ربورتاجات

موسكو.. تاريخ وجمال يحجبان ندوب الحرب

"الخبر" في قلب العاصمة الروسية.

  • 254
  • 9:09 دقيقة
الصورة: "الخبر"
الصورة: "الخبر"

مبعوث "الخبر" إلى موسكو: محمد سيدمو

في قلب موسكو، حيث كنيسة القباب الملونة الشهيرة، لا تشعر أنك في بلد يعيش حربا منذ أكثر من أربع سنوات. هنا كل شيء مرتب لإبهار العابر بهذا المكان واستيقافه عن روسيا وتاريخها وعظمائها. حركة الناس نشطة، المقاهي والمتاجر مكتظة، والسياح يتنقلون بين المعالم ويلتقطون الصور، فيما تبدو "الجبهة الأوكرانية"، بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية.

في يوم صيفي مشمس وجميل، لا يوجد أفضل من الساحة الحمراء لبدء اكتشاف موسكو. فهذه البقعة الممتدة في قلب العاصمة ليست مجرد ساحة تاريخية، وإنما نقطة تتقاطع فيها قرون من تاريخ روسيا، فتجد شيئا من عظمة القياصرة وروح الثورة البلشفية وآلام الحرب العالمية الثانية وإرث الاتحاد السوفييتي إلى أن تصل إلى موسكو اليوم، حيث تبدو المدينة حديثة في مبانيها ومواصلاتها وتخطيطها العمراني، بما يليق بدولة عظمى مثل روسيا.

 إلى جانب المرشدة "فيديفيا"، نقف في الساحة وحولنا تتوزع أبرز رموز المدينة. إلى الأمام الكرملين بأسواره الحمراء وأبراجه، وعلى الجانب الآخر كاتدرائية القديس باسيل بقبابها الملونة، وبالقرب منها مبنى غوم التجاري الفخم. خلفنا المتحف التاريخي، وعلى أطراف المكان تنتشر النصب والتماثيل والمقابر والحدائق التي تختصر مراحل كاملة من التاريخ الروسي.

 الساحة نفسها تحمل قصة في اسمها. فكلمة "كراسنايا" تحمل في الروسية القديمة معنى "الجميلة" كما أنها تطلق أيضا على "اللون الأحمر"، ولذلك ارتبط اسم الساحة بجمالها قبل أن يصبح اللون الأحمر جزءا أساسيا من صورتها. أما الساحة كما نراها اليوم، فلم تكن دائما ذلك الفضاء المنظم، فقد اشتهرت في السابق بكونها سوقا تعج بالباعة والتجار، قبل أن يأمر القيصر بإخلائها وتنظيمها، لتتحول تدريجيا إلى واحدة من أشهر الساحات في العالم.

هكذا يبدو الكريملن

 من الساحة نبدأ أولى خطواتنا نحو الكرملين، ذلك القصر الذي سكنه عظماء روسيا على مرّ التاريخ، ويتخذه زعيمها الحالي، فلاديمير بوتين، مقرا له دون أن يكون بالضرورة مقيما دائما به، وفق ما قيل لنا، بسبب الضرورات الأمنية التي أملتها الحرب. تقول المرشدة فيديفيا إن موسكو الحديثة لا يمكن فهمها من دون العودة إلى هذا المكان. فمن هنا، على الربوة المطلة على نهر موسكو، نشأت النواة التي تطورت منها المدينة. كان الكرملين في بداياته تحصينا، ثم أعيد بناؤه وتوسيعه عبر القرون، إلى أن اتخذ في أواخر القرن الخامس عشر شكله الأساسي الذي نعرفه اليوم.

 وفي تلك المرحلة، عندما أصبحت موسكو مركز الدولة الروسية الموحدة، أعيد بناء أسوار الكرملين بالطوب الأحمر، واستعين بمهندسين إيطاليين شاركوا في تشييد عدد من مبانيه وتحسين تحصيناته. لذلك، فإن الوقوف أمام السور يظهر الكثير من تمازج التاريخ الروسي مع التأثير الأوروبي.

 يمتد سور الكرملين لأكثر من كيلومترين، وتعلوه أبراج شاهقة، بينما تحولت بعض أبوابه إلى رموز بحد ذاتها. لعل من أهمها برج "سباسكايا"، الذي كان مدخلا احتفاليا رئيسيا للكرملين. وترتبط به رواية تاريخية عن تقاليد الحكام، إذ كان الدخول من البوابات التي تحمل رموزا دينية يستوجب احترامها وفق الأعراف القديمة.

 وليس الطوب الأحمر وحده ما يجذب العين فوق الأسوار، بل النجوم الحمراء التي تتوج خمسة من أبراج الكرملين. هذه النجوم العملاقة هي من أشهر بقايا الرمزية السوفييتية في موسكو، وتزن الواحدة منها نحو طن ونصف، وهي مضاءة وتدور باستمرار بفعل آلية تسمح بمواجهة الرياح.

القباب الملونة

 على الجهة المقابلة للكرملين، تقف كاتدرائية القديس باسيل، المبنى الذي يكاد يكون مرادفا لموسكو في الصور. قبابها الملتوية والملونة تجعلها تبدو وكأنها خرجت من رواية شعبية، لكن خلف هذا الشكل اللافت تاريخ ديني وسياسي طويل.

 شيدت الكاتدرائية في عهد القيصر إيفان الرابع، المعروف بإيفان الرهيب، في القرن السادس عشر، احتفالا بانتصاراته في حروبه على خانية قازان (بلغاريا). والمبنى الذي يبدو من الخارج ككنيسة واحدة هو في الحقيقة مجمع يضم عشر كنائس، لكل واحدة منها فضاؤها وتاريخها.

 ولهذا فإن تعدد القباب ليس مجرد خيار جمالي. كل قبة جزء من مجمع ديني متكامل، فيما ارتبط المكان لاحقا باسم القديس باسيل، الذي دفن في الموقع وأصبحت الكنيسة المرتبطة بقبره سببا في انتشار الاسم الذي تعرف به الكاتدرائية عالميا.

 وعلى يمين الكاتدرائية، نجد أنفسنا أمام وجه آخر لموسكو.إنه غوم، المركز التجاري الشهير المطل على الساحة الحمراء. الواجهة التاريخية للمبنى لا توحي بأننا أمام مركز تجاري بالمعنى الحديث، لكنها تخفي وراءها متاجر فاخرة ومقاهي وممرات واسعة تزدحم بالزوار.

 شيد المبنى في نهاية القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الوقت ارتبط المكان بالتجارة والفخامة والهيبة. واليوم، بعد أكثر من قرن، ما زال يحتفظ بموقعه الاستثنائي في قلب موسكو، لكن المنتجات التي تعرض داخله تغيرت مع الزمن، لتصبح العلامات الحديثة جزءا من مشهد المكان. هنا، قد تلمح قليلا من مظاهر الحرب، فالكثير من العلامات الغربية الفاخرة غادرت، لكن الروس لم يغلقوا محلاتها بل عوضوها بعلامات محلية قريبة جدا مما كانت تعرضه الشركات المغادرة.

 من أمام "غوم" نعود إلى وسط الساحة، حيث يقف تمثال مينين وبوجارسكي. التمثال يخلد رجلين ارتبط اسماهما بتحرير موسكو من القوات البولندية في بداية القرن السابع عشر، خلال فترة الاضطرابات التي مرت بها روسيا. أقيم النصب في القرن التاسع عشر، وكان أول تمثال تذكاري كبير في موسكو. لكنه لم يبق في منتصف الساحة، إذ نقل لاحقا إلى جوار كاتدرائية القديس باسيل لإفساح المجال للاستعراضات والتجمعات الكبرى.

خطوات قليلة تكفي للانتقال من هذا الرمز إلى ضريح لينين.. واحد من أكثر الأماكن إثارة في موسكو. خلف واجهة الضريح يوجد جسد فلاديمير لينين، المحنط والمعروض منذ ثلاثينيات القرن العشرين، مع توقف مؤقت خلال الحرب العالمية الثانية عندما نقل إلى مكان أكثر أمنا بعيدا عن موسكو.

 وعلى مقربة منه، بمحاذاة جدار الكرملين، تمتد مقبرة تضم رفات عدد من الشخصيات السوفييتية البارزة. هنا دفن ستالين بعد إخراج جثمانه من الضريح عام 1961، في ذروة حملة نزع الستالينية.

وفي المكان نفسه توجد قبور ورفات عدد من كبار القادة والعسكريين والعلماء ورواد الفضاء، ومن بينهم يوري غاغارين، أول إنسان يصعد إلى الفضاء. وبينما تظل الساحة شاهدة على الثورة والحقبة السوفييتية، يقودنا الطريق من جديد إلى ذاكرة أخرى أكثر رسوخا في الوجدان الروسي.. الحرب العالمية الثانية.

الجندي المجهول

 نغادر الساحة باتجاه حديقة ألكسندر، فنصل إلى قبر الجندي المجهول، أمام الشعلة الأبدية التي تعبر عن الانتصار على النازية في "الحرب الوطنية العظمى" أو ما نسميه نحن "الحرب العالمية الثانية"، فلروسيا تسمياتها الخاصة للأحداث التي لا تشبه غيرها.. أمام الشعلة يقف حرس الشرف، في مشهد شديد الانضباط. تتكرر مراسم تغيير الحرس وفق طقوس خاصة على رأس كل ساعة، بينما يقف الروس والزوار في ثبات وتأمل للمشهد.

 إلى جانب القبر توجد حفنات تراب آتية من مدن روسية عرفت معارك شرسة خلال الحرب. إنها طريقة رمزية لنقل ذاكرة المعارك من مختلف أنحاء البلاد إلى قلب موسكو. يقترب الناس من هذه المربعات الصغيرة، يضعون باقات الورد، ثم يقفون للحظات قبل أن يواصلوا طريقهم.

 بالقرب من هذا المكان يقف تمثال المارشال جورجي جوكوف، القائد العسكري السوفييتي الذي ارتبط اسمه بأبرز معارك الحرب وبالانتصار على ألمانيا النازية. وخلف التمثال يرتفع مبنى المتحف التاريخي الحكومي، بواجهته الحمراء الضخمة، ليزيد من هيبة المكان ووقاره.

 ومن نفس المكان، إذا عدنا بنظرنا إلى الساحة واقتربنا منها قليلا، سنكتشف أن لها بوابات وحدودا واضحة، وأن الحركة فيها ليست عشوائية كما تبدو للوهلة الأولى. ففي مكان قريب توجد علامة "الكيلومتر صفر"، النقطة الرمزية التي تبدأ منها حسابات المسافات والطرق في موسكو. يقف عندها السياح لالتقاط الصور، وبعضهم يمارس العادة المعروفة برمي قطعة نقدية خلفه أملا في العودة إلى المدينة. وأمامها كنيسة صغيرة تعلو من داخلها الترانيم الدينية بشكل صاخب لجذب الزوار الذين يقصدون قسيس المكان.

 لكن موسكو لا تنتهي عند الساحة. على مسافة قصيرة منها، يبدأ وجه آخر للعاصمة، أكثر حداثة وأقل ارتباطا بالقصور والكنائس. في حديقة زارياديي، التي تقع على مقربة من الكرملين، وضع المصممون الخضرة في قلب المنطقة التاريخية. المكان شهد في السابق خططا ومشروعات عمرانية مختلفة، قبل أن يتحوّل إلى حديقة حديثة أعيد تطويرها وافتتاحها عام 2017. واليوم، تمثل زارياديي نموذجا لموسكو التي تريد الجمع بين التاريخ والهندسة الحديثة والطبيعة.

 تنتهي الحديقة عند الجسر المعلق ذي الحرف "في" الذي هو أكثر معالمها جذبا للزوار.من فوقه يبدو نهر موسكو ممتدا تحت الأقدام، بينما تتكشف المدينة في مشهد بانورامي واسع. وفي الجهة الأخرى تظهر أبراج "موسكو سيتي"، المركز المالي والتجاري الحديث للعاصمة، بواجهاتها الزجاجية وارتفاعاتها الشاهقة. وعندما تطيل النظر، تظهر بعض بنايات "الأخوات السبع"، وهي مجموعة ناطحات سحاب بنيت في عهد ستالين بعد الحرب العالمية الثانية. مبان ضخمة تتوزع في العاصمة، صممت لتكون علامات بارزة في أفق موسكو وتعبيرا عن القوة السوفييتية.

 كانت هناك خطة لإنشاء مبنى ثامن ضمن المشروع، وفق المرشدة، وبدأ العمل على أساساته، لكن المشروع لم يكتمل وتغيرت الخطط العمرانية لاحقا. وهكذا بقيت "الأخوات السبع" شاهدة على مرحلة أرادت فيها موسكو أن تغير صورتها من عاصمة خرجت من الحرب إلى عاصمة قوة عظمى.

ميترو موسكو

 ومن الساحة الحمراء نغادر التاريخ المفتوح في الأعلى، لندخل تاريخا آخر تحت الأرض. على مسافة قصيرة توجد محطة "ساحة الثورة" إحدى محطات شبكة مترو موسكو، ذلك العالم الموازي الذي أصبح واحدا من أشهر معالم المدينة، حتى إن المرور به لا يبدو مجرد وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر، بل جولة إضافية في تاريخ العاصمة.

 ننزل الدرج، ومع كل خطوة إلى الأسفل يتغير المشهد. المحطة لا تشبه الصورة المعتادة لمحطات المترو، قاعات واسعة، أعمدة ضخمة، ثريات وأرضيات رخامية، ونقوش وزخارف تجعل المكان أقرب إلى قصر عام منه إلى مرفق للنقل. ينسى السياح تماما أمر التنقل، ويمارسون طقسا معتادا بلمس التماثيل البرونزية للجنود والبحارة والعمال، فهي في الثقافة الشعبية هنا، جالبة للحظ.

بعض محطات الميترو الذي بدأ تشغيله عام 1935، شيدت في الحقبة السوفييتية وفق رؤية أرادت أن تجعل العمارة وسيلة لإظهار قوة الدولة وطموحها، ولذلك حملت أسماء وشعارات ولوحات وتماثيل تستحضر معاني الثورة والانتصار في الحرب. ومع مرور أكثر من تسعة عقود، بقيت أجزاء واسعة من هذا الإرث المعماري محفوظة، فيما تحوّل عدد من المحطات إلى وجهات يقصدها السياح خصيصا لمشاهدة تصميمها الداخلي.

 نصعد مجددا إلى سطح المدينة بعد الانتقال إلى خارج المركز التاريخي، فنجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تماما. موسكو في الأعلى مدينة واسعة، مفتوحة، ذات شوارع طويلة وطرق عريضة ومساحات كبيرة تفصل بين المباني. الطرق الرئيسية مصممة لاستيعاب حركة كثيفة، والأرصفة في كثير من المناطق واسعة ومنظمة، والأشجار تصطف على جانبي الشوارع وتخفف من صرامة الكتل الإسمنتية.

مظاهر الحرب

 رغم إصرار موسكو على إشغال زائرها بالتاريخ والحداثة والعمران، إلا أن أثر الحرب لا يمكن أن تخطئه العين.. يمكن التقاطه في وجوه بعض الروس الحيارى وفي أحاديثهم عن تغيرات ظروفهم المعيشية ومستقبل بلادهم، وخاصة في قولهم لتقليل انبهار السائح "مهلا.. موسكو ليست روسيا"، كناية على وجود روسيا أخرى عميقة، الواقع فيها أعقد. صحيح أن كثيرا منهم يؤيدون بوتين في مشروعه ويسردون المبررات الجيو سياسية والتاريخية التي تدعم حربه على أوكرانيا، إلا أن سؤال التكلفة بدأ يبرز بقوة، مع فقدان آلاف الجنود ونقص الموارد وارتفاع تكلفة المعيشة وغياب أفق واضح للحل ونهاية الحرب.

في الطريق إلى المطار، بدا من زجاج السيارة دخان متصاعد على مسافة قريبة، فارتبك السائق وبدأ يتساءل عما إذا كان المطار سيقفل.. قال إن الهجمات بطائرات الدرون الأوكرانية أصبحت كثيرة في استهداف الأماكن الاستراتيجية، لذلك لا يستبعد أن يكون هذا الدخان مصدره هجوم أوكراني.. بعد أن تأكد، طمأننا بأن حركة الطيران عادية في المطار ولا داعي للقلق. تحدث بعدها عن يوميات الروس مع الحرب التي تؤثر على حياتهم خاصة من الناحية الاقتصادية، فالمدن البعيدة عن الجبهة والمحصنة بشكل كبير مثل موسكو تبقى آمنة حتى وإن وصلتها بعض الضربات على الأطراف.

 في الشارع، تلمح من حين لآخر لافتات كبيرة، تعرض على الشباب الانضمام للجيش بشعارات براقة تداعب الروح الوطنية العالية للروس. لكن التضحية بالذهاب للجبهة الأوكرانية، وفق من تحدثنا معهم، يظل خيارا قاسيا يضطر إليه من لا يجدون سبيلا آخر لتحصيل قوت اليوم. أما من هم في سعة من أمرهم، فيفكرون بشكل آخر مختلف تماما في رسم مستقبلهم. الشغف الأكبر الذي لاحظناه لدى شباب روسيا هو في تطوير مهاراتهم واستعادة أمجاد بلادهم العلمية. الجامعات هنا، تعج بالتخصصات الحديثة في مجالات الدرون وعلوم الفضاء والروبوت والطب والهندسة والعلوم النووية والذكاء الاصطناعي والبرمجيات.. فالإدراك هنا عميق، أن المستقبل حتى وإن طالت الحرب التي لن تستمر إلى الدهر، سيلعب في هذه الميادين.