+ -

 أجمع المنظرون الاقتصاديون والمحللون السياسيون أن الديمقراطية لا تتعايش مع الفقر ولا تتحمله، ولا تجتمع معه تحت سقف واحد. وإذا ما اجتمعا لمدة طويلة فإن هناك خللا ما سيقع والمتسبب فيه هي الديمقراطية لأنها تشمئز منه لكثرة طلباته وشكاياته، بالمقابل تتحايل عليه بكثرة الوعود البراقة التي تنمقها وسائل إعلامها، وخاصة أثناء الاستحقاقات السياسية التي تتذكر وجوده “لتضخيم نسبة المشاركة الانتخابية” وظننا منه أن هذه الأوضاع ستتغير هذه المرة، مصدقا أن التغيير الاجتماعي سيأتي من الصندوق المرصع بشعار”انتخابات حرة ونزيهة”!، فيسارع عن بكرة أبيه ممارسا حقه الانتخابي رغم أنه “جوعان “ فحُجب عنه حسن الاختيار السياسي، فلم يتمكن من التدقيق لا في هوية المرشحين ولا في برنامجهم السياسية... فكانت النتيجة مزيدا من الوعود والانتظار..«كاد الفقر أن يكون كفرا” مثلما قال على بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن صار الآن الفقير يكفر بكل شيء وبالأخص بـ “الديمقراطية “ التي لم تف بوعودها ولا بالتزاماتها المتمثلة في “تخفيض نسبة العوز والقضاء على أوجه الظلم الاجتماعي ودعم الإنصاف والمساءلة والشفافية في صرف المال العام.. لكن المفاجأة أن الديمقراطية أفرزت له من صناديقها مسؤولا “لا يمشي في الأسواق” يرتدي “كوستيما” سعره يكسي دائرة انتخابية بسكانها؟ يتقاضى راتبا يتراوح مابين 40 إلى 60 مرة الحد الأدنى من الأجر القاعدي!؟ إنه فارق طبقي كبير جدا غير معقول ولا مبرر له لا أخلاقيا ولا اقتصاديا، هذا الراتب يدخره كاملا بما أنه يعيش على امتيازات المنصب “وبقشيش الأصدقاء”.. في الوقت الذي لا يجد فيه هذا الفقير ما يسد “رمقه” الذي حددته له الأمم المتحدة بدولار وربع الدولار، أي ما يعادل 120 دج في اليوم!؟وهذا ما يقودنا لمعرفة أسباب تخصيص الجزائر منحة شهرية تقدر بـ4 آلاف دينار جزائري فقط لذوي الاحتياجات الخاصة- على سبيل الذكر- المقدر عددهم بمليون شخص حتى لا يتم إدراجهم في خانة الفقراء؟ حيث يعد هذا تحايلا على قياس مؤشر التنمية البشرية الذي يصنف رفاهية الدول، ثم يأتي “خبراء ومحللو الزور” يقولون “طبقا للإحصائيات الرسمية ليس لدينا فقراء”! وأنه قد تم تحقيق قفزة تنموية رشيدة مكنت البلاد من الخروج من دائرة الدول الفقيرة، وبذلك حققنا أهداف الألفية الثالثة (2000-2015) التي أقرتها الأمم المتحدة بحضور رؤساء الدول والحكومات، في شقها المتعلق بالقضاء على الفقر!إن الديمقراطية في بلدنا “بالمفهوم المقلوب” طبعا لدى هؤلاء المرجفين صارت تستحوذ على 90% من الدخل الوطني الخام تاركة البقية لـ90 % من الفقراء للتحكم في رقابهم متى شاءوا! هذا التفكير السياسي الزائف هو عدو لدود لمنهج الحكم الراشد، رغم أنه يروج له إعلاميا وينظم له المؤتمرات والموائد المستديرة، وكل ذلك لذرّ الرماد في عيون الفقراء والسذج حتى لا يثوروا. إن مفهوم الحكم الراشد كما حدده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشمل سبعة معايير تعطي كل ذي حق حقه وهي:1- حق مشاركة المرأة والرجل في الترشح والتصويت وحرية التعبير2- الشفافية في حق الوصول إلى المعلومة3- حكم القانون الذي يعدّ المرجع للجميع4- حسن الاستجابة في قدرة المؤسسات والآليات القانونية على خدمة المجتمع5- التوافق حول المصلحة العامة6- المحاسبة أمام مؤسسات الدولة7- الرؤية الإستراتيجية في حسن تدبير وتسيير شؤون المواطنين، وهو ما لا يتقبله المتحايلون للبقاء في الحكم باسم الديمقراطية وبمساعدة أبواقهم الحزبية والإعلامية لإقناع الناس أن الفقر قدر محتوم عليهم يجب تقبله وتعليمه لضمان استمرارية التحكم في الرقاب باسم الديمقراطية الشكلية. لكن في الحقيقة تقاس الديمقراطية الحقة بمقدار فقرائها. ألم نقل إن الديمقراطية والفقر لا يلتقيان طويلا؟[email protected]

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات