الوطن

باريس ما تزال أسيرة ماضيها الاستعماري

على عكس الخطوات التي أبدتها الجزائر، لم تنجح فرنسا تماما في التخلص من إرث عقليتها الاستعمارية التي تقنّن النظرة الفوقية.

  • 217
  • 4:11 دقيقة

يراوح ملف الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا مكانه منذ عقود، ورغم الإرادة السياسية والخطوات العملية الجادة التي أبدتها الجزائر لتسوية هذا الملف بمرونة وندية، إلا أن المقاربة الفرنسية ما تزال تصطدم بعقدة تعالي متجذرة لدى السلطات الفرنسية، وهي العقدة التي تحوّل الجهود الدبلوماسية والتاريخية والأكاديمية إلى مجرد "سياسة خطوات صغيرة" تفتقر إلى الشجاعة السياسية وتصرّ على التعامل مع الجرائم الاستعمارية بنظرة استعلائية تساوي بين الضحية والجلاد.

تتجلى معالم هذا التعالي الفرنسي في محاور رئيسية تكشف الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة الفعلية على أرض الواقع إذ ما تزال باريس تتمسك بما يسمى "سياسة التكريمات المجزأة" أو "الاعترافات الانتقائية" (مثل الاعتراف باختطاف واغتيال المحامي علي بومنجل أو عالم الرياضيات موريس أودان)، لكنها تضع خطاً أحمر أمام تقديم اعتذار رسمي وشامل ودولي للدولة الجزائرية. هذا الامتناع يعكس رغبة فرنسية في تجنب التبعات القانونية والأخلاقية للاستعمار ومحاولة للالتفاف على حقيقة أن ما حدث في الجزائر كان جريمة دولة منظمة وليس مجرد "تجاوزات معزولة".

النزعة التشريعية لـ "تمجيد الاستعمار"

على عكس الخطوات التي أبدتها الجزائر، لم تنجح فرنسا تماما في التخلص من إرث عقليتها الاستعمارية التي تقنّن النظرة الفوقية لإرثها الاستعماري الدموي في الجزائر. ويبرز هنا قانون 23 فيفري 2005 الشهير الذي نص في إحدى مواده على "الدور الإيجابي للوجود الفرنسي في شمال إفريقيا". ورغم الجدل الذي أثاره، فإن استمرار هيمنة هذه الروح على النخب السياسية الفرنسية، يؤكد أن باريس ما زالت ترى في ماضيها الاجرامي حركة "تحديثية وحضارية"، وهو قمة التعالي في إنكار حق الشعوب في الحرية والسيادة.

الانتقائية والمماطلة في تسليم الأرشيف

يمثل الأرشيف الوطني الجزائري المنهوب من قادة الجيش الفرنسي، سواء في بدايات الغزو العسكري الوحشي وحتى أواخر أيام الاستعمار، أحد أبرز الأدلة على رغبة فرنسا في حجب الحقيقة كاملة، حيث ما تزال السلطات الفرنسية تتعمد فرض قيود قانونية وبيروقراطية مشددة، متذرعة بـ "الأمن القومي" وأسرار الدفاع، لتمنع المؤرخين الجزائريين من الوصول إلى الوثائق الحيوية والملفات الكبرى التي تتعطش لها الجهود الأكاديمية، هذا السلوك يعكس رغبة في الاحتفاظ بحق "توجيه الرواية التاريخية" وصياغتها من منظور فرنسي أحادي، بدلا من تمكين أصحاب الأرض من كتابة تاريخهم بحرية.

التهرب من المسؤولية في ملف التفجيرات النووية وآثارها البيئية

لقد تركت فرنسا في الصحراء الجزائرية خاصة في منطقتي (رقان وإن إيكر)، إرثا إشعاعيا قاتلا ما تزال أجيال متعاقبة تدفع ثمنه. ومع ذلك يتعامل الجانب الفرنسي بتهرب واضح من تقديم التطهير البيئي الشامل للمواقع وتعويض الضحايا الجزائريين وما يسمى بـ "قانون موران" للتعويضات وضع بشروط ومقاييس تعجيزية تجعل استحقاق التعويض للجزائريين شبه مستحيل، في حين يتم التعامل مع هذا الملف الإنساني والبيئي الخطير بعقلية الحسابات المالية والسياسية الضيقة.

رهن الذاكرة بالتجاذبات السياسية الداخلية

وبدلا من التعامل مع ملف الذاكرة كقضية أخلاقية وتاريخية قائمة بحد ذاتها، تخضع السلطات الفرنسية لـضغوط اليمين واليمين المتطرف المتصاعد. ويتم توظيف "عقدة فقدان التفوق" في الحملات الانتخابية الفرنسية لابتزاز المواقف الرسمية، مما يجعل أي تقارب تاريخي منصف رهينة للمصالح الحزبية الضيقة داخليا، ويعكس عجز باريس عن التحرر من عقدة الماضي الاستعماري في توجيه سياستها الخارجية تجاه الجزائر.

ومن أخطر معالم التعالي الفرنسي هو محاولة الترويج لمقاربة "المساواة في المعاناة" وخلط المفاهيم بين جرائم جيش احتلال منظم استخدم الأرض المحروقة، الإبادة الجماعية والتعذيب الممنهج كأدوات دولة، وبين العمليات العسكرية لجيش التحرير الوطني الجزائري الذي كان يمارس حقا مشروعا ومكفولا في القوانين الدولية للدفاع عن النفس واسترجاع السيادة المغتصبة، ولذلك يعتبر مؤرخون ومهتمون بملف الذاكرة، أن مساواة فعل التحرر بجريمة الاستعمار هي ذروة التعالي الفكري والتاريخي.

وأمام هذا السلوك الفرنسي الرسمي المتوارث من جيل إلى آخر، أثبتت الجزائر من خلال مؤسساتها وهياكلها الدبلوماسية والتاريخية، أنها تملك الجاهزية والنية الصادقة لطي صفحة الماضي بناء على أسس متينة، لكنها ترفض بشكل قاطع أي مساس بسيادتها التاريخية.

وتعكس تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، إصرارا حاسما على عدم إخضاع ملف الذاكرة لأي مناورات موسمية. وفي هذا السياق، تؤكد الجزائر مرارا أن ملف الذاكرة لا يقبل المساومة أو التنازل، مشددة على أن بناء علاقات طبيعية مع فرنسا يتطلب معالجة هذه القضايا بجرأة وشجاعة تاريخية كاملة. ويرى المحللون الجزائريون أن محاولات الإدارة الفرنسية لتبني مقاربات ملتوية تحت مسمى "المصالحة الذاكرتية" دون المرور بمحطتي الاعتراف الصريح والتعويض العادل، تصطدم اليوم بصلابة موقف جزائري متمسك بسيادته وحقوق شهدائه كاملة غير منقوصة.

وتجلت ملامح هذه الندية بوضوح في اللقاءات الرسمية الرفيعة المستمرة، فعندما التقت القيادات الأمنية والعسكرية للبلدين، وضع الطرف الجزائري النقاط على الحروف برؤية استراتيجية صارمة، حيث ركزت الكلمات الرسمية لرئيس الأركان، السعيد شنقريحة على أن أي تطلع لبناء مستقبل واعد أو تعاون مشترك، لن يكون أبدا على حساب نسيان الماضي أو التغاضي عن تضحيات الشعب الجزائري، وهو الخطاب الذي يفرض معادلة جديدة تجبر باريس على التعامل مع الجزائر كقوة إقليمية ندية لا تقبل الإملاءات أو التوجيه التاريخي الأحادى.

اعترافات فرنسية بالانسداد التاريخي

على الجانب الآخر، لم تعد عُقدة التعالي خافية حتى على النخب الفرنسية نفسها، إذ تشير قراءات حديثة لمؤرخين فرنسيين بارزين، مثل بنجامان ستورا، إلى أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا شهدت فترات من القطيعة والانسداد غير المسبوق بسبب عجز باريس عن حلحلة الملفات العالقة. ويعترف خبراء وحتى سياسيون بارزون منهم سيغولين روايال علنا، بأن الجانب الجزائري يطرح مطالب مشروعة تتطلب خطوات فرنسية ملموسة لا يمكن القفز فوقها، وعلى رأسها التطهير البيئي الفعلي لمواقع التفجيرات النووية واسترجاع الأرشيف المنهوب بالكامل، غير أن الطبقة السياسية الحاكمة في فرنسا وتحت وطأة ضغوط اليمين المتطرف، ما تزال تعجز عن تحويل هذه القراءات التاريخية إلى قرار سياسي شجاع يحررها من عقدتها الاستعمارية.