العالم

الغضب الاجتماعي يجتاح أوروبا

تداعيات فاتورة التسلح وضغوط ترامب وصعود اليمين الراديكالي.

  • 409
  • 4:02 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تتسع موجة احتجاجات اجتماعية من باريس إلى روما ومدريد ولشبونة وبروكسل وحتى تيرانا، لم تعد تعكس صورة "القارة المستقرة" التي قدّمت نفسها نموذجا للرفاه والاستقرار، وفيما لا تسمح المعطيات المتاحة بوصف ما يجري بـ"الثورة الموحدة"، لكنها تكشف أزمة متعددة المستويات مع تراجع القدرة الشرائية وأزمة السكن والتعليم وضغوط تسلح متزايدة وصعود يمين راديكالي يبحث عن تحويل الغضب إلى خطاب هوية وسيادة، في ظل تدخل أمريكي مباشر وغير مباشر.

شهد السبت في فرنسا احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتردي الخدمات العامة. وبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، شارك نحو 410 آلاف متظاهر، فيما أوقف 1314 شخصا وأصيب 53 من عناصر الأمن. ونشرت السلطات 70 ألف عنصر من الشرطة والدرك، بزيادة 10 آلاف عن الانتشار خلال احتجاجات 17 أكتوبر، لمنع تكرار أعمال الشغب والنهب، وشهدت باريس مواجهات بعد تجمع بدأ سلميا، فيما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع في ليون. وتتقاطع في الحالة الفرنسية مطالب طلابية واجتماعية ضد ظروف الدراسة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، مع أعمال عنف وتخريب ونهب طغت على المطالب الأصلية، وتبنت الحكومة خطابا حازما، دان فيه الرئيس إيمانويل ماكرون العنف واتهم جماعات يسارية متطرفة بالوقوف خلفه، فيما شدد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على حماية المؤسسات والممتلكات وملاحقة المتورطين. واتخذت السلطات إجراءات إضافية، منها حظر تجول ليلي في مناطق محددة من باريس ومدن أخرى وتشديد ضوابط المظاهرات، مع السماح فقط بالمظاهرات النقابية المستوفية للضوابط.

ودخلت الحكومة في مواجهة مع حزب "فرنسا الأبية" بزعامة جان لوك ميلانشون، بعد اتهامات بتأجيج الاضطرابات واستغلال الاحتجاجات، ورفض الحزب هذه الاتهامات واعتبر منسقه مانويل بومبار أن الحكومة أساءت

إدارة الأحداث وحوّلت الأزمة إلى مواجهة سياسية وتزداد الأزمة حساسية مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2027، ما يدفع قوى سياسية إلى توظيف الأحداث في ملفات الأمن والاستقرار.

خريطة الغضب من روما إلى تيرانا بمطالب تتقاطع وخلفيات تختلف

أما في إيطاليا، فقد خرج طلاب وتلاميذ في روما وميلانو وغيرها، وانضم مدرسون وعمال للمطالبة برفع الأجور وتوفير وظائف، وتصاعد الغضب بسبب أسعار الوقود، ما دفع مزارعين وناقلين إلى قطع طرق، وشهدت ميلانو وتورينو وبولونيا مواجهات وتخريبا وتوقيفات. وفي بلجيكا، تركزت الاحتجاجات على إجراءات التقشف وخفض الإنفاق، خصوصا في التعليم، مع اعتراض الطلاب على رسوم التسجيل وتكاليف النقل وخروج آلاف إلى بروكسل للتنديد بالسياسات التقشفية. وفي إسبانيا، تتصدر أزمة السكن المطالب، مع تحركات في مدريد ومدن أخرى للمطالبة بمساكن مناسبة والحد من المضاربات والإخلاءات، إضافة إلى تحركات نقابية في التعليم. وامتدت مطالب السكن إلى البرتغال، حيث أقام ناشطون خياما في لشبونة، قبل أن تتدخل السلطات لتفكيك بعض المخيمات، ما أسفر عن توقيفات وإصابات طفيفة.

أما في ألبانيا، فاتخذت الاحتجاجات منحى أكثر حدة في تيرانا، بمشاركة آلاف، بينهم طلاب وشباب، للتنديد بتكاليف الدراسة وتدهور التعليم الجامعي والفساد ورفع مطالب سياسية بينها استقالة رئيس الوزراء إيدي راما، مع أعمال عنف وتخريب وإصابات. ورغم اختلاف السياقات، تعكس هذه التحركات تنامي الاستياء الاجتماعي في أوروبا. وتكمن الأزمة في تراجع القدرة الشرائية والقلق على مستقبل دولة الرفاه، وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ارتفع الإنفاق العسكري في أوروبا بنسبة 14% خلال عام 2025 ليبلغ 864 مليار دولار، وهو رقم يشمل روسيا وأوكرانيا. وتعهد أعضاء "الناتو" برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035. وهنا تظهر معضلة سياسية واقتصادية حول كيفية تمويل الحكومات التزاماتها العسكرية المتزايدة، مع تلبية المطالب الاجتماعية، وتتأرجح بين تقليص ميزانيات التعليم والصحة أو فرض ضرائب أعلى، أو اللجوء إلى القروض والاستدانة، وهو خيار أكثر إيلاما في دول مثقلة بالديون كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا. وقد أظهرت تظاهرات إيطاليا هذا التناقض عبر شعارات تطالب بعدم دعم أوكرانيا وتوفير الدعم للتعليم، وتُضاف إلى ذلك تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أسواق الطاقة والتضخم، التي أضعفت القدرة الشرائية رغم تراجع معدلات التضخم لاحقا.

اليمين الراديكالي راكب للموجة

وتسعى أحزاب اليمين الراديكالي، إلى ربط الأحداث والمشكلات الاقتصادية بالهجرة وفشل النخب الحاكمة وتراجع سيادة الدولة الوطنية. ففي فرنسا تحاول مارين لوبان وحزب التجمع الوطني توظيف الغضب وأحداث العنف لتقديم الحزب بديلا قادرا على استعادة النظام والاستقرار، فنقلت النقاش لدى شرائح واسعة من مسؤولية الحكومة عن الأجور والخدمات إلى قدرتها على حفظ الأمن، لكن الصورة ليست واحدة، فجورجيا ميلوني تقف على رأس السلطة التي خرجت المظاهرات ضدها وتتحمل نصيبا من المسؤولية، فيما يواجه حزب "فوكس" في إسبانيا معضلة الجمع بين انتقاد الحكومة والاعتراض على بعض إجراءات المحتجين.

وحسب الباحث في الشعبوية واليمين الراديكالي كاس موده،تستطيع هذه الأحزاب التأثير في السياسات العامة وأجندات الأحزاب التقليدية، خصوصا في قضايا الهجرة والهوية، من دون الحاجة بالضرورة إلى الوصول إلى السلطة، والقاسم المشترك يبقى قدرتها على تحويل الغضب من السياسات الاقتصادية إلى خطاب هوية وسيادة. تزداد الصورة تعقيدا مع دخول إدارة ترامب على خط التنافس الإيديولوجي داخل أوروبا. ففي أوت 2026، كشفت وكالة "رويترز" عن خطط أمريكية لتخصيص نحو 25 مليون دولار لدعم منظمات مجتمع مدني تعمل في قضايا محافظة داخل أوروبا، منها 4 ملايين دولار لدعم وسائل إعلام يمينية، مع تبرير أمريكي بالحفاظ على حرية التعبير وانتقادات بأنه محاولة للتأثير في التوازنات السياسية. والمعطيات لا تثبت دورا أمريكياً مباشراً في تأجيج التظاهرات، لكنها تكشف مساراً معلناً لتعزيز نفوذ تيارات تتماهى مع أولويات إدارة ترامب. وفي الوقت نفسه، يضغط ترامب لتوجيه نسب أكبر من الناتج المحلي الأوروبي نحو التسليح، ما يضع الحكومات الأوروبية في مواجهة مباشرة مع شعوبها.