الوطن

الاستقلال والسيادة.. كفاح يومي

لم يعد الاستقلال والسيادة مجرد حالة زمنية أو شعار أو احتفال سنوي يتجدد كل 365، بل هو نضال يومي وتضحيات على الشعوب تقديمها.

  • 34
  • 2:49 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تمر 64 سنة من استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال، فترة قد يراها البعض طويلة، يتراجع مع مرورها الشعور لدى الأجيال المتعاقبة بعظمة تلك الفرحة التي خرج فيها الجزائريون كبارا وصغارا، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا، رافعين الرايات الوطنية لنهاية ليل الاستعمار وبزوغ شمس الحرية، فهل تغير طعم عيد الاستقلال ودخل الروتين والرتابة برحيل جيل وقدوم أجيال أخرى لم تعش تضحياته ولم تعرف معاناته وليس من السهل استيعاب عظمته وبركة رجالاته؟

قد تكون بعض الخيبات قد مست بمذاقه، وقد يكون بقاء بعض الأسئلة عالقة لعدم إجراء أي تقييم موضوعي لما تحقق من أهداف الاستقلال وما لم يتحقق، هل المسار الذي اعتمد كان الأسلم أو الأخطأ وهل نحن كشعب ودولة كنا في مستوى الأمانة التي تركها الشهداء؟ لكن مع ذلك كل ذلك وغيره، فإن 5 جويلية 62 يجب الاحتفال به وتبجيله وإحياؤه أكثر من أي وقت مضى، بل اليوم وفي الغد، أكثر مما بالأمس وفي السابق، جراء عودة الاستعمار بوجه جديد بالحروب الهجينة والإلكترونية بهدف واحد، الاعتداء على سيادة الدول والدوس على القانون الدولي جهارا نهارا والتدخل في الشؤون الداخلية والسعي للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها الباطنية وضرب وحدتها وبث الفتنة بينها.

لكل هذا لم يعد التحدي يتوقف عند الظفر بالاستقلال واسترجاع السيادة، بل أضحى التحدي الأكبر هو في كيفية صون هذا الاستقلال وحمايته وتحصينه وتقويته وتنميته يوميا، ليكون قادرا على مواجهة حملات الشيطنة من استعمار الأمس وأحفاد الكولونيالية ومن حركى وخونة الأمس واليوم وأيضا من المفترسين بسبب الردة التي تعرفها العلاقات الدولية وعودة خطابات العنصرية وسياسات السيطرة والهيمنة التي لم تعد تخجل من شن الحرب ومن ارتكاب مجازر الإبادة وتبريرها بالمعايير المزدوجة وبالكيل بمكيالين، ولنا في ذلك أكثر من مثال مما جرى في غزة ولبنان وفي السودان واليمن وفي العراق وليبيا والساحل.

لم يعد الاستقلال والسيادة مجرد حالة زمنية أو شعار أو احتفال سنوي يتجدد كل 365، بل هو نضال يومي وتضحيات على الشعوب تقديمها كل لحظة وحين، ليس برفع رايات وشعارات براقة ودغدغة مشاعر وكفى ولكن بإنجازات بسواعد أبناء الوطن، في التربية والتعليم، لأنه عصر التفوق العلمي والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي ولا مكان فيه تحت الظل لغيرهم، وبتحقيق الأمن المائي والغذائي، فعهد الصدقات والتبرعات دون مقابل ولى وانتهى وأضحى محل مساومات وابتزاز للدول وطريقا سهلا لكسرها وإخضاعها للهيمنة، فالعالم بعد فيروس كورونا ليس هو نفسه بعدها، وحرب روسيا وأوكرانيا وما أحدثته من اختلالات في الغذاء والدواء وطرق الإمداد والتجارة، والحرب الصهيونية ضد غزة والحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وانعكاسات ذلك على الخريطة الجيواستراتيجية للشرق الأوسط وفي العالم، كلها صفارات إنذار تؤشر على أن الاستقلال والسيادة تواجهه تحديات تحتاج إلى جبهة داخلية قوية وإلى اقتصاد منتج ومتنوع وإلى جيش قوي واحترافي وإلى سواعد بشرية كفؤة ومبدعة في مختلف المجالات الفلاحية والثقافية والتكنولوجية والرياضية وغيرها.

الاستقلال الذي نحييه ونحتفل به كل 5 جويلية ليس عطلة مدفوعة الأجر، إنما ليذكرنا بالسؤال الأبدي، ماذا أعددنا للغد وللمستقبل الذي توحي كل بوادره الظاهرة والمتسترة بأنه سيكون شرسا مفترسا. فالحروب أضحت علمية وتكنولوجية أكثر منها دبابات وجنودا وطائرات عسكرية، والتحالفات الجديدة تفرضها بقوتك في كفة الميزان الاقتصادي والمالي وليس بالمجاملات الدبلوماسية ولا في المؤتمرات الأممية والجهوية، وهو تحد آخر يستدعي تنويع الشراكات الخارجية بما يعزز الاستقلالية في صناعة القرار وينهي كل أشكال التبعية ويوفر هامش الحرية في عالم يزداد ضيقا يوما بعد يوما جراء عودة الروح الاستعمارية.  

نيل الاستقلال واسترجاع السيادة جاء بفضل تضحيات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، والحفاظ عليه وصونه هو كلمة عهد أعطيت لقوافل الشهداء الذين دفعوا أرواحهم في سبيل ذلك، ولن يكون الوفاء بالعهد خارج تقديم هذا الجيل ضريبة العرق والدم معا لتقوية هذا الوطن ودعم مناعته حتى يبقى لحمه مرا وعصيا على أعداء الأمس واليوم.