ثقافة

روح الصخر.. حين تتحول الخطوط إلى سيرة ذاتية

معرض الفنانة التشكيلية حشوف سميرة.

  • 362
  • 2:05 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في أروقة  المسرح الجهوي بقسنطينة، حيث تعود الفضاءات الثقافية لتتنفس عبر مبادرات تحتفي بالفن التشكيلي، تفتح الفنانة حشوف سميرة نافذة خاصة بها على العالم، من خلال معرضها “روح الصخر”. معرض لا يُقرأ بوصفه عرضا لأعمال متفرقة، بل كمسار بصري متكامل، يكاد يكون سيرة داخلية تكتب بالألوان والخطوط.

هذا المعرض، الذي يعد الخامس ضمن سلسلة المبادرات التي احتضنها المسرح لصالح الفنانين التشكيليين من داخل المدينة وخارجها، يكشف عن تجربة فنية ناضجة، تتجاوز حدود التقنية إلى مساءلة الذات والعالم. فالفنانة، خريجة مدرسة الفنون الجميلة وأستاذة في التعليم الثانوي، لا تكتفي بعرض لوحات،  فهي تقدم خطابا تشكيليا قائما بذاته.

من الوهلة الأولى، يفرض الخط حضوره كعنصر مركزي. ليس مجرد أثر بصري، كيان حي، متوتر، متكسر، ومتقاطع. خطوط تتقاطع كما تتقاطع المسارات الإنسانية، تتصارع أحيانا، وتتكامل أحيانا أخرى، لتصنع شبكة معقدة من العلاقات. هنا، لا تبدو اللوحة ثابتة، لكن في حالة حركة دائمة، كأنها تعيد رسم نفسها أمام المتلقي.

في بعض اللوحات خاصة تلك التي تميل إلى الأحادية اللونية، يتصاعد الإحساس بالصراع الداخلي. الأسود والأبيض لا يقدمان كتناقض تقليدي، حوار مفتوح بين الامتلاء والفراغ، بين الصوت والصمت. الفوضى الظاهرة تخفي نظاما دقيقا، وكأن الفنانة تكتب نصا بصريا تتجاور فيه الجمل، وتتقطع، ثم تعود لتلتقي من جديد.

ما إن تدخل الألوان، حتى يتغير الإيقاع. الأحمر ينبض كجرح مفتوح أو كحياة تتدفق، الأزرق يهدئ من حدة التوتر ويمنح عمقا تأمليا، فيما تضفي الألوان الدافئة مسحة من الأمل وسط هذا التشظي. الأشكال الدائرية والبيضاوية التي تتخلل بعض اللوحات توحي بكائنات عضوية، أو بذاكرة حية تتنفس داخل فضاء يبدو للوهلة الأولى جامدا.

وهنا يتجلى محور  المعرض “روح الصخر”. فالصخر عند حشوف سميرة ليس كتلة صماء، كيان يحمل آثار الزمن، الوجع، والتحولات. هو رمز للصلابة، وفي الآن ذاته دليل على ما مر به من تصدعات وتآكل. وتحمل هذه الفكرة  بعدا آخر حين نعلم أن الفنانة ابنة مدينة الصخر العتيق (قسنطينة) بامتياز، حيث لا يحيل الصخر فقط إلى المادة، يحيل ايضا إلى الذاكرة الجماعية، إلى الجسور، إلى الانحدارات الحادة، وإلى تاريخ مدينة تشبه لوحاتها في تداخل مساراتها وتشابكها.

بهذا المعنى، تتحول اللوحات إلى خرائط داخلية، ترصد حالات إنسانية تتراوح بين الأمل، الوجع، التحدي، ورفض الاستسلام. لا تقدم الفنانة أجوبة جاهزة،  وإنما تفتح أبواب التأويل على مصراعيها. تضع المتلقي في قلب التجربة، وتدعوه إلى إعادة بناء المعنى انطلاقا من حساسيته الخاصة. فكل لوحة تبدو كأنها احتمال، أو بداية حكاية لم تكتب نهايتها بعد.

في “روح الصخر”، لا نكون أمام معرض تشكيلي بالمعنى التقليدي، بل أمام تجربة تحاول تفكيك الواقع وإعادة تركيبه بلغة تجريدية تعبيرية عالية الكثافة. تجربة تؤكد أن الفن، في جوهره، ليس ما نراه فقط، ما نشعر به ونحن نحاول أن نفهمه.

علي جري