في استقبال السنة الجديدة

اسلاميات
7 يناير 2018 () - الدكتور عبد الحق حميش*
0 قراءة
+ -

استقبلنا قبل أيّام عاما ميلاديا جديدا وودّعنا عامًا آخر، عام من أعمارنا قد تصرّمت أيّامه وقوّضت خيامه، غابت شمسه واضمحلّ هلاله، عام حوَى بين جنبيه حِكمًا وعبرًا وأحداثًا وعِظات، كم شقيَ فيه من أناس، وكم سعد فيه آخرون، كم من طفل قد تيتّم، وكم من امرأة قد ترمّلت، دار تفرح بمولود، وأخرى تعزَّى بمفقود، آلام تنقلب أفراحًا، وأفراح تنقلب أتراحًا، أيّام تمرّ على أصحابها كالأعوام، وأعوام تمرّ على أصحابها كالأيّام.

 نستقبل سنةً جديدة تحمل معها أملاً جديدًا بمستقبلٍ يملؤه النّجاح والتقدّم، وأيّام آتية ترفرف بتفاؤل وإصرار، تطوي كلّ ما خلفها من آلامٍ وفشل، فننظر لها بعينٍ مشرقة متلألئة بأنّ الآتي أجمل. نطوي صفحة العام بكلّ ما فيه، الحلوّ والمرّ حتّى السّعادة والحزن، نلملم أشياءه، نجمعها ونتركها هناك في زوايا الذّاكرة، نستعد لعام أفضل مملوء بالأعمال والإنجازات، ونودّع عاما لنستقبل باقي العمر.
إنّ تعاقب الشّهور والأعوام على العبد قد يكون نعمة له أو نقمة عليه، فطول العمر ليس نعمة بحدّ ذاته، فإن طال عمر العبد ولم يُعمّره بالخير فإنّما هو يستكثر من حجَج الله تعالى عليه. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “خيرُ النّاس مَن طال عمره وحسن عمله، وشرّ النّاس من طال عمره وساء عمله”.
ومع بداية عام جديد يحسُن التّذكير في أن يكون لنا منهجٌ رشيد وخطوات مدروسة، فيما يتعيّن علينا فعله ونحن نستقبل هذا العام الجديد، فاستقبال الأمّة لعام جديد هو بمجرّده قضية لا يستهان بها.. وإنّ من أعظم الغفلة أن يعلم الإنسان أنّه يسير في هذه الحياة إلى أجله، ينقص عمره، وتدنو نهايته، وهو مع ذلك لا يحتسب ليوم الحساب، ولا يتجهّز ليوم المعاد، يُؤمِّل أن يعمر عمر نوح، وأمر الله يطرق كلّ ليلة.
وإنّ رحيل الأيّام والأعوام ذكرى وموعظة لقلوب المؤمنين أنّ هذه الدّنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، فكم من عامر عمّا قليل يخرب، وكم من مقيم عما قليل يرحل. فالرّكون إلى الدّنيا خطير، والثّقة بها غرور، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدَر، والمرء منها على خطَر، ماهي إلاّ أيّام معدودة وآجال مكتوبة وأنفاس محدودة وأعمال مشهودة، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرّت أيّامًا ساءت أشهرًا وأعوامًا، يقول تعالى: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}، جعل الله ما على الدّنيا من أموال وأولاد وغيرها فتنة للنّاس ليبلوهم أيُّهم أحسنُ عمَلاً، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
لقد مرّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على شاة ميّتة، فقال لأصحابه: “أترون هذه الشّاة هيّنة على أهلها؟” قالوا: من هوانها ألقوها، قال: “والّذي نفسي بيده، للدّنيا أهون على الله من هذه الشّاة على أهلها، ولو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء”. وكان المصطفى صلّى الله عليه وسلّم يتخوّف الدّنيا على أصحابه أن تبسَط عليهم كما بسطت على من كان قبلهم، فيُنافسوها كما تنافسها القوم، فتهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم.
كم رأينا في هذه الحياة مَن بنَى وسكَن غيرُه، وجمع وأكل وارثه، وتعب واستراح من بعدَه. دخل أبو الدّرداء رضي الله عنه الشّام فقال: “يا أهل الشام، اسمعوا قول أخٍ ناصح”، فاجتمعوا عليه فقال: “ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون؟! إنّ الّذين كانوا من قبلكم بنوا مشيّدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا مثيرًا، فأصبح أملهم غرورًا وجمعهم ثبورًا ومساكنهم قبورًا”.
ألاَ فعلينا أن نغتَنِم أوقاتنا وفُرَصَ حياتنا للعمل بما نجده مُدَّخرًا لنا، وعَظ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلًا فقال: “اغتَنِم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرَمِك، وصحَّتك قبل سَقمك، وغِناك قبل فَقرِك، وفَراغَك قبل شُغلِك، وحياتك قبل مَوتِك”، ويقول الحسن البصري: “يا ابن آدم إنّما أنتَ أيّام مجموعة كلّما ذهب يومك ذهب بعضك”. فالوقت هو الحياة، فمَن استغلّه فإنّما استغلّ حياته، ومَن فرّط فيه فهو لِمَا سواه أضيع.
أخي الكريم.. ابتَسِم للحياة، واستنشق عبير التّفاؤل، وابدأ عامك متحرّرًا من الكآبة والسّآمة، وتوشّح وِشاح العزم والأمل، واسْمُ بنَفْسِك عاليًا، ولا تقطع الأمل بربّك فإنّ بيده مقاليد الأمور كلّها. نسأل الله تعالى أن يجعل العام القادم عام خير وبركة، ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين، وعام أمن وأمان وعدل وسلام للإنسانية قاطبة، وأن يجمع فيه كلمة المسلمين على الحقّ والهدى، ويُوحِّد صفوفهم، ويُطهِّر مقدّساتهم، وينصرهم على أعدائهم، وأن يجعل حاضرنا خيرًا من ماضينا، ومستقبلنا خيرًا من حاضرنا، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول.
* كلية الدراسات الإسلامية/ قطر

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول