الجزائر دون "لوبيات" في الخارج

أخبار الوطن
3 فبراير 2018 () - محمد سيدمو
مقر وزارة الشؤةن الخارجية / الصورة: رشيد تيقناتين "الخبر"
0 قراءة
+ -

تعاني الجزائر من غياب لافت للتأثير في الدول الكبرى والمؤسسات الدولية، نتيجة ضعفها عن إيجاد وتفعيل جماعات ضغط ونفوذ تدافع عن مواقفها وسياساتها وتصنع لها حضورا واسما في العواصم التي تطبخ فيها السياسات الدولية، وذلك على الرغم من تمتع الجزائر من حيث موقعها ومساحتها وتاريخها وقدراتها الاقتصادية بكل مقومات النشاط.

على استحياء، تحاول الجزائر أن تبني لها مدافعين عن مصالحها في العواصم العالمية، من خلال أساليب مختلفة، إلا أن ثمار هذه السياسة تبقى محتشمة بالمقارنة مع دول مجاورة تبدو أكثر بروزا في مثل هذه الفضاءات، ربما لحداثة عهد الجزائر بالأساليب الجديدة في "اللوبيينغ" بعد سنوات من العزلة المفروضة عليها، بالإضافة إلى عدم تخلصها من الصورة المنطبعة عليها كدولة تتبنى في عملها الدبلوماسي منطلقات تنتمي إلى الزمن الاشتراكي الذي لم يعد موجودا اليوم.

 

لجان الصداقة

 

ومع أن البرلمان يُفترض فيه أن يمارس دورا دبلوماسيا مدافعا عن موقف البلد ومروجا للوجهة الجزائرية، إلا أن لجان الصداقة البرلمانية الجزائرية مع باقي الدول، والتي تقارب حاليا 54 لجنة، يبقى عملها محدودا جدا في هذا المجال، إذ غالبا ما تستعمل فقط كوسيلة من قبل النواب للحصول على مهمات للخارج في إطار الامتيازات الممنوحة لهم. ويشير برلمانيون إلى أن ثمة لجنتين فقط يبدو عملهما ظاهرا، هما لجنة الصداقة الجزائرية الفرنسية ولجنة الصداقة الجزائرية الصحراوية، وذلك بسبب طبيعة العلاقات بين هذين البلدين والحراك السياسي الكثيف معهما. ورغم هذه الحصيلة، إلا أن تنصيب لجان الصداقة ماض، حيث يجري التخطيط على مستوى المجلس الشعبي الوطني لإنشاء 23 مجموعة صداقة برلمانية جديدة، زيادة عن 54 لجنة صداقة برلمانية حالية. وتنخرط هذه الفكرة، بحسب عبد الحميد سي عفيف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية، في إطار فتح آفاق جديدة للدبلوماسية البرلمانية وتكثيف التبادل خاصة مع الدول الإفريقية.

 

أمريكا

 

وتنشر مواقع متخصصة، من حين لآخر، تقارير عما تدفعه الجزائر، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأكثر جذبا للدول التي تبحث لها عن مساحات نفوذ. وفي هذا الصدد، كشف موقع "آل مونيتور" المتخصص في الشؤون الديبلوماسية، عن دفع الجزائر 420 ألف دولار في سنة 2015، للمكتب الأمريكي "فولاي هواج" المعروف بتقديم خدماته في مجال تشكيل جماعات الضغط والنفوذ. ومن الأهداف التي سطرتها الجزائر، من خلال إيجاد لوبي لها في أمريكا، المراهنة على ضمان دعم الولايات المتحدة ودعم مواقفها في القضايا التي تساندها الجزائر، مثل تقرير المصير في الصحراء الغربية، عكس الأطروحة المغربية التي تطالب بالحكم الذاتي للصحراء تحت سيادته.

كما كشف الصراع المحموم الذي كان بين المرشحين للرئاسيات الأمريكية هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، أن الجزائر كانت تدفع لمؤسسة "كلينتون" ذات الأغراض الخيرية، وبلغ مجموع ما منحته حوالي نصف مليون دولار. وكان دافع الجزائر في ذلك أن تقترب من عائلة كلينتون ذات النفوذ القوي في الولايات المتحدة، والتي كانت تتأهب للعودة إلى البيت الأبيض، لولا المفاجأة التي تحققت بوصول المترشح دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة. وتاريخيا، تمتعت الجزائر بعلاقة قوية مع عائلة "كينيدي" صاحبة النفوذ أيضا، حيث كان الرئيس جون كيندي أول المهنئين باستقلال الجزائر، وبقيت شخصيات من هذه العائلة لحد الآن مرتبطة بالجزائر، مثلما فعلت كارولين كينيدي سفيرة أمريكا في اليابان السنة الماضية، عندما وجهت رسالة مرئية للجزائريين تهنئهم فيها بعيد الاستقلال، لكن هذه العلاقات بقيت عاطفية وشخصية أكثر منها مفيدة للجزائر على صعيد دعم ديبلوماسيتها الخارجية، سواء بشقيها البرلماني أو الوزاري.

 

فرنسا وإفريقيا

 

وفي فرنسا، البلد الآخر الذي يهم الجزائر أن يكون لها نفوذ فيه، يتم دفع ما بين 2 إلى 4 ملايين أورو سنويا لمسجد باريس باعتراف سفيرها السابق بباريس، عمار بن جامع، خلال الاستماع له من قبل لجنة برلمانية تابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي سنة 2016. ومعروف عن هذا المسجد تأطيره للجالية الإسلامية في فرنسا، حيث يشكل إحدى أهم الروافد الدينية الواقعة تحت النفوذ الجزائري، في منافسة باقي المواقع التي يسيطر عليها المغاربة والأتراك بقوة أيضا. وتبحث الجزائر في هذا البلد، على غرار الجالية الكبيرة والإنتاج الثقافي والارتباط في مسائل الذاكرة، عن استثمار ما تملكه من مزايا من أجل أن تؤثر في السياسات الفرنسية تجاهها، إلا أن ذلك يبقى ضعيفا بالنظر إلى حجم العلاقات بين البلدين.

وفي هذا السياق، أوضح مصدر ديبلوماسي جزائري، في تصريح لـ"الخبر"، أن وزارة الخارجية والنواب الجزائريين والمنتخبين عموما يضيعون فرصة كبيرة في التواصل مع حوالي 440 منتخب في فرنسا أصولهم جزائرية، لأن هؤلاء في حال كونوا لوبي جزائريا فإنه بإمكانهم التأثير على القرارات الفرنسية وتوجيه استثمارات قوية لصالح الجزائر. وينطبق الأمر نفسه، وفق المصدر، على العلاقات الجزائرية الإفريقية، فالجزائر قامت بتكوين وتعليم آلاف الأفارقة منذ سنوات الاستقلال الأولى، إلا أنها فقدت الاتصال مع هؤلاء بعد عودتهم إلى بلدانهم، وكان يمكن استغلال العلاقات الوطيدة التي بنوها مع الجزائر في تشكيل لوبي جزائري في معظم الدول الإفريقية الفرانكوفونية في إطار هرولة الجميع نحو الاستثمار في إفريقيا التي تعد قارة المستقبل في هذا الجانب.

 

الاتحاد الأوروبي

 

وعلى الرغم من التبادل البرلماني الكثيف بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، تعد الجزائر من أضعف الدول حضورا في مقر هذا الاتحاد ببروكسل، كما يشير إلى ذلك نائب أوروبي، تحدث لـ"الخبر"، وذلك في معرض مقارنته بين الجزائر والمغرب على صعيد الاقتراب من النواب الأوروبيين والتأثير عليهم في قرارات التصويت. ويستعمل المغرب العديد من الأساليب، على غرار استعمال ورقة السياحة والشهرة التي يحظى بها عالميا في هذا المجال، بالإضافة إلى تنظيم الحفلات والندوات، والاستغلال الأمثل لنواب الدول التي يرتبط بها المغرب كثيرا على غرار إسبانيا وفرنسا، الذين يشكلون نواة اللوبي الخاص به في الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن انخراطه التام في كل المشاريع التي يطرحها الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي لا تتجاوب معه الجزائر دائما لاعتباراتها "السيادية". ويعمل المغرب، من خلال ذلك، على الدفاع عن مواقفه بخصوص الصحراء الغربية، ومحاربة كل القرارات التي تتخذها هيئات أوروبية ضد استغلاله لثروات المناطق الصحراوية، أو مهاجمته فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان في هذه المناطق.

 

العقلية الأمنية

 

ويكمن إشكال ضعف الجزائر عن التواصل مع العالم، في جانب منه، وفق مختصين هذا المجال، إلى عقلية بعض المسؤولين والنواب الذين ينظرون إلى علاقاتهم مع الشخصيات الأجنبية الوازنة، سواء في الدول الأوروبية الهامة أو أمريكا أو دول الخليج أو إفريقيا أو الصين، نظرة شخصية، في حين أن الواجب هو في كيفية استغلالها لتكون في خدمة مصالح الجزائر. فضلا عن أن المسؤولين الجزائريين متشبعون كثيرا بالعقلية الأمنية التي تنعكس على نظرتهم المتوجسة في كل ما يتعلق بالتواصل مع الخارج، أو إيجاد موطئ قدم في الدول الكبرى.

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول