وجدت العديد من الأحزاب سياسية نفسها، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، أمام صعوبة استكمال قوائم المترشحين واستقطاب الكفاءات القادرة على خوض الانتخابات وتولي مسؤوليات التسيير المحلي، ما جعلها تراهن حتى على المرشحين الذين ليس لهم دراية تماما بالعمل الإداري والقانون.
أدى غياب التكوين السياسي المستمر وضعف التأطير القاعدي خارج المواعيد الانتخابية، إلى تضاؤل حاد في عدد القيادات الشبابية التي تتحكم في الخطاب السياسي وفي أبجديات العمل الإداري والتحليل القانوني للوضيعات وإدراك الأدوار المنوطة بها في المجالس على مختلف مستوياتها، مما يجعل العديد منهم يقع في أخطاء التسيير وحتى التجاوزات القانونية بسهولة بدفع من جماعات المصلحة والانتهازيين.
هذا جزء من التشخيص الذي قدمه النقابي والجامعي والقانوني، عبد الحفيظ ميلاط، فاتحا بذلك الباب على تساؤلات بشأن طبيعة النشاط الحزبي خلال العهدات والمناسبات الانتخابية، بوصفها مدارس ومشاتل للتكوين السياسي، بغض النظر عن طبيعة أدوارها ومواقعها، سواء في المعارضة أو الموالاة ومدى قدرة التشكيلات السياسية على إعداد نخب مؤهلة لتمثيل المواطنين وتسيير الشأن العام.
وفي هذا السياق، يرى ميلاط في منشور مطول في صفحته في فايسبوك، حول الأزمة التي صارت تلازم الأحزاب مؤخرا كلما حلت المواعيد الانتخابية، أن لجوء الأحزاب إلى البحث عن المترشحين في الربع ساعة الأخير يعكس، بحسبه، نتيجة سنوات من الغياب عن الميدان، وعدم الاستثمار في تكوين المناضلين واستقطاب الكفاءات.
واعتبر أن المشهد الذي تعرفه مقرات حزبية، مع اقتراب الانتخابات، ليس أمرا معزولا، وإنما يرتبط بنمط من الممارسة السياسية التي تحصر نشاط الأحزاب في المواعيد الانتخابية، قبل أن تتراجع بعد انتهاء عملية الاقتراع.
وأوضح ميلاط أن عددا من التشكيلات الحزبية ابتعدت عن دورها التقليدي بوصفها فضاءات للتأطير والتنشئة السياسية، وتحولت إلى ما يشبه مكاتب للخدمات الانتخابية، تنشط أساسا عند اقتراب الاستحقاقات من أجل جمع التوقيعات وإعداد القوائم.
واضاف ان المنظومة الحزبية تتحرك فقط عند اقتراب الانتخابات وتتوقف بمجرد فرز الاصوات، مشيرا إلى ان أغلبها تحول عبر العقود الماضية من "مدارس للتاطير والتنشئة السياسية" الى مجرد "مكاتب خدمات انتخابية".
وانعكس هذا الوضع، وفق طرحه، في غياب النقاش الفكري طوال العهدة، وضعف التواصل الميداني مع المواطنين، فضلا عن محدودية الأنشطة الحزبية التي تتجاوز البيانات والمواقف المرتبطة بالمناسبات.
وعلى الرغم من أن القانوني كان واقعيا إلى حد بعيد في تقييمه لوضع التكوين السياسي، إلا أن العديد من الأحزاب أنشأت مدارس سياسية في هياكلها وأنساقا تواصلية، على غرار حركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية وحزب جبهة التحرير الوطني وحتى التجمع الوطني الديمقراطي. لكن رغم ذلك، ظلت هذه الكيانات، باستثناء مدرسة "جيل الترجيح" التابعة لـ"حمس"، غير نشطة أو على الأقل لا تستعرض نشاطها أمام الرأي العام لجذب منخرطين ومهتمين.
وأدى غياب التكوين المستمر، وفق المتحدث، ضمن أبرز الإشكالات التي تواجه الأحزاب، خاصة في ما يتعلق بإعداد مترشحين يمتلكون المعارف الضرورية لتولي المسؤوليات المحلية.
فالوصول إلى المجالس المنتخبة لا يتطلب، بحسبه، مجرد استيفاء الشروط القانونية للترشح، وإنما يستدعي أيضا الإلمام بقوانين البلدية وآليات اتخاذ القرار والمداولة، فضلا عن قواعد التسيير المحلي والمالية العامة والصفقات العمومية.
وأشار ميلاط إلى أن غياب مدارس ومعاهد حزبية متخصصة في التكوين يحرم التشكيلات السياسية من آليات إعداد القيادات الشابة وتأهيلها للممارسة السياسية، الأمر الذي يجعل البحث عن المترشحين الأكفاء يتأجل إلى غاية اقتراب موعد إيداع القوائم. وعندها، تجد الأحزاب نفسها أمام صعوبة استقطاب النخب الجامعية وأصحاب الكفاءات، في ظل ضعف الروابط التي كان يفترض أن تجمعها بهم طوال السنوات السابقة.
وتجسدت قراءة النقابي في اندفاع بعض التشكيلات إلى البحث المستعجل عن إطارات وأساتذة جامعيين وشخصيات محلية، أو الاستعانة بمن يمكن أن يملأ الفراغ في القوائم، بهدف تفادي الإقصاء لأسباب إدارية واستكمال العدد المطلوب من المترشحين، بدل الاعتماد على قاعدة حزبية جرى إعدادها وتأهيلها مسبقا.
ولمواجهة "التصحّر" الذي يزحف على المشهد الانتخابي، دعا عبد الحفيظ ميلاط إلى إحداث قطيعة مع نمط النشاط الحزبي الموسمي، من خلال إعادة فتح المقرات وجعلها فضاءات دائمة للنقاش العام وتنظيم ورشات العمل والاستماع إلى انشغالات المواطنين، بدلا من الاقتصار على استخدامها خلال فترات التحضير للانتخابات.
كما شدد على ضرورة اهتمام مدارس ومعاهد تكوين حزبية بتأهيل المناضلين والمترشحين، ولا سيما الشباب، في مجالات التسيير المحلي والمالية العامة والقوانين المنظمة لعمل الجماعات المحلية.
ويهدف هذا التكوين، وفق تصوره، إلى ضمان جاهزية المنتخبين لممارسة مهامهم، وتمكينهم من فهم الإجراءات القانونية والإدارية المرتبطة بتسيير الشأن العام.
ومن بين المقترحات التي طرحها أيضا، استقطاب النخب الجامعية وأصحاب الكفاءات ودمجهم في لجان تقنية متخصصة، للاستفادة من خبراتهم ومنحهم دورا فعليا في إعداد البرامج وفي قلب مشروع اصلاحي ، بدلا من الاتصال بهم قبل أيام من انتهاء آجال الترشح.
وكل ذلك، في نهاية المطاف، لا يصب في مصلحة الأحزاب، وإنما في المصلحة العامة للمواطن، من خلال إنتاج نخب مؤهلة بصورة مستمرة، تعزز تركيبة مجالس محلية أكثر استعدادا للاستجابة لانشغالات المواطنين وتحمّل مسؤوليات التسيير.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى