ليس دفاعا عن المجلس الشعبي الوطني

+ -

 إنّ المتتبع للحملة الشعواء التي شنتها بعض الأطراف في المجلس الشعبي الوطني ضد الهيئة التشريعية التي ينتمون إليها ليكاد يجزم أن البرلمان الجزائري من أسوأ البرلمانات في العالم، لولا ما يشاهد عبر القنوات الفضائية من تحول رحابات بعض البرلمانات العالمية إلى حلبات للملاكمة وتراشق النواب بالكراسي وبالأحذية، كما هو الشأن في اليابان وتركيا وبولندا وغيرها، علاوة على كونِ هذه الحملة التي تزامنت مع اختتام الدورة الخريفية قد اِشتد وطيسها وكأنّ نواب المجلس الشعبي الوطني قد صادقوا بالأغلبية على مشروع قانون قدَّمته الحكومة لتشجيع ظاهرتي تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهو النقيض تماما من مضمون هذا المشروع الذي استعجلت الحكومة تقديمه للوفاء بالتزامات الدولة الجزائرية تجاه الهيئات الدولية التي استيقظت- بعد أحداث 11 سبتمبر 2001- لتجنيد القوى ضد الإرهاب الذي قاست الجزائر من ويلاته وذاقت مراراته بمفردها طوال عشريتين.ويتحجج المنتقدون بعدم مراعاة ما يبادر به النواب من مشاريع قوانين، ناسين أو متناسين أنّ قرار رفض أو قبول أيّ مشروع من هذا القبيل مردّه إلى مكتب المجلس الذي يدرسه وفق ما تمليه التشريعات الجاري بها العمل.وتجدر الإشارة إلى أن العهدة البرلمانية السابقة لم تعرف إلاّ مبادرة واحدة من هذا النوع، وقد انقضت العهدة دون مناقشتها. ومن المسلّم به أن الأنظمة البرلمانية على الصعيد الدولي تتشكل من أغلبيات تخضع لها الأقليات إلى حين تحظى بالأغلبية، وهذه هي قواعد اللعبة.ومع أنّ البرلمان، بطبعه، هو الفضاء الذي تتجاذب فيه التيارات السياسية آراءها ووجهات نظرها، إلاّ أنّ الاختلاف في الأفكار لا يعني بتاتا كيل الاتهامات مجّانا، ولا قذف الأشخاص بهتانا، خصوصا عندما يتعلق الأمر برئيس المجلس الذي ظل على مدار دورات هذه العهدة على بُعد مسافة واحدة من الموالاة والمعارضة، تَحدُوه في ذلك السياسة التي ما فتأ السيد عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية ينتهجها منذ اعتلائه سدة الحكم، في اعتماد المصالحة الوطنية ولمّ الشمل وجمع الشتات والحرص على حقن دماء أبناء وبنات هذا الوطن المفدّى.ولاشك أن كل نائب مُنصف، وما أكثرَهم، يشهد أن الدكتور محمد العربي ولد خليفة منذ توليه رئاسة هذه الهيئة يؤكد أن المجلس مؤسسة دستورية تتبنّى حرية التعبير وتحترم الرأي الآخر لكل النواب، كلما كان الهدف خدمة الوطن والدفاع عن الحقوق المشروعة وتكريس الحوار بين جميع الأطراف، ومن ثمة فهو يضع في متناول الجميع وسائل وأدوات العمل نفسها، بل ويشجع- في أحيان كثيرة - المعارضة على التعبير عن انشغالاتها التي لا تخالف القانون الأساسي للجمهورية والتنظيم الداخلي للمجلس، اعتقادا منه أنّ الانتقاد والاعتراض علامة صحية وحيوية وتعبير من النواب عن رغبات شرائح من الشعب الجزائري في المدن والأرياف الطموح دائما إلى الأفضل. ولطالما أبرز أن المجلس المتضمن عدة تشكيلات سياسية لها توجهات ومواقف قد تتفق في بعض القضايا وقد تختلف في أخرى، وهذا تجسيدًا للتعددية الحقيقية التي أرسى دعائمها رئيس الجمهورية منذ سنة 2011.وبخصوص دورة الخريف التي أقام البعض بشأنها الدنيا ولم يقعدها من باب “خالف تعرف” فقد كانت مرضية في مجملها، حيث شهدت المصادقة على تسعة مشاريع قوانين هامة وهناك خمسة مشاريع قوانين أخرى لا تقلّ عنها أهمية في طور الدراسة وستناقش مع غيرها في الدورة القادمة، وتمت الإجابة من قِبل أعضاء الحكومة على 73 سؤالاً شفهيا في جلسات علنية فضلاً عن المئات من الردود على الأسئلة الكتابية، كما عرف أياما برلمانية ودراسية. وكان لأعضاء المجلس لقاءات مع نظرائهم في اللجان المشتركة للتعاون والعلاقات الثنائية والجهوية والدولية، عبّروا خلالها- داخل الوطن وخارجه- عن مواقف الجزائر واختياراتها الأساسية الداعمة للأمن والاستقرار وحلّ النزاعات بالحوار السلمي واحترام سيادة البلدان، ورفض التدخل الأجنبي الذي طالما عقّد الأزمات وأفضى الى أوضاع مأساوية لاسيما في قارتي إفريقيا وآسيا.إنّ للجزائر أصدقاء كما أنّ لها من لا يكنّون لها المودة، وهي سائرة على درب التنمية في جميع الميادين لتحقيق المزيد من الأمن والاستقرار لأبنائها بفضل ما تزخر به من ثروات، وهو ما لا يروق كل حاقد كائد، غير أنّ وعي أبنائها، وما اكتسبوا من خبرات وتجارب عبر مختلف المراحل التي مرّوا سيؤدي بهم- لا محالة- إلى رصِّ صفوفهم، وتوحيد كلمتهم في سيرورتهم إلى غدٍ مشرق واعد.

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات