الوطن

نحو توسيع الشراكة مع روسيا

من الغاز إلى السيادة الرقمية.

  • 1106
  • 4:15 دقيقة
الرئيس تبون رفقة الرئيس الروسي، بوتين، الصورة: ح.م.
الرئيس تبون رفقة الرئيس الروسي، بوتين، الصورة: ح.م.

مبعوثة "الخبر" إلى موسكو نسرين جعفر

أكد نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية، ماكسيم أوريشكين، أمس الاثنين، استعداد بلاده لتوسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الجزائر، خاصة في مجال الغاز، وتطوير شراكات تتجاوز المجالات التقليدية، فيما يصل اليوم الوفد الجزائري الذي سيمثل الجزائر في القمة الروسية الإفريقية الثالثة.

وقبيل انطلاق أشغال القمة التي تحتضنها موسكو بمجمع غوستيني دفور يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، عرض ، ماكسيم أوريشكين، أمس، في إطار المنتدى الإعلامي المرتبط بالقمة، ملامح الرؤية الروسية للتعاون مع الدول الإفريقية، مؤكدا انفتاح موسكو على تطوير علاقاتها مع بلدان القارة، ومن بينها الجزائر، خاصة في مجالات الطاقة والغاز والتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة.

وخلال عرض يوضح التطور الاقتصادي للدول الإفريقية، شدد المسؤول الروسي على أن المنتدى الإعلامي، الذي حضره رؤساء ومديرو مختلف وكالات الأنباء الإفريقية، يهدف إلى بحث سبل تعزيز الانفتاح على الدول الإفريقية والتعريف بفرص التعاون معها، في وقت تتزايد أهمية القارة باعتبارها مجالا للنمو الاقتصادي والاستثمار، بالنظر إلى إمكاناتها البشرية ومواردها الطبيعية وأسواقها الواعدة.

توسيع الشراكة الجزائرية الروسية

وفي حديثه عن التعاون الثنائي، شدد أوريشكين على الغاز باعتباره مجالا مهمّا للتعاون الثنائي مع الجزائر، لافتا إلى الخبرات والتكنولوجيات التي طورتها روسيا في إنتاج الغاز ونقله وتصديره.

وذكر المسؤول الروسي تجارب بلاده في تطوير إستراتيجيات إنتاج الغاز وتصديره من الحقول البحرية، وإنشاء منصات لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، معتبرا أن هذه الخبرات يمكن أن تفتح آفاقا إضافية للتعاون مع الجزائر التي يمثل قطاع المحروقات أحد الأعمدة الأساسية لاقتصادها.

وأكد استعداد موسكو للعمل مع الجانب الجزائري على مشاريع مشتركة في قطاع الطاقة، مشددا على أهمية هذا المجال في تعزيز السيادة الوطنية وتطوير القدرات الإنتاجية والتكنولوجية للدول.

وخلال حديثه عن السيادة الوطنية، أكد أن موسكو تعرض على الدول الإفريقية تعاونا يقوم على إشراك الدول الأخرى للمساهمة في حماية معطياتها الشخصية، لافتا إلى أن التعاون لا يقتصر على الإمدادات أو تبادل الخبرات التقنية، بل يمتد إلى إمكانية تطوير شراكات تشمل التكنولوجيا الصناعية والخدمات المرتبطة بالطاقة، بما يسمح بتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

وتشمل مجالات التعاون التي عرضها أيضا الذكاء الاصطناعي، رقمنة الخدمات، تحلية المياه، الخدمات المالية الرقمية، إلى جانب المشاريع الزراعية والأمن الغذائي، وهي مجالات مشتركة مع عدة دول إفريقية.

وتأتي هذه التصريحات في سياق العلاقات التاريخية والإستراتيجية التي تجمع الجزائر وروسيا، والتي تعززت بإعلان الشراكة الإستراتيجية المعمقة خلال زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى موسكو سنة 2023. غير أن توسيع التعاون الاقتصادي يطرح تحديا أساسيا يتعلق بمدى قدرة البلدين على تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات مشتركة، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ويمنح المؤسسات المحلية دورا أكبر في تنفيذ المشاريع وتطوير التكنولوجيا.

السيادة الرقمية

وخصص المسؤول الروسي جانبا من عرضه لموضوع السيادة الرقمية، مقدما موسكو كشريك في تطوير البنى التكنولوجية والخدمات الرقمية بالدول الإفريقية. وفي هذا السياق، ربط أوريشكين مسألة السيادة الرقمية بقدرة الدول على التحكم في بياناتها الاقتصادية وحمايتها من التبعية للمنصات والمؤسسات التكنولوجية العالمية الكبرى، معتبرا أن البيانات لم تعد مجرد مورد تقني، بل أصبحت جزءا من الأمن الوطني والسيادة الاقتصادية.

وعرض المسؤول الروسي مقاربة بلاده في التعاون التكنولوجي مع الشركاء الأجانب، موضحا أن موسكو لا تسعى إلى فرض خدماتها أو خياراتها على الدول التي تتعامل معها، بل تركز على احترام قرارات الشركاء وتطوير حلول تتلاءم مع احتياجاتهم.

كما أشار إلى أهمية استخدام البرمجيات المحلية وتطوير تطبيقات في مجالات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، مثلما فعلت بلاده، مع العمل على توطين التكنولوجيا وتعزيز القدرات الوطنية في هذا المجال.

وتقوم الرؤية التي عرضها المسؤول الروسي على إشراك الشركات المحلية في تنفيذ المشاريع، بدلا من الاكتفاء باستيراد الخدمات والتجهيزات، بما يسمح بتطوير الخبرات الوطنية وإقامة شراكات طويلة الأمد.

وخلال النقاش، أثار عدد من الإعلاميين الأفارقة المشاركين في المنتدى مخاوف بشأن انعكاسات تعزيز التعاون مع روسيا على علاقات بلدانهم بالقوى الدولية الأخرى، مؤكدين أهمية الحفاظ على تنوع الشراكات الدولية وتعددها.

ودعا متدخلون إلى البحث عن صيغ للتعاون تتيح تطوير العلاقات مع موسكو، دون المساس بالمصالح القائمة مع مختلف الشركاء الدوليين.

من جانبه، أكد المسؤول الروسي أوريشكين أن بلاده لا تسعى إلى فرض نمط محدد من التعاون على الدول الإفريقية، بل تطرح نفسها شريكا مستعدا لتعزيز العلاقات وتوسيع مجالات التعاون، في إطار رؤية تقوم على ترسيخ نظام عالمي متعدد الأقطاب واحترام تعدد الشراكات الدولية.

بوابة إفريقيا

بالنسبة للجزائر، تكتسي القمة أهمية خاصة بالنظر إلى علاقاتها التاريخية مع روسيا، وموقعها الجغرافي والاقتصادي الذي يمنحها إمكانات للربط بين الأسواق الإفريقية والمتوسطية. وكانت الجزائر قد أكدت، خلال القمة الروسية الإفريقية الثانية التي احتضنتها سانت بطرسبورغ عام 2023، أهمية تعزيز دورها في تطوير العلاقات الروسية الإفريقية.

وقال الوزير الأول وقتها، أيمن بن عبد الرحمان، إن الجزائر تمثل "بوابة إفريقيا ضمن الشراكة الإستراتيجية مع روسيا"، رابطا ذلك بالمؤهلات الاقتصادية والجغرافية للجزائر وبالعلاقات التي تجمعها بمحيطها الإفريقي.

وتراهن الجزائر على الانتقال من علاقة تقوم أساسا على شراء المعدات والطاقة والتكنولوجيا إلى علاقة أكثر توازنا تقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والاستثمار والتصدير والتصنيع المحلي.

الساحل.. تقاطع المصالح

ولا يمكن فصل العلاقات الروسية الإفريقية عن التحولات الأمنية والجيوسياسية التي تشهدها القارة الإفريقية، خصوصا في منطقة الساحل التي تمثل مجالا حيويا للأمن القومي الوطني.

ففي الوقت الذي تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها وعلاقاتها مع دول المنطقة، خاصة عسكريا، تركز الجزائر على مقاربة ترتكز على أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ودعم الحلول السياسية، مع تعزيز التعاون الإقليمي والانفتاح على إرسال الجيش خارج الحدود، مثلما وقع مع النيجر.

وقد يفرض هذا الوضع مجالات لتقاطع المصالح بين البلدين، لكنه يطرح في المقابل مخاوف من تأثير اختلاف الرؤى في الساحل على مستقبل العلاقات بين البلدين.