اقتصاد

الغاز الجزائري في قلب إعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية

تقف الجزائر اليوم عند فرصة جديدة، مع بحث أوروبا بشكل محموم عن بدائل موثوقة للغاز الروسي.

  • 2540
  • 5:08 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد الغاز الطبيعي الجزائري مجرد سلعة تصديرية تقليدية في ميزان المدفوعات، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معادلة أمن الطاقة الأوروبي خلال حقبة ما بعد الاعتماد الكثيف على روسيا. الأرقام الصادرة عن النصف الأول من عام 2026، إلى جانب بيانات المفوضية الأوروبية و"أوروستات" لعام 2025 بكامله، ترسم صورة مورد يتكيّف بمرونة مع متطلبات سوق ديناميكية، مستفيدا من بنية تحتية راسخة للأنابيب ومن حضور متنام في سوق الغاز الطبيعي المسال. يقدّم هذا التحليل قراءة اقتصادية دقيقة للأداء التصديري الأخير ويضعه في سياق التحولات الهيكلية التي تشهدها تجارة الطاقة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.

أداء النصف الأول من 2026 

خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، بلغ إجمالي صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي إلى أوروبا 16.9 مليار متر مكعب، مسجلا ارتفاعا بنسبة 6.9 في المائة على أساس سنوي. ويعكس هذا النمو، في جوهره، تعاظم الاعتماد الأوروبي على الإمدادات الجزائرية، لاسيما عبر خطوط الأنابيب، حيث حافظت البلاد على مرتبتها كمورّد ثانٍ بعد النرويج إلى دول الاتحاد الأوروبي في هذه الفئة. وتظل إيطاليا وإسبانيا الوجهتين الرئيسيتين لتدفقات الغاز عبر "ترانسميد" و"ميدغاز"، وهما شريانان يختزلان عقودا من الاستثمار المشترك في البنى التحتية العابرة للمتوسط.

في المقابل، شهدت شحنات الغاز الطبيعي المسال انكماشا طفيفا بلغت نسبته 6.5 في المائة، لتهبط الكميات المصدرة إلى 4.47 مليون طن. هذا التراجع لا يعكس بالضرورة ضعفا في الطلب، بل قد يُعزى إلى ديناميكيات الأسعار الفورية وإعادة توجيه جزء من الإنتاج لتلبية الالتزامات التعاقدية طويلة الأجل عبر الأنابيب، خاصة مع انتعاش الطلب الإيطالي والإسباني. اللافت أن السوق الأوروبية استوعبت 100 في المائة من هذه الشحنات المسالة، في مؤشر واضح على أن الغاز الجزائري، بشقيه الأنبوبي والمسال، بات موجها بالكامل تقريبا لخدمة الطلب الأوروبي.

خريطة مشتريات الغاز المسال.. 

تؤكد بيانات الوجهات النهائية لشحنات الغاز الطبيعي المسال خلال النصف الأول من 2026 تحولات مهمة في أنماط الاستيراد. تصدرت تركيا القائمة بنحو 1.55 مليون طن، مستفيدة من موقعها كمركز إقليمي لإعادة التغويز وقدرتها على المزج بين الاستهلاك المحلي وإعادة التصدير. وحلت فرنسا في المرتبة الثانية بـ1.31 مليون طن، ما يعكس اعتمادا متزايدا على الجزائر بعد تقلص الإمدادات الروسية عبر الأنابيب إلى السوق الفرنسية. وتوزعت الكميات المتبقية على إيطاليا (0.52 مليون طن)، فالمملكة المتحدة (0.35 مليون طن)، ثم إسبانيا (0.30 مليون طن)، وهو توزيع يعكس شبكة علاقات تجارية متشعبة تقلل من مخاطر التركز الجغرافي وتعزز القدرة التفاوضية للجانب الجزائري.

الاختراق الاستراتيجي للسوق الألمانية 

مثّل إعلان شركة سوناطراك عن إتمام أول شحنة مباشرة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا، في محطة فيلهلمسهافن بتاريخ 2 جويلية 2026، نقلة نوعية تتجاوز المغزى الرمزي. ظلت ألمانيا لسنوات السوق الأوروبية الأكثر اعتمادا على الغاز الروسي رخيص الثمن، واليوم، بعد إعادة رسم خرائط الإمداد، تدخل الجزائر إلى قلب الاقتصاد الألماني كمورّد مباشر. اقتصاديا، يترتب على هذا الدخول آثار مزدوجة: تنويع محفظة عملاء سوناطراك وإضافة شريك صناعي ثقيل الوزن، فضلا عن تقليص مخاطر الاعتماد المفرط على الأسواق المتوسطية التقليدية. تزامن ذلك مع مفاوضات رفيعة المستوى في برلين ركزت على "موثوقية الإمدادات طويلة الأمد" والتزامات مشتركة بشأن خفض انبعاثات الميثان في سلسلة القيمة، ما يضفي بعدا تنظيميا وبيئيا على العلاقة قد يُترجم لاحقا إلى آليات تمويل ميسرة أو عقود خضراء مميزة.

السياق الأوروبي الكلي.. أرقام 2025 تؤكد التحول الهيكلي

لا يمكن قراءة أداء النصف الأول من 2026 بمعزل عن البيانات السنوية الصادرة عن المفوضية الأوروبية و"يوروستات" لعام 2025، التي تكشف عن إعادة تموضع استراتيجي لصالح الجزائر. فقد بلغ إجمالي صادرات الغاز الجزائري إلى دول الاتحاد الأوروبي 35 مليار متر مكعب خلال العام الماضي، واستحوذت الجزائر بذلك على 17.4 في المائة من قيمة واردات أوروبا من الغاز في حالته الغازية عبر الأنابيب، متقدمة على روسيا التي تراجعت حصتها من نحو 45 في المائة عام 2021 إلى 12 في المائة فقط في 2025.

يعكس هذا التحول الحاد ليس فقط العقوبات وإجراءات الردع الجيوسياسية، وإنما أيضا خيارا اقتصاديا أوروبيا واعيا لتنويع المصادر وتقليل التعرض لصدمات العرض. ومن المتوقع أن يتسارع هذا المسار، حيث تستهدف السياسة الأوروبية وقف استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول نهاية 2026 والغاز عبر الأنابيب في أجل أقصاه 30 نوفمبر 2027، ما يفتح نافذة طلب إضافية قد تصل إلى أكثر من 15 مليار متر مكعب سنويا، تستطيع الجزائر التنافس على حصة معتبرة منها بالنظر إلى القرب الجغرافي والعلاقات التعاقدية المتينة.

في الإطار نفسه، ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 24.4 في المائة خلال 2025، وهو نمو يتماشى مع الزيادة المطردة في قدرات إعادة التغويز التي أنشأتها دول مثل ألمانيا وهولندا وإيطاليا. هذا التوسع يمثل فرصة تصديرية ملموسة للغاز المسال الجزائري، الذي يمكن أن يستفيد من مرونة التوجيه إلى أعلى الأسعار دون التقيد بمسارات أنابيب جامدة.

وتتجاوز الشراكة الجزائرية – الأوروبية بعدها الطاقوي المحض لترتكز على نسيج تجاري واستثماري كثيف. في عام 2025، بلغ حجم المبادلات التجارية الثنائية 43.4 مليار يورو، حيث شكلت صادرات الطاقة الجزائرية الجزء الأكبر من واردات أوروبا من البلاد والبالغة 26.5 مليار يورو، في مقابل صادرات أوروبية إلى الجزائر بقيمة 16.9 مليار يورو. ورغم أن الميزان التجاري يميل بوضوح لمصلحة الجزائر بفضل عائدات المحروقات، فإن الرقم الإجمالي يعكس تكاملا اقتصاديا عميقا، فالاتحاد الأوروبي يمثل 49.6 في المائة من إجمالي تجارة الجزائر الخارجية، ما يجعله الشريك الأول بلا منازع.

أما على صعيد تدفقات رأس المال طويل الأجل، فقد بلغ رصيد الاستثمارات الأوروبية المباشرة القائمة في الجزائر 14.5 مليار يورو بنهاية 2024، وهو رقم يشمل قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات. هذه الاستثمارات، التي يأتي جزء كبير منها من شركات النفط والغاز الكبرى، تخلق مصالح متبادلة تخفف من حدة التقلبات السياسية وتوفر حافزا إضافيا لاستمرار تدفق الغاز دون عوائق. وفي الاتجاه المعاكس، يمكن للجزائر أن تستفيد من هذه العلاقة لتوجيه جزء من عائدات الغاز نحو شراكات استثمارية في الطاقات المتجددة والهيدروجين، وهي مجالات باتت تحتل أولوية متقدمة في الحوار الثنائي مع برلين وبروكسل.

تقف الجزائر اليوم عند فرصة جديدة، مع بحث أوروبا بشكل محموم عن بدائل موثوقة للغاز الروسي، والبنية التحتية الجزائرية جاهزة، والعلاقة الاقتصادية الشاملة تتجاوز مجرد صفقات بيع وشراء لتشمل استثمارات وتجارة سلعية وخدمية بقيمة عشرات المليارات من اليوروهات. بيانات النصف الأول من 2026، بنموها الكمي في صادرات الأنابيب واختراقها النوعي للسوق الألمانية، تؤكد أن هذا الموقع يمكن تعزيزه بشرط تبني سياسة طاقوية مرنة تجمع بين العقود طويلة الأجل والتواجد الفاعل في سوق الغاز المسال الفورية، وتواكب المعايير البيئية الصاعدة، وتستثمر عوائد الغاز في تحديث القدرات الإنتاجية وتنويع الاقتصاد.

في نهاية المطاف، ما تقدمه هذه الأرقام ليس مجرد حصيلة تجارية نصف سنوية، بل هو دليل على أن الغاز الجزائري تحول من مجرد رافد مالي إلى أداة جيو-اقتصادية متكاملة، قادرة على رسم ملامح شراكة متوسطية جديدة تُترجم فيها موثوقية الإمداد إلى مكاسب تنموية مستدامة.