اسلاميات

مشكلة تفكير مرعبة.. اتباع الأمة للرويبضة والمعتوهين

نماذج كثيرة لرويبضة ومعتوهين وجدوا من يتابعهم

  • 396
  • 4:43 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

هل المشكل في وجود رويبضة ومعتوهين في الواقع وعلى شبكات التواصل؟ هل المشكل في تحوّل الرويبضة والمعتوهين إلى مؤثّرين ومشهورين؟ هل المشكل في تجرؤ الرويبضة والمعتوهين على الكلام في الدّين والفتوى والطب والاستراتيجية والسياسية والاقتصاد؟؟ أبدا، ليس هذا هو المشكل، هذا عرضٌ لأمراض خطيرة تنهش الأمة، فمن أخطائنا القاتلة: اهتمامُنا بمعالجة الأعراض والغفلة عن معالجة الأمراض التي هي السبب لتلكم الأعراض، لذلك كلما أمعنا في علاج ظاهرة ما تخِف حدّتُها ثم سرعان ما تعود للتفاقم، والسبب هو هذا الخطأ القاتل: نعالج الأعراض ونغفل عن الأمراض. ولو أننا وجهنا اهتمامنا وجهدنا وطاقتنا لمعالجة الأمراض؛ لتلاشت الأعراض التي تنتج عنها آليا.

وهنا أيضا: ظهور الرّويبضة والمعتوهين وتصدّرهم المشهد ما هو إلا عرض لأمراض كثيرة وخطيرة، ولا يخفى أن وجود معجبين ومتابعين بالآلاف لهؤلاء الرويبضة والمعتوهين ظاهرة أشد خطورة من وجودهم. وهل تَشجّع هؤلاء واكتسبوا ربما ثقة، وازدادوا ضراوة وازدادوا عَتَهَا وصدّقوا أنهم علماء أو مفكرون أو مؤثّرون (وحسبوا روحهم أنهم حاجة صح!) إلا بسبب هذا الركام المتزايد من المعجبين والمتابعين. فقطعان المعجبين والمتابعين للرويبضة والمعتوهين هم أعجب حالا، وظاهرتهم أخطر وأحوج للدراسة والعلاج، ووجود هؤلاء -وإن كانت أعدادهم محدودة رغم أنها بالآلاف- مؤشّر خطير على هشاشة مجتمعاتنا خاصة في جوانبها النفسية والفكرية.

فالعقلاء الأصل فيهم أن يأسفوا لحال الجهال والرويبضة والمعتوهين لا أن يتبعوهم ويلتفوا حولهم ويعجبوا بهم، فإذا وجدنا آلافا وعشرات الآلاف ومئات الآلاف تعجب برويبضة جاهل وتعجب بمعتوه جاهل وتتابعه بصدق وحماسة وتتعصب له، فهذه مصيبة كبيرة وتطرح سؤالا: أين عقل هؤلاء؟ نعم أين عقلهم وليس علمهم؟ فالعلم إنما هو للمتخصصين، ولكن العقل يتمتع به الناس جميعا إلا من ابتلاه الله بالجنون أو العته، فأين عقل من يتابع أمثال هؤلاء؟ وكيف يفكرون؟ وهل يفكرون أصلا؟ ولو كان لهم عقل وتفكير؛ لتبين لهم جهل الرويبضة وخبل المعتوهين بسهولة دون الحاجة إلى علم كبير.

تصور أن (دكتورا في الشريعة) يقول للمسلمين لو أن الحاكم طلع كل يوم نصف ساعة على التلفاز يقترف الفاحشة جهارا لا يجوز الإنكار عليه، ويجب أن نطيعه طاعة عمياء ونواليه.. وهناك من يعتبره عالما! ويدرّس في الجامعة ويحضر له الطلاب! ويدرس في المساجد ويحضر دروسه بعض البشر!.. مع أن اللازم أن يكون في مستشفى الأمراض العقلية!.. وماذا نعتبر متبعيه؟؟

تصور أن دكتورا في الطب يقول للناس: حليب الأم سمّ وزيت الزيتون مضر والتدخين غير مضر والخضروات ممنوعة... إلى آخر هذا الهبل والجنون والتكذيب لله تعالى ومخالفة المعقول والمعهود عند البشر منذ قرون.. وهناك من يعتبره طبيبا ويتابعه ويقتل نفسه في سبيل ذلك، مع أنه كان من اللازم أن يوضع من يقول هذا الكلام في مستشفى الأمراض العقلية، وقد أفضى إلى ربه رحمه الله، لكن أين نضع متبعيه؟ وماذا نعتبرهم؟ وماذا نعتبر أمة صار هذا الشخص المريض المسكين ظاهرة فيها؟!
تصور أنه يوجد شخص أحمق يعيش في ألمانيا، بل يعيش في مواقع التواصل، لا هو من أهل طلب العلم ولا يصلح لطلب العلم أصلا، يهرف في تسجيلاته بجاهلات يضحك منها أبو جهل، حتى وصل به الأمر أخيرا أن يُباهل ويقسم بالأيمان المغلظة أن الإمام الشهير الكبير الجهبذ السيوطي رحمه الله كافر! وتصوروا أنه يشارك معه دكاترة في المباهلة ويقسمون بالله أن الإمام السيوطي مسلم! هزلت يا للمهزلة! وأي مهزلة نعيش؟! أين عقول هؤلاء الدكاترة الذين شاركوا معه؟ وأعطوه قيمة؟ أين عقول من يسمع لهذا الأحمق؟ وأين عقول من يتابعه؟ وأين عقول من يعجب به وبتسجيلاته الحمقاء؟ وهو أجهل من حمار أهله! يا أمة ضحكت من غبائها الأمم!

وتصور... تصور... تصور... نماذج كثيرة لرويبضة ومعتوهين وجدوا من يتابعهم، معجبا بهم أو مهتما بما ينشرونه ويثيرونه، حتى من يردون عليهم ويبينون باطلهم أسهموا من حيث لم يريدوا في شهرتهم، لكن المصيبة أن أمثال هؤلاء الحمقى والمجانين صاروا يصنعون لقطيع من الأمة قناعاته ويصنعون له اهتماماته، وهناك آلاف في الأمة يتابعون هذه النماذج والنماذج المماثلة لها في الحمق والجهل والعته من متكلمين في الدين أو في باقي التخصصات، هذه هي المصيبة وهذا هو البلاء المنذر بخطر عظيم.
إن هذه الظواهر المضحكة المبكية ومثيلاتها، التي وجدت لها مكانا في واقع الأمة، رغم أنها تعيش هذه المرحلة الحرجة والمنعطف الهام في تاريخها، إنما هي أعراض لأمراض أخطر وأخوف، في مقدمتها مرض عدم التفكير ومرض سوء التفكير، نعم إننا نعيش مشكلة تفكير مرعبة، إذ هنالك كثير منا لا يفكر، وسلم عقله لغيره يفكر بدلا منه، ثم يملي عليه ما يجب عليه أن يقتنع به فيقتنع، بل هناك من لا يكتفي بعدم التفكير وإنما صار يخاف التفكير، وقد سميت هذه الحالة: (التفكيرفوبيا أو فوبيا التفكير). وهنالك الكثير منا لا يحسنون التفكير ولا يتقنونه، بل تفكيرهم خطأ وتشيع عندهم أخطاء التفكير ومغالطاته، فماذا ننتظر بعد ذلك؟

لا جرم أن وجدنا القرآن العظيم اهتم اهتماما بالغا بالتفكير والحث عليه وتعليمه للمؤمنين ودفعهم إلى تشغيل عقولهم دفعا، ويكفي قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} الجمعة:2، إذ الحكمة هي الفهم والفقه والعقل عند أكثر المفسرين. فعلم من ذلك أن من مقاصد إرسال الرسول وإنزال الكتاب إصلاح تفكير الناس وتقويمه وتسديده وتفعليه والرقي به لبلوغ درجة الحكمة؛ ليكون ذلك باب الهداية ومسلكها؛ “لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل، إذ لا يُساق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحا” كما يقول العلامة ابن عاشور رحمه الله تعالى.

ويكفي أن نقرأ القرآن الكريم ونحسب كم مرة ذكر فيه التعقل والتفكر؟ إضافة إلى كلمة علم ومشتقاتها وأولي الألباب وأولي النُّهى والتدبر والنظر وغيرها؛ لنعلم مكانة التفكير والعقل في الإسلام. ورغم ذلك يوجد في المسلمين مساكين يعتبرون كل من يستخدم العقل ضالا، وهذا هو الجهل المبين والحمق المكين.

يكفي المسلمين أن يتدبّروا قول الله تعالى: {أفلا تعقلون}، {لعلكم تعقلون}، {أفلا تتفكرون}، {لعلكم تتفكرون} ليعلموا أن التفكير من أوجب الواجبات وأن تعلم التفكير السليم من أوجب الواجبات وأن من مصائبنا في هذا الزمان ضعف التفكير عندنا بشكل مرعب، ما جعل قطعانا كثيرة منا تقع فريسة المضلين والمعتوهين، ووجد كثير من الرويبضة والمعتوهين والتيارات المنحرفة والمخرفة والمتطرفة ضحايا كثر، فركبوا رقابهم للشهرة. ولا وقاية من هذا إلا بالتفكير، ثم التفكير، ثم التفكير: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفُرادى ثم تتفكروا}.

*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة