع الدم منذ فتح الباب الخارجي، وفوق إحدى الطاولات سترة وقميص لشخص ما، ربما ما يزال نائما في مكان ما، بجانبها قارورة خمر وخنجر كبير، وعلى الأرض حذاء بلون عسلي بلا خيوط، نسيه صاحبه ولاذ بالفرار مخافة أن يعيق سيره، كما يقال بالتعبير الشعبي “هرب بالروح”، وهي كلها إشارات واضحة وصارخة عن فعل ما دبّر وتم تحت جنح الليل، فمن يبحث عن خيوط الحذاء سيكتشف حل الأحجية، لكن العم أخبر ابن أخيه بغير هذه التفصيلات التي بتنا نعلمها الآن، قال له إن سبب الدم هو نفسه سبب الأنين، وهو شجار مع شخص حول مبلغ مالي، فصدّقه وغادر المنزل بعد أن أعاد المفتاح لعمه الذي تركه يقوم بتنظيف البلاط من بقع الدم، ونفى المعني علمه بباقي تفاصيل المؤامرة التي راح ضحيتها “الصرّاف”. “القط” يتحمّل ثقل الجريمة!بذلك يكون المتهم الأول قد ألقى بكل ثقل الجريمة على كاهل صديقه “القط” الذي تعود صداقته به لسنوات ماضية، كونه كان يتردد على منزله الثانوي بضيعة بني ملول ببوحمدان، وأكثر من ذلك هو العمل الذي يربطهما في أحد شواطئ الطارف، غير أنه أمام القاضي اعترف بأنه هو من قام بإزهاق روح الضحية ورميه في “ذراع النخالة”، بعد ضربه من قبل شريكه الذي اعتبره مخطط الاختطاف، وقد دفعه الخوف بعد يومين من الواقعة إلى الفرار من مدينة ڤالمة باتجاه حاسي مسعود، كونه كان سابقا يعمل بهذه المنطقة وكان ثريا قبل أن يفقد ماله، كما تحدث عن حالة من الندم الشديد التي انتابته جراء ما اقترفت يداه، ورد ذلك إلى تأثير الكحول والأقراص المهلوسة.ابنة الفقيد: المجرم قال لي ديري واش قال باباك ومتخافيشخلال الساعات الأولى من علم العائلة بواقعة الاختطاف، حاول أفرادها فعل شيء ما لإنقاذ الوالد، وهم يتجرعون الويل مع مرور الوقت الذي لم يعد يسير البتة في صالحهم، ومع تواتر الاتصالات الهاتفية عليهم للتأكيد على المكان والتحذير من الاتصال بالشرطة، أخذ الوضع يتعقد أكثر، تحدثت ابنة المرحوم “آمنة” عن مجريات حادثة اختطاف والدها التي تعرف عنها جزءا هاما يتعلق باتصال المختطفين بهم وإخبارهم بما وقع، وكان ذلك في حدود منتصف النهار تقريبا. قالت إن والدها تحدث إليها وإنه كان يجد صعوبة في الكلام (لسانه ثقيل) وأخبرها عن حقنه بإبرة وما تعرض له من انخفاض ضغط الدم، فطلب منها والدها أن تعطي لشقيقها مبلغ 50 مليون سنتيم الموجودة في أحد أدراج الخزانة، وأن يتوجه بها إلى المكان المتفق عليه، وبعدها تقول آمنة تلقينا عدة اتصالات على هاتف أمي، وكان المجرم كما أصرت على وصفه بذلك عدة مرات يقول “متخافيش، ديري واش يقولك باباك وروحي للحاج أمبارك”، وهي العبارة التي كررها عدة مرات، وقالت إن أحد الأصوات التي أسمعتني إياها مصالح الشرطة كان قريبا من صوت أحد المتهمين.زوجة الضحية: اتصل بي زوجي وقال إنه في مزرعة بها سور كجدار برلينأما الزوجة فذكرت أن زوجها خرج من المنزل حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحا، بعد أن تلقى اتصالين هاتفيين في زمن قصير من شخص يبدو أنه يعرفه جيدا، وغادر المنزل ولم يحمل معه مبلغا معتبرا كعادته، وبعد نحو ساعة من الزمن جاءها اتصال عبر الهاتف الثابت، وهو الاتصال الذي أربك العائلة والأقارب والجيران، وكان بداية حادثة تناقلتها الألسن بالولاية على مدار سنوات متتالية، وبقيت واقعة اختطاف الصراف محفورة في ذاكرة سكان الولاية ومبعث خوف للعاملين معه في نهج عنونة، حيث كان واحد منهم لا قدر الله سيلقى ذات مصير المرحوم محمد، ومن حيث لم تكن تعلم أخبرها زوجها وهو المتصل بما حصل له، وكان صوته يغني عن أي سؤال، وهو يقول بأنه يتواجد في مزرعة يحيط بها سور يشبه سور برلين، وقالت إنها لا تتذكر المنطقة التي يوجد بها إن كانت تاملوكة أو الركنية، لكنها تحفظ ذكرى أليمة للغاية عما قاله بعد ذلك “أنا خائف، أنا داخل سيارة لوحدي..”، وقبل أن تنقطع المكالمة سمعته يقول “راهم جاو”، وتتابع الزوجة: قصدت هاتفا عموميا بالحي وطلبت من صاحبه أن يتصل برقم زوجي وتحدثت إليه مجددا، وكان صوته متثاقلا وبدا خائفا، وأخبرها عن مبلغ المال وأن تسلمه لابنه ليضعه داخل قفة ويتوجه به للمكان، قبل أن ينقطع الاتصال مجددا، ثم تلقت اتصالا آخر من قبله، وكانت حالته تسوء مع مرور الوقت والخوف يستبد به أكثر وتسبب له في ارتفاع ضغط الدم، زيادة على الحقنة التي تلقاها، وكان المبلغ في البداية 50 مليونا، لكن أحدهم فاجأها بطلب إحضار مبلغ 100 مليون، وحذرها من أية محاولة للاتصال بالشرطة فزوجها رهينة لديهم.في تلك الأثناء، قصد ابنها مصالح الأمن وأخبرهم عن الواقعة، وكذلك تم تبليغ الدرك قبل أن تتجه هي وابنتها للمكان المتفق عليه مع المتهمين، وقد اتفقت مع رجال الشرطة على عدم إحضار مبلغ المال، وبقيت تنتظر قرابة ساعتين ولكن أحدا لم يوقفها أو يتحدث إليها، رغم مرور عدد من الأشخاص يحملون مواصفات تتقارب مع الشخص المعني، وعادت لمنزلها دون أن يحصل شيء حتى اليوم الموالي، لتعلم بمقتل زوجها الذي عثر عليه بمنطقة العرعرة في مزرعة بوخروبة ببلدية مجاز عمار.الضحية عُثر عليه مرميا في دوار بني عدي موطن الرئيس هواري بومدينفي يوم 30 نوفمبر، وبعد توسيع عملية البحث، تلقت مصالح أمن ڤالمة مكالمة من الفرقة الإقليمية لعين احساينية تفيد باكتشافها جثة شخص مجهول الهوية بمشتة بني عدي، وبعد تنقل عناصرها وجدوا فرقة الدرك قد باشرت التحقيق، فاتضح بأن الجثة تعود للضحية محل الاختطاف، عثروا عليه منزوع الثياب العلوية وعلى جسمه أثار اعتداء على مستوى الرأس يرجح أنها تمت بآلة حادة، ورقبته مربوطة بخيط أبيض يمثل رباط حذائه الرياضي، إضافة إلى اعتداء على جانبي بطنه بسلاح أبيض. وكان للعبارة البسيطة التي ذكرتها الزوجة عن مكان تواجد زوجها في مزرعة يحيط بها سور عالٍ في ضواحي الركنية أو تاملوكة، أثر في التعجيل بالكشف عن المتورطين في الجريمة، حيث لا يوجد بهذه المناطق مزرعة بهذه المواصفات غير مزرعة المتهم الأول، وإثر ذلك تم توقيف 3 مشبهين فيهم “س. عبد الحق”،  “س. ناصر” وهو ابن أخ المشتبه الأول، والثالث “ز. سمير”، تتراوح أعمارهم بين 33 و53 سنة، وتمت متابعتهم من قبل وكيل الجمهورية لدى محكمة ڤالمة بتهمة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد، والاختطاف بغرض طلب فدية، وجريمة طمس آثار الجريمة للأول والثاني، والثالث بتهمة المشاركة في القتل العمدي والاختطاف بغرض طلب فدية.وقد أنكر المتهم الأول أمام قاضي التحقيق تماما ارتكابه جناية القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد، مقابل اعترافه بمشاركة “ز. سمير” المدعو “القط” في إزهاق روح “ب. محمد” في نفس يوم اختطافه بمشتة بني ملول في بوحمدان، كما أنكر جناية الاختطاف بغرض طلب فدية، في حين أقر بطمس آثار الجريمة بحرق ملابس الضحية وكل ما لمسه حتى القارورات، ونظف القاعة التي وضع فيها وهو ينزف دما، وتم ذلك بمساعدة ابن أخيه “س. ناصر”، وذكر أن هذا الأخير لم يكن يعلم أي شيء حول واقعة القتل، وقال إن “ز. سمير” هو من أزهق روحه بمنطقة مرمورة التي تبعد عن مزرعته بحوالي 5 كيلومترات، وتم ذلك وفقا لما رواه بواسطة “سيور” أو خيوط حذاء الضحية الذي حاول منعه فعمد إلى خنقه بمنشفة بعد أن مزقها إلى قطع رقيقة، وبعد فترة لفظ الضحية أنفاسه بعد أن قام بنقله على متن سيارة تعود ملكيتها لزوجته، وتركه وسط الطريق في منطقة تعرف بذراع النخالة، وواصل المتهم الأول سرد تفاصيل القصة التي تقشعر لها الأبدان، بأن شريكه الذي يعرفه منذ 12 سنة عندما رمى بالضحية في تلك المنطقة “كان ينوي أن يجده أحد المارة ويعمل على إسعافه، لأنه لم يكن يدري أنه فارق الحياة”.أما ابن أخيه فتضاربت تصريحاته هو الآخر، بقوله بعدم معرفته بوجود شخص بسبب الزجاج غير الكاشف الذي تستحيل معه رؤية ما في الداخل، فضلا عن قوله بعدم اشتغال ضوء سقف السيارة، ثم مشاركته في حرق الملابس والأغراض رغم عدم علمه بخلفياتها، وهي العملية التي تمت لطمس آثار الجريمة وإبعاد الشبهة عنهم، رغم ما قالته ابنة الضحية بتقارب صوته من الصوت الذي حدثها يوم الحادثة، وهذا بعد إجراء المواجهة الصوتية.الشريك “القط” كان يعمل مراقبا لحزب العمال يوم الانتخابتصريحات المتهمين التي حملت محاولات يائسة لكل طرف للتملص من التهم المنسوبة إليه لدرأ العقوبة عنه والتمتع بالحرية، لم يخرج عن سياقها الشريك “ز. سمير” الذي نفى بدوره معرفته بالضحية مطلقا، أما علاقته بالمتهم الأول فتعود لعمله لديه كعون أمن في ملهى ليلي سابقا، كان يديره قرب محطة المسافرين، غير أن سوء تفاهم قطع العلاقةَ بينهما وزعم أن آخر لقاء بينهما قبل أشهر من الواقعة. أما عن حادثة الاختطاف وطلب الفدية فلا علم له بها، وأكثر من ذلك قال إن يوم الحادثة المزعوم صادف الانتخابات البلدية، وقد كان يعمل كمراقب لفائدة حزب العمال على مستوى مركز انتخابي بحي وادي المعيز، وتنقل فقط في مرات مقتضبة للإبلاغ عن وجود حالة تزوير بالمركز، ومرة أخرى لتناول وجبة الغذاء، وكذا تأدية واجبه الانتخابي، وعاد للمركز مجددا حتى العاشرة ليلا موعد الفرز، وبعدها حملوا المحاضر إلى مقر الحزب بحي قهدور الطاهر وعاد لمنزله.23 شاهدا وسط محاكمة طويلة وشاقة للمتهمينتمت محاكمة المتهمين الثلاثة على امتداد قرابة 14 ساعة، وهو زمن جعل المتهم في حالة مضطربة، وخلال وقت طويل أخذ يحرك جسمه في حركة تنم عن اضطراب داخلي، وتخللت المحاكمة فترات مقتضبة للاستراحة أو التشاور، وبدا القاضي عبد الجليل بن زبوشي متحكما في دواليب المحاكمة على امتداد ساعاتها، فسارت الجلسة بشكل عادي دون ضغط، وحافظ القاضي على هدوئه وعلى مقدرته في الاستماع لكل الأطراف، بدءا من قراءة قرار الإحالة في حدود الساعة التاسعة صباحا، وما تبعه من استماع للمتهمين الثلاثة، قبل أن ينادي كاتب الضبط على حوالي 23 شاهدا تباعا، كما تلا التقرير الطبي بعد عرض المتهمين الثلاثة على مختصين، مؤكدا أنهم يتمتعون بكامل قوامهم العقلية، وأنهم أهل للمساءلة وتحمل المسؤولية الجزائية، وأخذ القاضي بين الحين والآخر يعمد إلى التعقيب على بعض الكلمات التي ترد من المحامين، منهم الأستاذ بلجازية والأستاذ مودع، في قالب ساخر لتلطيف الجو، ولسان حاله: إذا كانت النفس الأمارة بالسوء والشيطان قد أورداكم التهلكة، فلن أكون عونا لهما على مضاعفة عذابكم، فالعقاب آت لا محالة، وجنس الفعل يتوافق مع جنس العقاب.“الاختطاف أصبح مرتزقا عالميا رضخ له أباطرة التكنولوجيا”ذكر محامي الطرف المدني الأستاذ أحمد بلجازية، في بداية مرافعته التي جاءت في حدود الساعة الخامسة مساء، أن محكمة الجنايات تصدر أحكامها استناد إلى قناعة هيئتها، وهو الوتر الذي عزف عليه محامو المتهمين لاستعطاف “جناب القاضي”، فيما استهل المحامي حديثه عن صمت المتهم الرئيسي خلال الجلسة واعتبره بذلك قد عرقل سير القضاء وخلق صعوبات، فلم يحصل استجواب في الموضوع، وتم الاعتماد تبعا لذلك على المعطيات الأولية للأمن الذي استدل وفقا لمعلومات عن مكان يكون الضحية قد سيق إليه في ضواحي الركنية، مع معلومة تحمل الكثير من الغرابة عن بيت يشبه القصر، به سور يشبه “جدار برلين”، مع تذكير بعبارة الضحية قبل موته (راني خايف). وقال المحامي إن ملف الضبط القضائي سار على هذا النحو حتى العثور على جثة الضحية في دوار بني عدي، لتبدأ خيوط الجريمة في التفكك بما يوحي أنه قتل في تلك الجهة، وبعد توسيع الاختصاص بأمر من قاضي التحقيق تبين أنه في ڤالمة لا توجد “فيرمة” بهذا الوصف غير تلك المملوكة للمتهم في بوحمدان، لتصبح الشكوك حقيقة تبعا لهذه المعلومة البسيطة. علق المحامي بلجازية على حادثة الاختطاف بأن هذه الظاهرة أصبحت مرتزقا عالميا يطال الأطفال والدبلوماسيين، ورضخ لها أباطرة التقدم التكنولوجي، وهم سلف المد الغربي، وأشار إلى مجموعة من الأدلة التي اعتمدها لتأكيد ضلوع المتهمين في الجريمة، منها ترددهم على الضيعة لسنوات ومعرفتهم بها جيدا، لذلك اختاروها مكانا لتنفيذ الجريمة، وملازمتهم لبعضهم، كما تطرق لحالة الإفلاس التي تعرض لها المتهم بعد ثراء “فاحش” على حد قوله، وقال إن المجرم ليس بالغبي بعمده للاحتيال على المجتمع، واختياره يوم الانتخابات لم يكن عبثا، وهي انتخابات قاعدية للجماعات المحلية تحدث حالة استنفار قصوى لدى مصالح الدولة، وهو ما يجعل الطرق تخلو لهم لانشغال الجهات الأمنية بتأمين الانتخابات، فكل السبل كما وصفها آمنة أمامهم، ثم ينتقل إلى تأكيد حالة الترصد والتخطيط للجريمة بالاتصال بالضحية وتحويله إلى مكان الاختطاف الذي يبعد حوالي 40 دقيقة عن وسط مدينة ڤالمة، حسبما توصل إليه بانتقاله إليه، وأشار إلى أن المتهمين يصلونه في وقت أقل لاعتمادهم السرعة، فتم تغييب الضحية من ڤالمة قبل منتصف النهار من أمام محطة البنزين المقابلة لمقر وكالة “جيزي” الواقعة بباب عنابة، حسب الوصف المسهب الذي قدمه المحامي، وقال إن ابن أخ المتهم الأول بقي في بوحمدان، فيما ساقه أحد المتهمين إلى الضيعة ولحقه الآخر، وألحق المحامي التهم بالمتهم الأول الذي قال إنه ضُبط متلبسا بالقتل، وقد قتل وعذب أو أشرف على هلاك الضحية في منزله، إضافة إلى العثور على آثار الدم واللباس وخيوط الحذاء، كما عمد المتهمان إلى رمي الضحية بالطريق، ورجح أن يكون ذلك تم في النهار كون المنطقة مشهورة بذئابها التي كانت ستأكله، وبالتالي كانت الجريمة لتبقى لغزا يصعب فكه لوقت أطول، وهذا كان سيتلاءم والتخطيط لاختطافه الذي استغرق قرابة 3 أشهر وفقا لإقرارهم، كما استدل المحامي بحالة التقارب بين المتهمين ومرافقتهم ومعاقرة “بنت العنب”، وهذا مورد يؤدي إلى معاقرة “بنت حواء” وجرائم أخرى، وتطرق إلى اختيار المتهمين لمكان تسليم الفدية المحدد بشجرة قرب الفرع البلدي لحي الحاج أمبارك بمسالكه الصعبة، وهو ما ييسر على الشخص المختار لتسلمها الانتقال بينها، فضلا عن محاولة الشريكين استخدام شرائح هاتفية غير معروفة للتضليل، وهو ما أظهره كشف المكالمات لاحقا.أما محامو المتهمين فقد حاولوا دفع البلاء عنهم بالاستعانة بالحالة التي أصابت المتهم الرئيسي الذي لزم الصمت خلال المرافعة، واعتبرت محاميته أنها ناتجة عن الوصف الفظيع للجريمة، وطالبت بتأجيل المحاكمة لحين عرضه على خبير للتأكد من مقدرته على تحمل المسؤولية، غير أن القاضي رفض بعودته إلى تلاوة الملف الطبي للمتهمين الذي أكد على سلامتهم البدنية والعقلية، وكذا تطرق لسيرتهم ولوضعيتهم الاجتماعية، وتأسفت المحامية لصمته وقالت “تمنينا لو نطق، لربما تحصلنا على معلومات تخفف عنه العقوبة”. كما حاولوا تبرير ما فعله بنقله بواسطة السيارة إلى الطريق العام بالقول إن ذلك كان بنية تقريبه من المستشفى لإسعافه. وتباينت طلبات دفاع المتهمين بين تخفيف العقوبة والبراءة لعدم توفر الأدلة، وهو ما جعل الأستاذ لكحل حمدي يتساءل مستغربا عن مقدرة موكله “ناصر” على القيام بخمس جرائم، وهو ابن بلدية يعرف الناس فيها بعضهم، وكان يومها مسخرا للانتخابات وعاد لعملية تمثيل الجريمة في محاولة لتبرئته وبغيابه عن مسرح الجريمة وقدومه فقط لتقديم العون لعمه، وعدم علمه بخلفيات نقل الشخص والدماء، وهو ما جعله يسأل عمه عن ذلك، ما يؤكد عدم علمه بتفاصيلها، واعتبر حتى تهمة عدم الإبلاغ عن جناية غير صحيحة لأنه لم يكن يعلم بها أصلا، واعترف بمشاركته في حرق الأغراض بطلب من عمه، والتمس لذلك تبرئته من كل التهم، وهو ما ذهب إليه الأستاذ عبد العزيز مودع لتبرئة “ناصر” بما أكده عمه بطلبه مساعدته لإعادة تشغيل السيارة، وهو بذلك يغيب عن مشهد سابق وهو لا يهم موكله يتمثل في قتل الضحية، والمشهد التالي عند سماعه أنين الضحية وكان يعتقد أنه جراء شربه للخمر.أما دفاع “ز. سمير” فقد اعتبر ما حصل لعائلة المرحوم “ب. محمد” مأساة، وقال لا أحد يرغب في أن يكون محل العائلة، وقال لو تأكد أن موكله هو من قام بإزهاق روح الضحية “فالله يسهل عليه”، ولكن تصريحات المتهم الرئيسي هي التي جرته للمحكمة، رغم ما حملته من تناقض قبل أن يصمت اليوم، ومع ذلك يقول إنه اعتد بما ذكره في وقت سابق، كما اعتبر الاعتماد على القوائم (ليستينغ) أصبح “موضة” على حد قوله يعاقب على أساسها الأشخاص، مستفهما عن تواجد شخص في مكان ما، إن كان يؤكد ضلوعه في التهمة، أو في حال اتصاله بشخص ما يعني ذلك مشاركته الجرم، وأكثر من ذلك ذهب في استغرابه عن شخص موكله، وهو شخص يحمل تكليفا من حزب العمال لحراسة الانتخابات، “أيعقل أن يقوم بعمله ثم يقتل بطريقة بشعة؟”، وهو ما يبعد عنه التهم.النائب العام يطالب بإعدام متهمين والمؤبد للثالثمن جهته عاد النائب العام إلى حيثيات القضية، مؤكدا حادثة الاختطاف وطلب الفدية، والتخطيط المسبق، واستدراج الضحية، ثم إزهاق روحه بعد تعذيبه، ورمي جثته ثم محاولة طمس آثار الجريمة، وهو ما يشكل جنايتين وفقا للقانون بالنسبة للمتهم الرئيسي وابن أخيه، والمشاركة في الخطف للثالث، ويتأكد ذلك من المطابقة بين التصريحات والأماكن وما عثر بها من أدوات خدمت كلها التحقيق، فضلا عن اعتراف المتهم الأول، وهو ما اعتبره تعديا على الحياة المقدسة، مطالبا بتسليط عقوبة الإعدام على المتهم الرئيسي وابن أخيه والمؤبد للمتهم الثالث.

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات