مجتمع

تداعيات نفسية جسيمة لنتائج التشريعيات

بروفيسور في علم النفس الاجتماعي يقدم مقاربة للتعامل معها وجعلها عامل قوة للطموح السياسي.

  • 2528
  • 3:20 دقيقة
البروفيسور عز الدين رامي. ص: (الخبر)
البروفيسور عز الدين رامي. ص: (الخبر)

مع الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية، تتحدد مسارات الفائزين بعضوية المجلس الشعبي الوطني، وما يرتبط به من مسؤوليات سامية وامتيازات عديدة، في حين يجد المترشحون الذين لم يبلغوا طموحهم في تمثيل الناخب أمام وضعية نفسية استثنائية يتعين عليهم إدارتها ومجاراة تقلباتها.


يقدم البروفيسور عز الدين رامي، في حوار مع "الخبر"، تشخيصا وقراءة لهذه الوضعية، بالاستناد إلى مقاربة من علم النفس الاجتماعي، معتبرا أنه بعد الإعلان الرسمي عن نتائج انتخابات المجلس الشعبي الوطني، تنتهي المنافسة الانتخابية، وتبدأ مرحلة التقبل النفسي للنتائج، التي تمر في حد ذاتها بعدة مراحل، وذلك لاحتواء تداعيات نفسية سلبية مفترضة.

ماهي مواصفات مرحلة ما بعد الإعلان عن النتائج بالنسبة لمن لم يحقق طموحه؟


تمثل مرحلة ما بعد الانتخابات بالنسبة لغير الفائزين، اختبارًا حقيقيًا لشخصية المترشح، ومدى قدرته على إدارة انفعالاته والتعامل مع الواقع بروح المسؤولية وجزء جوهري من العملية الانتخابية والديمقراطية. وهذا من منطلق أن هؤلاء استثمروا وقتهم وجهدهم وإمكاناتهم المادية خلال الحملة الانتخابية، وربط كثير منهم آمالًا كبيرة بنتائج الصندوق. لذلك، قد يشعر البعض بخيبة أمل أو صدمة عندما لا تأتي النتائج كما كانوا يتوقعون.

وهذا الشعور في نظر علم النفس يُعد استجابة نفسية طبيعية، ما دام لا يتحول إلى حالة من الإنكار أو الغضب المستمر أو فقدان الثقة بالنفس.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يمر الإنسان بعدة مراحل عند مواجهة النتائج غير المتوقعة، تبدأ بالدهشة، ثم محاولة تفسير ما حدث، وقد تصاحبها مشاعر الإحباط أو لوم الذات أو تحميل المسؤولية للآخرين.

غير أن الشخصية الناضجة في نظري هي التي تنتقل سريعًا إلى مرحلة التقبل، فتتعامل مع النتيجة باعتبارها واقعًا ينبغي فهمه والاستفادة منه، لا سببًا لليأس أو الانسحاب من المشهد تماما.

كيف يتم إدارة هذه المرحلة على صعيد سياسي؟

إن التقبل النفسي لا يعني الاستسلام، بل يعني احترام إرادة الناخبين، والإيمان بأن التجربة الانتخابية والسياسية، سواء انتهت بالفوز أو بعدمه، تمثل رصيدًا مهمًا من الخبرة السياسية والاجتماعية.

فكل حملة انتخابية تمنح صاحبها فرصة لاكتساب مهارات في التواصل، والإقناع، وفهم المجتمع، وإدارة الضغوط، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
فالخاسر اليوم قد يكون فائزًا في تجربة قادمة إذا أحسن قراءة التجربة وطوّر أدواته، بينما الفائز مطالب بأن يكون ممثلًا لجميع المواطنين بروح المسؤولية والتواضع.

ولبلوغ هذه القناعة، يتعين الفصل بين نتيجة الانتخابات وقيمة الشخص؛ فعدم الفوز لا يعني عدم الكفاءة، بل يعني أن معادلة التصويت تتأثر بعوامل متعددة تتجاوز قدرات المترشح وحدها.
وعلى صعيد قيمي، فإن الديمقراطية الحقيقية لا تظهر فقط في صناديق الاقتراع، بل تتجلى أيضًا في احترام نتائجها.

عادة ما يبالغ المترشحون في الاحتفال بفوزهم، انطلاقا من أن الاستحقاق شكل من أشكال التنافس، بالرغم من أن هذا التكليف الشعبي مصحوب بمسؤولية ثقيلة.. ما تفسيرك لهذه الوضعية؟


الاحتفال بالفوز أمر طبيعي لأنه يمثل تتويجًا لجهدٍ انتخابي ومنافسة ديمقراطية، لكن النضج السياسي يقتضي أن يتحول هذا الفرح سريعًا إلى وعي بحجم المسؤولية.

فالفوز ليس نهاية السباق، بل بداية تكليف شعبي يفرض على الفائز العمل بجدية لخدمة الصالح العام، لأن ثقة الناخبين تُحافظ عليها الإنجازات لا مظاهر الاحتفال.

تتحول أحيانا الرغبة في الترشح إلى ما يشبه التهافت والتسابق المحموم للظفر بمقعد برلماني، بما يعطي الانطباع بأن الأمر مغنم أكثر منه تمثيل شعبي، وبما يخلف حالة من الانكسار لدى البعض، لماذا؟ 

يحدث هذا لأن بعض المترشحين ينظرون إلى المقعد بوصفه مكسبًا شخصيًا ومصدرًا للمكانة الاجتماعية والنفوذ أكثر من كونه تكليفًا لخدمة المواطنين.

لذلك تتحول المنافسة إلى صراع على الفوز، ويصبح الإخفاق ضربة للذات والصورة الاجتماعية، فيشعر الخاسر بانكسار نفسي يفوق مجرد خسارة انتخابات.
وأشير هنا إلى أن المترشح الذي يحوّل التجربة إلى فرصة للتقييم والتعلم وتطوير أدواته السياسية والاجتماعية، يكون قد بدأ فعليًا طريق النجاح القادم.

أما من يجعل النتيجة نهاية لمسيرته، فقد منح الهزيمة أثرًا أكبر من حجمها، لأن القادة الحقيقيين لا تصنعهم الانتصارات وحدها، بقدر ما تصنعهم أيضًا الطريقة التي يديرون بها لحظات الإخفاق.

الكثير من المترشحين يعتزلون أو يمتلئون بالغضب من الحاضنة الاجتماعية التي لم تضع ثقتها فيهم، ماذا تقول مقاربات علم النفس الاجتماعي في هذه الحالات؟

وفقًا لمقاربات علم النفس الاجتماعي، فإن شعور بعض المترشحين بالغضب أو الاعتزال بعد الهزيمة يعود إلى ما يُعرف بـ"صدمة التوقعات"؛ إذ يصطدم التصور الذاتي للدعم الشعبي بالنتيجة الفعلية.

وعندما يربط المترشح قيمته الشخصية بنتيجة الانتخابات، تتحول الخسارة إلى إحساس بالرفض الاجتماعي، بينما ينظر إليها الأكثر نضجًا كتغذية راجعة تساعد على مراجعة الأداء لا على معاداة الحاضنة الاجتماعية.