الدكتور برايك: التديُّن مفهوم حساس ولا يجوز تبسيطه

اسلاميات
3 يونيو 2017 () - حاوره: ب. وسيم
0 قراءة
+ -

يرى الدكتور الطاهر برايك، أستاذ محاضر بجامعة الأغواط، أنّ أوجه التديُّن كثيرة في بلادنا، إلاّ أنّ التّراجع هو في الدّوام والبقاء عليها بعد شهر رمضان، مشيرًا في حوار مع ”الخبر” إلى أنّ عمر الإنسان ساعة بين يدي الله تعالى.

 هل تلاحظون تراجعًا في التديُّن في رمضان بالجزائر؟

 التديُّن لفظ يطلق في غالب الأحوال على تعلّق عقيدي وتوجّه فكري بالدّين من حيث فهمه وإدراك حدوده وأحكامه، وهو الأمر الّذي نجدّد الدّعوة إليه لتحقيق سلامة الدِّين وتأسيسه على المرجعية الجزائرية الصّحيحة عقيدة وفقهًا وسلوكًا. غير أنّ ما ينبغي أن يكون محل الاهتمام والنّظر هو الوجه السّلوكي للتديّن لاسيما في شهر رمضان المبارك، وذلك من ناحية الوصول إلى المقصود من فرض الصّيام في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وهو حسن العلاقة مع الله تعالى في صدق التوجّه إليه من خلال معاملة الخَلق بالمعاملة الحسنة الّتي كان عليها سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ولا يخفى ما يُرَى من المناظر الحميدة والمشاهد المحمودة من النّاس في بلدنا الجزائر من الإقبال على التّراويح والقيام والعمرات والصّدقات وأوجه التّكافل والإطعام لعابري السّبيل وإدخال السّرور على الأيتام والمسارعة إلى بناء المساجد والمرافق الخدماتية وتزويدها وعمارتها وغير ذلك من أوجه البرّ والإحسان والخير.
وعليه فإنّنا نلمس كثيرًا من أوجه التديّن في بلدنا على غرار كثير من البلدان الإسلامية، لكن التّراجع الّذي أشرتم إليه ليسَ حاصلاً في وجوده وإنّما في دوامه وبقائه بعد شهر رمضان المعظم، وهو تراجع في حقيقته وترتيب الأولويات فيه، كما أنّ مفهوم التديّن مفهوم حسّاس ولا يجوز اختزاله ولا تبسيطه في ربطه بجانب أو مظهر من مظاهر الشّرع وإغفال بقية الجوانب المندرجة تحته وجوبًا وليس متحقّقًا في مناسبة كرمضان أو غيره، ولذلك لمّا غاب التصوّر الشّمولي لمفهوم التديّن في الجزائر صار يُطلَق مدلوله على نوع معيّن من النّاس دون أن يخضع لاعتبارات متنوعة ومتداخلة تتفاعل فيما بينها لتشکّل المفهوم الصّحيح للتديّن.
منذ اليوم الأول للشّهر الفضيل تبدأ معظم القنوات الفضائية ببث برامج وأفلام ومسلسلات، ممّا يجعل الكثير من المسلمين يخصّصون وقتهم لمشاهدتها فتضيع هيبة وأهمية الشّهر الكريم، عوض أن تضع برنامج تعبّدي للصّائم، فما نصيحتكم للمشاهد الجزائري؟
 هناك الكثير من الدّعوات في كثير من المنابر الدّينية والتّربوية والّتي تنادي بالتّوجيه الحسن للإعلام المرئي، خاصة في كلّ وقت لاسيما في هذا الشّهر المعظم، ولكن يا ليتنا والنّاصحين نادينا حيًّا ولكن لا حياة لمَن تنادي، بل إنّ الأمر يزداد تفحّشًا وخروجًا عن حدود الحُرمة والقدسية الرمضانية، فبدل أن تعمّم البرامج الدّينية والتّربوية والتثقيفية والتّرويحية البريئة نجد ما يقابلها بما قد يهدم ذلك كلّه أو يدعو إلى الغفلة عن المطلوب من العبادة ومضاعفة التقرّب إلى أبواب مرضاة الله تعالى في هذا الشّهر الكريم. وقد أحسنتم توجيه السّؤال بالنّصيحة للمشاهد في هذا المقام، وهو ما يكون فرصة سانحة للتّذكير بأنّ عمر الإنسان على امتداده إنّما هو ساعة بين يدي الله تعالى في حسن العمل والأداء للواجبات وترك المنكرات وحسن الظنّ بالله عزّ وجلّ والرّجاء فيه والشّوق إليه بكامل التعلّق والتمسّك بهدي سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو المطلوب بشكل مضاعف في شهر رمضان بالحرص على اجتناب كلّ ما يكدر صفو العبادة وقراءة القرآن والذِّكر والتدبُّر والتفكُّر والبُعد عن كلّ ما يحجب الإنسان عن التزوُّد من رحيق رمضان قبل انسلاخه والنّهل من موارد حلاوة الثّواب والقُرب فيه قبل انصرامه، واختيار القنوات الهادفة والبرامج المفيدة الّتي تُعين على ذلك كلّه، على بساط التّعظيم لهذه النّصيحة لقوله تعالى {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ}.
كيف يجب أن يكون تعاطي الأسرة تجاه هذه الظاهرة الّتي تتجدّد كلّ عام؟ وهل تقترحون للقارئ الكريم خطوات عملية للعبادة في شهر رمضان؟
 في هذا السياق يحضرني حديث سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ”إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي”، وعليه فكلّما تجدّدَت مظاهر التّشويش على المسلمين في نفحات الله تعالى عليهم في هذا الشّهر الكريم بسبيل يقطعهم عمّه مثل هذه البرامج الهادمة، إلاّ وينبغي تجديد العهد مع الله تعالى بالتّوبة والإنابة وكثرة الاستغفار وإسباغ الوضوء وتوالي النّوافل والطّاعات. وجامع ذلك كلّه أن يعرف المسلم مناط راحته مع الله عزّ وجلّ، فإذا وجد الغفلة في موضع ما حاد عنه إلى مواطن التّذكير بالله تعالى كصُحبة الصّالحين والذّاكرين وحملة القرآن العظيم ومجالسة الفقراء والأيتام والمساكين لترقيق القلوب وملازمة الصّلوات المكتوبة في المساجد والإكثار من قراءة القرآن العظيم.
وضرب لهذا المنحى مثالاً عمليًا مجرّبًا وهو ما يجده كثير من النّاس من هجران وغفلة عن القرآن العظيم، فإذا مَنَّ الله تعالى على الواحد بحجّة أو عمرة فإنّ من المتسارع إليه والمتنافس فيه الإكثار من الختمات للقرآن الكريم من منطلق التفرّغ والتعرّض لهذه النّفحة من الحجّ أو العمرة، وهو ما ينطبق على شهر رمضان المعظّم، فإذا كان الواحد يختم القرآن عند ذهابه ووروده البقاع المقدسة فهاهو رمضان يأتي إليه بلا عناء ولا مشقّة ولا ترحال، وفي هذا يقول سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ”إنّ لربّكم في أيّام دهركم لنفحات ألاَ فتعرضوا لها عسى الله أن يصيب أحدكم بنفحة لا يشقى بعدها أبدًا”.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول