نُورٌ عَلَى نُورٍ

اسلاميات
2 يوليو 2016 () - الدكتور يوسف بلمهدي*
0 قراءة
+ -

قد تكون بعض المصطلحات خداعة مغرية، يقع في شباكها قليلو المعرفة وسطحيو الثقافة، مثل “التنوير” الكلمة التي شغلت مفكرين وفلاسفة، وأسالت من الحبر أودية، واستهلكت من الورق تلالاً وجبالاً، ولستُ هنا بصدد التفصيل والتحليل فلا تسع الصفحة لنقد الحركة التنويرية ما لها وما عليها، حيث ظهرت وازدهرت منذ مطلع القرن الماضي الثامن عشر في أوروبا، أو مصطلح “الإيضاح” في فرنسا.
لكن العجيب أن تتنادى أقلام وتتجند أعلام لتقول إن التدين ظلام، والإيمان به خرافة، والتخلص منه أو التحلل من قيوده تنوير وحرية، ولأن كان بعض هذا ردة فعل على فكر كنيسي مظلم دفن الحجة، واستدبر العقل! حيث تنكرت الكنيسة للعلماء “علماء الطبيعة والحياة” بل حاكمتهم وأعدمتهم، وأحرقت كتبهم ومؤلفاتهم واعتبرت الإيمان نقيض العقل حتى شاع عندهم “اعتقد ولا تنتقد”، فتعالت أصوات متحررة تريد فصل الدين عن الحياة، وكان لهم ذلك بعد حروب طاحنة ومعارك فكرية ساخنة، فكيف يُقال هذا في الإسلام ويعمم عليه هذا المصطلح؟!
الإسلام نورٌ في حد ذاته، وعباداته كلها نور، “الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء”، وكلها كواكب زاهرة وأقمار باهرة، والعلم الذي تطلب به أحكامه نوره، قال وكيع: “إن علم الله نور، ونور الله لا يؤتاه عاصي”، بل ليس المقصود كثرة الحفظ والسرد، بل هي إشراقات المقاصد، وأنوار المآلات تستقر في قلب صاحبه وعقله فيهتدي، وليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب من عباده، بل إن نور العلم والحكمة يفتح القلوب قبل الألفاظ والعبارات.
قال ابن عطاء الله السكندري: “تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث كان التنوير وصل التعبير”، وإذا وصل التعبير تحقق التغيير: {إِنَ اللهَ لا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَى يُغَيِرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد:11، {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} النور:35، ومن كان خارج الوحي بعيدًا عن الدين الصحيح فهو في ظلمات ليس بخارج منها، وإن حمل شعار التنوير!

 

إمام وأستاذ بجامعة المسيلة*

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول