+ -

 تعجّبت، وليست هذه أول مرّة أتعجّب فيها لهذا الأمر! بل لا أكفّ عن الاندهاش في كلّ مرّة أقرأ فيها عن تلك المرحلة الذهبية أو لعلّها الماسية، لأنّ المرحلة الذهبية هي التي سبقتها وكانت روحها ووقودها ومحرّكها.. أي مرحلة ثورة التحرير. أمّا المرحلة الماسية التي عاشتها الجزائر فهي فترة البناء والتشييد التي رافقت خطاها ثورة فكرية وثقافية.لست من ذلك الجيل، ورغم أنّي لم أعش أمجاده، غير أنّي قد اطّلعت على آثاره من كتب ومجلّات، وعاصرت الذين عايشوا تلك الحقبة الجميلة، واستقيت منهم تجاربهم وشهاداتهم عن تلك الفترة التي أصبحت فيها للجزائر ثقافتها الخاصة وفكرها وكتّابها وصحافتها، ومنابرها وأقلامها وثورتها.أُعجِبت كثيرا بتلك الكلمات المكتوبة في أول صفحة في مجلة من المجلات التي أسّست في سنة 1970 واسمها “آمال”، وتعنى بالكتّاب الشباب، وتستقبل أعمالهم، وتشجّعهم على الإبداع والعطاء في سبيل النهضة الفكرية. وهذه الكلمات هي “آمال تفتح صدرها لكلّ الأقلام الشابّة لتساهم في الثورة الثقافية”. هذا العنوان يعكس إرادة الدولة في الرقي والتميّز من جهة وتعطُّشَ الشعب للمعرفة من جهة أخرى، أو على غرار مجلّة “الأصالة” التي تعنى بالفكر ونشر كلّ ما كان يجري من أحداث ونقاش في ملتقيات الفكر في الجزائر. وخير ما أستطيع به وصف تلك الأيّام هو التوازن. وإذا تمثّلنا بلدنا الجزائر شخصا، فهو شخص قد وجد- في تلك الأيام- حالة التوازن الفكري والنفسي وكوّن لذاته شخصيّة يستطيع بها فهم ما يدور حوله في العالم، وأن يجد له حيّزا ووجودا. لقد كان المجتمع آنذاك يعيش حالة نضج في كل الميادين، وعبّر عنها برقيّ بالفنّ صنوفا وألوانا. ازدهرت في تلك الأيام المجيدة السينما والمسرح والأدب وباقي الفنون.ورغم المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي لا يخلو منها زمن أو وطن، إلّا أنّ حالة النضج تلك، والوعي والشعور بالمسؤولية التي أحسّ بها الشعب آنذاك بإيعاز ومباركة من قيادة سياسية محنّكة أنسبُ ما يجب أن نَسِمها به هي سِمَة الوطنية، لأنّ من يتحلّى بهذه الخصلة، يستطيع أن يفعل الأعاجيب!!وهكذا، فكانت الدولة الجزائرية شعبا وقيادة، تسير بخطى ثابتة نحو التقدّم والأمل، حتّى وقعت النكسة، ورجعنا للوراء وفقدنا التوازن، وتغيرت المفاهيم، ثمّ تبدّلت الثقافة، وصارت المثل العليا والثورة الفكرية، بذخا لا نسعى إليه، وصار همّنا المشاكل الأمنية ثمّ صارت المادّة بعد ذلك هي المراد من الحياة! ومرّت سنين.. ونحن على هذه الحال نعاني دوّامةً، الخروجُ منها صعب. لأنّ شرائح كبيرة فقدت ذلك المحرّك النفاث وتلك القوة العجيبة، المسمّاة الوطنية. هذه القوة التي تجعلك تضحّي لأجل الوطن، وتضع مصلحته قبل مصلحتك، ومجده قبل مجدك الشخصي. كما فقد السواد الأعظم من النّاس ذلك الطموح والأمل لغدٍ أفضل، وصار التقدّم لا يعنيه، بل حتّى التخلّف لا يعنيه! وأصبحت أمثال شعبية مثل: “أحييني اليوم واقتلني غدوا”، شعارا ومنهاجا، وهي تدلّ على “طلاق بالثلاث” مع واجبات المواطنة والانخراط في الحياة الاجتماعية التي يتوجّبها الوقت الراهن.واليوم أكثر من أيّ وقت مضى تقتضي منّا الظروف أن نلتحم صفّا واحدا، ضاربين للعالم مثلا في الاتحاد، ثمّ التضحية والعمل، قد يُخرجاننا من مستنقع الخنوع والخمول، إلى برّ الأمان، حيث نصير قادرين على تكوين مصائرنا بأيدينا، ونكون رقما صعبا في معادلتنا الداخلية والمعادلات الإقليمية والعالمية كما كنّا بالأمس فقط بقليل من المال وكثير من الإرادة و«الشهامة”[email protected]

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات