هذا ما جناه الغرب على ليبيا

روبورتاجات
29 يناير 2015 () - ليبيا: مبعوث “الخبر” مصطفى دالع
0 قراءة
+ -

 كان الدخول إلى طرابلس برا عبر معبر راس جدير مع تونس، الأضمن والأقل تكلفة وإن كان شاقا، أخذت الخريطة ووجدت أن مطار جزيرة جربة التونسية هو أقرب مطار دولي إلى الحدود التونسية الليبية، وكنت أتتبع بالتفصيل الأخبار المتعلقة بالقتال والاشتباكات والقصف الجوي في منطقة راس جدير وبوكماش وزوارة، والتي من المفترض أن أمر عليها عبر الطريق الساحلي إلى العاصمة طرابلس.
ولحسن الحظ، توقفت المعارك والقصف الجوي بعد سيطرة قوات “فجر ليبيا” والجيش الموالي لحكومة الإنقاذ في طرابلس على كامل الطريق الساحلي.
بن قردان: منصة تصدير تونسية نحو ليبيا
في الطريق إلى بن قردان التي تعد أقرب مدينة تونسية إلى الحدود الليبية، تذكرت قصة القبض على البطل الجزائري مصطفى بن بولعيد، في 1955 عندما كان متجها برا إلى ليبيا لجلب السلاح لصالح الثورة، وفي مدينة بن قردان تم توقيفه ومطاردته ليلا حيث تاه في الصحراء قبل أن يكتشفه “المصابحية” (فرسان تونسيون موالون للجيش الفرنسي) في صباح ذلك اليوم وألقوا عليه القبض مع أحد رفاقه، بعد أن شجوا أنفه.
والتهريب بين بن قردان وليبيا نشط بشكل كثيف ليلا ونهارا، وأعداد محلات بيع الجملة لا تكاد تحصى، كل شيء جاهز للتصدير أو بالأحرى للتهريب إلى غرب ليبيا، الذي يعاني من شبه حصار دولي غير معلن، وعلى طول الطريق من بن قردان إلى معبر راس جدير تجد محلات تجارية مكتوب عليها صراف، وهنا يتم صرف الدينار التونسي بالدينار الليبي وكأنهما عملة صعبة. وتعيش آلاف العائلات في بن قردان من التجارة والتهريب مع الليبيين الذين يزورون تونس للعلاج خاصة، وبأعداد كبيرة، أحد التجار التونسيين قال لنا: “نحن لا نحب الرئيس الذي يريد غلق الحدود مع ليبيا، وإذا فعل قائد السبسي ذلك فلن نسكت”.
وقريبا من معبر راس جدير اكتشفت لأول مرة أن هناك أقواما من “البدون” يعيشون في تونس، على غرار ما هو موجود في الكويت، وأخبرني السائق أن هؤلاء اللاجئين الأفارقة بدون هوية، وكانوا يعيشون في ليبيا، وبعد الثورة على القذافي نزحوا إلى تونس، حيث يعيشون في أكواخ بمناطق تفتقد للكثير من الخدمات التي تحفظ آدميتهم.
الفساد في معبر راس جدير
الإجراءات في معبر راس جدير من الطرف التونسي مشددة، والتأشيرة ضرورية لدخول ليبيا، لكن الأمور تتم بسلاسة ويسر وفي أقل وقت ممكن في البوابة التونسية، لكن ما إن اقتربت من البوابة الليبية حتى ناداني شاب صغير السن وبلباس مدني، وطلب مني استظهار جواز سفري، طلبت منه التعريف بنفسه، فقال لي إنه موظف أمني في البوابة الليبية، ولما علم أنني صحفي جزائري، أبدى فرحه وكأنه يعرفني، وعرفني باسمه وعرض علي المساعدة.
غير أن ما فاجأني هو الطابور الطويل للتونسيين الذين يرغبون في دخول ليبيا، الكل منزعج وساخط من بطء الإجراءات، والبعض يقول إنه منذ ثلاث ساعات وهو ينتظر دوره، وما أدهشني أكثر هو اقتراب مجموعة من السائقين غير الشرعيين إلى منطقة حساسة في البوابة، يفترض ألا يتواجد فيها إلا الموظفون أو رجال الأمن والجمارك، ورغم أن أحد الموظفين ترجاهم أن يغادروا، إلا أنهم لم يستجيبوا، بل أكثر من ذلك كانوا يعرضون على المسافرين الذين ضاقوا ذرعا من الانتظار أن يسهلوا لهم دخول ليبيا مقابل 30 دينارا ليبيا، ونقلهم إلى العاصمة طرابلس أو إلى مدينة زوارة القريبة.
سخط كبير لاحظناه لدى المسافرون التونسيين الذين غالبيتهم من التجار أو العاملين في ليبيا، وبعضهم اضطر لدفع 30 دينارا رغم أن هناك سيارات تنتظرهم في الجانب الليبي، كان هؤلاء السائقون غير الشرعيين متواطئين بشكل مباشر مع بعض الموظفين الفاسدين في المعبر.
وبعدما طال بي الانتظار، أخبرني أحد الشباب التونسي أنه بما أنني جزائري فيمكنني الدخول مباشرة دون انتظار دوري في الطابور الذي بدا وكأنه لا يتقدم سنتيمترا واحدا، إلا لمن يدفع للموظفين الفاسدين وشركائهم. وفعلا تقدمت من مكتب الأختام، فاستوقفني أحد الشباب الليبيين، وحاول إقناعي بأن تأشيرتي منتهية الصلاحية وأنها لا تتضمن الدخول والخروج، وبذلت مجهودا ليس بالبسيط لإقناعه بأن تأشيرتي حديثة وأن التاريخ المدون عليها هو تاريخ الإصدار وليس تاريخ انتهاء الصلاحية.
أخذ الشاب الليبي، الذي لا أدري ما وظيفته، جواز سفري إلى أحد الموظفين ووضع عليه ختم الدخول، ثم عاد إلي وسلمني الجواز، وطلب مني أن أحصل على تأشيرة خروج قبل مغادرة ليبيا، وهو ما لم أسمع به في أي بلد زرته، ولكني فضلت عدم مجادلته هذه المرة، المهم أنني ختمت جواز سفري دون أن أنتظر مدة طويلة في الطابور.

وعندما هممت بمغادرة المعبر طلب مني ذلك الشاب ما أسماه “حقوق الختم”، وهو مبلغ أكبر حتى من الذي يطلبونه من التونسيين، فرفضت في البداية وتجادلت معهم دون جدوى، ثم أرسل لي شخصا آخر لابتزازي من أجل دفع “رسم وهمي”، مقابل السماح لي بالدخول، واضطررت في النهاية إلى دفع المبلغ، دون أن يمنحوني وصل استلام.
لكني عرضت بعد ذلك هذه القضية على مسؤولين كبار في الحكومة الليبية وفي الجيش الليبي، وأكد لي رئيس المجلس الأعلى للداخلية، الوزير محمد رمضان البرغثي، أنه يجهز قوة أمنية للسيطرة بالكامل على المعبر، كما أنه سيستبدل الموظفين الذين طال عملهم في المعبر، أما قيادة الأركان فقامت بتعويضي عن المبلغ الذي أخذ مني بشكل غير قانوني، على أساس أن المعبر يقع أيضا تحت مسؤوليتها.
الطريق الساحلي إلى طرابلس آمن
كنت أتوقع أن أجد اشتباكات أو قصفا جويا في المناطق الساخنة على الطريق الساحلي، لكن معبر راس جدير الذي وقعت فيه اشتباكات عنيفة وكاد جيش القبائل الموالي لحفتر أن يستولي عليه، أصبح آمنا بالكامل، ولا شيء يوحي بأن هذا الطريق شهد قبل أيام أو أسابيع معارك دامية، اضطرت السلطات التونسية إلى إغلاقه لفترة قصيرة.
الشيء الوحيد الذي كان لافتا للانتباه هو كثرة الحواجز الأمنية لمجموعات عسكرية تابعة لثوار زوارة الأمازيغ الموالين لعملية “فجر ليبيا” وحكومة عمر الحاسي في طرابلس، والأعلام الأمازيغية المرفوعة على الأعمدة والبنايات إلى جانب العلم الليبي، من بوابة راس جدير إلى غاية مدينة زلطن، على طول نحو 30 كلم، كلها أعلام أمازيغية، وكأنك في منطقة تعيش حكما ذاتيا، على غرار كردستان العراق، فالأمازيغ في ليبيا يقدرون بنحو 2 بالمائة من عدد السكان البالغ عددهم 6 ملايين نسمة، ولكنهم ينتشرون في منطقة زوارة بالقرب من الحدود التونسية، وفي جبل نفوسة في الوسط الغربي، حيث تقع عدة بلدات أمازيغية جبلية مثل جادو، ونالوت، بالإضافة إلى التوارڤ في الجنوب الغربي.
ومباشرة بعد دخولنا إلى مدينة صبراتة، وهي أكبر المدن بغرب طرابلس، تقلصت المظاهر المسلحة والحواجز العسكرية، بل تجد المدينة تعج بالسيارات والمارة والمحلات مفتوحة، وبعضها يحمل اسم مدينة “وهران” عاصمة الغرب الجزائري، ما يوحي بأن الجزائريين مروا من هنا، لكن ما يشد الانتباه هو زحمة المرور، ورغم أن الطريق الساحلي إستراتيجي بالنسبة لهذا البلد البترولي، إلا أنه ضيق وغير مزدوج، كما لاحظت قلة عدد شرطة المرور، وحتى الإشارات المرورية والضوئية قليلة بل نادرة، وأحد التجاوزات الخطيرة كاد يودي بحياتنا، فرغم أن عدد سكان ليبيا قليل إلا أن حوادث المرور تفتك بـ2000 إلى 2500 شخص سنويا، مقارنة بالجزائر التي يفوق عدد سكانها سكان ليبيا بنحو ست مرات ونصف، إلا أن عدد قتلى حوادث المرور في الجزائر ضعف ضحايا المرور في ليبيا.
وتقع في جنوب مدينة صبراتة قاعدة الوطية الجوية التي يتحصن بها جيش القبائل وكتائب الزنتان، وتحاصرها قوات “فجر ليبيا” منذ أشهر دون أن تتمكن من السيطرة عليها، غير أن الملاحظ أن مدن غرب طرابلس إجمالا ليس بها عمران كثيف أو عمارات شاهقة كما هو حال المدن الحديثة.
ومع وصولنا إلى مدينة الزاوية التي كانت من أول المدن في غرب طرابلس التي ثارت على القذافي قبل أن تقتحمها قواته مخلفة عددا كبيرا من القتلى والجرحى والسجناء، لم يبق لنا الكثير للوصول إلى مدينة جنزور التي تمثل الضاحية الغربية لطرابلس الكبرى، والمشهورة بكتيبة فرسان جنزور، إحدى أشهر الكتائب الموالية ـ”فجر ليبيا” والتي تعرضت هي الأخرى لقصف شديد خلال معركة مطار طرابلس.
الهدوء الحذر
عروس البحر، هو اللقب الذي حملته طرابلس لعقود، وروى لي أكثر من ليبي قصة أمير دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد، رحمه الله، الذي زار طرابلس في الستينات، وقال للملك السنوسي الذي كان يحكم ليبيا قبل انقلاب العقيد معمر القذافي: “أتمنى أن تكون دبي مثل عروس البحر (طرابلس)”، ويتحسر الليبيون على ما آلت إليه عروس البحر مقارنة بدبي التي فاقت جمالا حتى المدن الأوروبية. وروى لي أحد الشباب الليبيين عن كاتب مصري لم أتذكره، زار معظم مدن البحر المتوسط، وأكد أن طرابلس أنظف مدينة في المتوسط.
قبل أن تدخل طرابلس، يخيل لك أنك داخل إلى ميدان حرب ودمار، لكن سرعان ما تصدمك الحقيقة التي لا تخطر على بال، فطرابلس رغم كل الجراح لازالت تحتفظ بقدر ليس بالقليل من الجمال، ففيها عمران وطرق سيارة، ومراكز أعمال ومراكز تجارية، وفنادق فخمة وراقية، وأحياء تراثية تكشف أسرار حضارات شرقية وغربية مرت من هنا، وشرطة المرور بلباس رسمي في العديد من مفترقات الطرق، ولولا تلك البنايات المدمرة أو التي عليها آثار القصف أو رشقات الرصاص، لما شعرت بأنك في مدينة شهدت قصفا عنيفا بطائرات الناتو زمن القذافي، واشتباكات بالدبابات والصواريخ خلال معركة المطار في صائفة 2014.
ولكن شعورا بالحذر كان يراودني في كل لحظة، فالكثير من التونسيين الذين التقيتهم خارج ليبيا وداخلها، حذروني من دخولها، وحاولوا إقناعي بالعدول عن فكرة زيارتها، بل فيهم من ألح عليّ بالخروج منها في أسرع وقت ممكن، فبالنسبة لهم ليبيا ليست بلد أمان، قطاع الطرق يعيثون فيها فسادا خاصة ليلا، وحتى هم لا يجرؤون على السير ليلا على الطريق الساحلي بين راس جدير وطرابلس، حيث تعرض العديد منهم لاعتداءات، بل فيهم من اختطف، على غرار الصحافيين التونسيين اللذين اختطفا بأجدابيا في شرق ليبيا، وشقيقين آخرين اختطفا واضطر والدهما لدفع فدية بـ20 مليون سنتيم (بالدينار التونسي).
قصص كثيرة تروى عن انتشار السلاح في ليبيا، وعن استعمال بعض الليبيين للدبابات والمدافع في الخلافات البسيطة بين الجيران، ولكن للأمانة، لم أر طيلة مكوثي في طرابلس لنحو أسبوع مدنيين يحملون السلاح، أو دبابات منتشرة في الشوارع، باستثناء قوات الجيش والأمن المتمركزة خاصة في البنايات الرسمية الحساسة مثل وزارة الداخلية ومقر المؤتمر الوطني العام، وهي عبارة عن سيارات “لاند كروزر” مجهزة بمدافع رشاشة.
تكاد لا تصدق أنك في طرابلس، مدينة الحرب التي ليس فيها لا اشتباكات، لا مظاهر مسلحة بشكل كبير، لا قصف جوي، يوميات الناس تبدو عادية، كثافة مرورية، والناس تسهر في الليل، والأطفال في ميدان الشهداء يلعبون ويمرحون، والأسواق عامرة بالنساء والرجال، والمدارس والجامعات فاتحة أبوابها للتلاميذ والطلبة، ولولا بعض الاختراقات الأمنية من حين لآخر، وقصص تسمعها ولا تراها عن قطاع الطرق ليلا، لقلت إن طرابلس مدينة آمنة.
وقد تجولت ليلا عدة مرات برفقة ليبيين أو منفردا، راجلا أو في سيارة، وحتى بعد منتصف الليل كانت هناك حركة سيارات، وتفاجأ عندما تشاهد ألعابا نارية في بلد لا تكاد تفرق بينها وبين طلقات الرصاص.
الحياة لم تتوقف في طرابلس رغم رسل الموت التي تزور المدينة في غفلة من أهلها لتخطف براءتهم، طرابلس اليوم تذكرني بالجزائر قبل 15 سنة، الناس تعيش حياتها بشكل طبيعي رغم التفجيرات التي تحدث من حين لآخر وانتشار الجريمة في أحياء المدن الكبرى، دون أن توقف عجلة الحياة، إلا أن الوضع في ليبيا هش، ولا يمكن استبعاد طائرات حفتر من حسابات الأمن والسلام في المدينة، لذلك تحاول القوات الموالية لحكومة الحاسي في طرابلس محاصرة المطارات والقواعد العسكرية التي يتخذها حلفاء حفتر مركزا لانطلاق هجماتهم الجوية على العاصمة ومصراتة.
لكن أكبر مشكل يواجهه سكان طرابلس هو انقطاع الكهرباء يوميا ولمدة ست ساعات على الأقل، الكل يضبط مواعيده وأوقاته على ساعة انقطاع الكهرباء، والتي ازدادت حدة بسبب قصف طائرات حفتر لمحطة توليد الكهرباء في مدينة سرت، حتى أنني كنت أسمع في الفندق الذي أقيم فيه صفارات إنذار يوميا، وسألت عن سبب ذلك فقالوا إنه يتعلق بانقطاع الكهرباء لذلك يلجأون إلى المولدات الكهربائية.
كما أن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بسبب الأزمة الأمنية والسياسية زاد من معاناة الليبيين، خاصة في الغرب.
وإن كان الليبيون يشبهون الجزائريين في حدة الطباع إلا أنهم أقرب إلينا في الطيبة والأنفة والشجاعة، والتقيت الكثير من الشخصيات المثقفة والمحترمة في طرابلس وبعضهم درس في أوروبا، ويتميزون بقدر عال من الأدب والأخلاق، كما أن الشعور بالغربة لا يراودك وأنت في ليبيا، وليس سرا أن الكثير من العائلات الليبية من أصول جزائرية أو مختلطة بسبب الزواج، ناهيك أن أول عائلة مالكة في ليبيا بعد الاستقلال أصولها من مستغانم بالغرب الجزائري، ومجاهدو الثورة التحريرية لا زالوا يذكرون الدعم الكبير للشعب الليبي للثورة الجزائرية، ومكانة الجزائريين كبيرة في الوجدان الليبي بسبب الثورة التحريرية، رغم أن هذه الصورة تأثرت قليلا بسبب ما اعتبره البعض دعم الجزائر للقذافي إبان ثورة 17 فبراير، إلا أن موقف الجزائر الأخير في الجامعة العربية الرافض للحل العسكري في ليبيا، جعل أسهمها تصعد عاليا في قلوب سكان الغرب الليبي، لكنها تلقت سيلا من الانتقادات من أنصار حفتر.
إلى جبهة الهلال النفطي
طلبت من قائد أركان الجيش الليبي، الجنرال عبد السلام جاد الله، الموافقة على زيارة جبهة السدرة في الهلال النفطي، فوافق دون تردد، وفي الصباح جاءني ضابط بلباس مدني وانطلقنا في سيارة مدنية على الطريق الساحلي إلى أن وصلنا إلى مدينة مصراتة 200 كلم شرقي طرابلس، مررنا خلالها بمنطقة تاجوراء والخمس وزليتن ومنطقة لبدة التاريخية التي تعود للحقبة الرومانية. وفي المخرج الغربي لمصراتة كانت في انتظارنا قوة مسلحة قامت بتأمين طريقنا إلى غاية جبهة السدرة مرورا بمدينة سرت، ومن سرت إلى السدرة تنتشر الحواجز الأمنية بكثافة والتي تضم الشرطة والشرطة العسكرية.
وخلال هذه المسافة مررنا بمنطقة تاورغاء القريبة من مصراتة، مبان ممتدة على مد البصر في أرض منبسطة مطلة على البحر، ليست بالمدينة نظرا لافتقادها حتى لشوارع وطرقات داخلية، كما أنها ليست بالبلدة أو القرية نظرا لكبر مساحتها وتقارب منازلها، لكن الأغرب من ذلك أن كل هذا العمران مهجور، لا أثر للبشر في هذا المكان.
فقبيلة تاورغاء كانت معروفة حسب بعض الروايات كمرفأ لتصدير العبيد في زمن العثمانيين الذين كانت مصراتة أحد أهم مراكزهم في ليبيا، أما في عهد القذافي فاستعان برجال تاورغاء السمر في قتال مصراتة، وعاث رجال تاورغاء فسادا في المناطق التي سيطروا عليها في المدينة، وتجاوزوا شرف القتال، وعندما انتصرت الثورة ومعها مصراتة وانهار نظام القذافي، فر سكان تاورغاء من منطقتهم وتفرقوا على مختلف أنحاء ليبيا خوفا من انتقام ثوار مصراتة.
بعد تجاوزنا تاورغاء، مررنا على مدينة سرت، أكبر مدينة في الخليج الليبي، وتقع في منطقة وسطى بين عاصمتي الغرب والشرق الليبيين (طرابلس وبنغازي)، وحاول القذافي أن يجعل منها عاصمة لليبيا، خاصة أن قبيلة القذاذفة منتشرة بها إلى جانب سبها، وهيأها بمطار دولي وعدة تجهيزات ومبان، لكن لا أولاده ولا كبار رجال دولته استأنسوا بالعيش بها.
وكانت فرصة لنا للمرور على محطة سرت الكهربائية التي تعتمد عليها الكثير من المدن الليبية ومنها طرابلس في التزود بالكهرباء، وتضم أربع محطات لم تكتمل الأشغال بها، وقد تضررت هذه المحطة بسبب قصف طائرات حفتر، كما شهدت المحطة مقتل 14 جنديا من حراسها من قبيلة الفرجان التي ينحدر منها حفتر، قبل أيام عن زيارتنا، واتهم خلالها أنصار القذافي بالقيام بهذه العملية، دون أن يتم إلقاء القبض على القتلة.
كانت الأجواء هادئة في جبهة السدرة، يومها، ولولا الكثافة الأمنية لسيارات “لاند كروزر” المجهزة بالسلاح لما شعرت بأنك في جبهة قتال. وأخبروني أن هذه النقطة التي أقف عليها لا يسمح لأي مدني بالوصول إليها، حيث كانت هناك سواتر ترابية تقطع الطريق، كما طلبوا مني عدم تصوير البنايات لكي لا يتم تحديد مكان تواجدهم.
وبعد فترة قصيرة، طلبوا منا التحرك إلى منطقة خلفية، حيث كان أحد القادة الميدانيين في انتظارنا. كانت منطقة عمرانية شبه مهجورة إلا من الثوار، وصوت التكبير يعلو من منارات أحد المساجد دون توقف، ودخلنا إلى بناية من طابقين ووجدنا عددا كبيرا من الجنود والثوار أشبه في استراحة محارب، وفي الطابق الثاني التقيت بأحد القادة الميدانيين للقوة الثالثة، وهي قوات احتياط تتكون أساسا من ثوار مصراتة، ويبلغ عدد مقاتليها 17 ألف مسلح ولديهم 5 آلاف عربة مسلحة، وتمثل هذه القوة نحو ثلثي قوات “فجر ليبيا”، أما الثلث المتبقي فيتشكل من درع الوسطى وفرسان جنزور والقوة المتحركة، حسب أحد قادة القوة الثالثة.
وكلفت هذه القوة بعدة مهام حساسة خاصة في الجنوب، مثل السيطرة على الطائرة الإماراتية وطاقمها الأوكراني في مطار غدامس على الحدود مع الجزائر، وكذلك التدخل لإنهاء الاقتتال بين التوارڤ والتبو في الجنوب، وهذه نفس القوة التي حاول أنصار القذافي منعها منذ أسابيع من نقل أسلحة وذخائر من مطار براك الشاطئ في الجنوب، الذي توجد به مخازن للسلاح والذخائر، ولكن لا توجد به حركة طيران، وأكد لنا أحد القادة الميدانيين لهذه القوة أنهم تعاملوا مع الأمر بشكل مرن حتى لا تسقط أي قطرة دم، مشيرا إلى أن نقل الذخائر يتم بشكل طبيعي الآن من مطار براك شاطئ في شمال سبها بالجنوب إلى جبهات القتال.
طائرات حفتر فوق رؤوسنا
وطلب مني هذا القائد الميداني للقوة الثالثة في عملية الشروق عدم الكشف عن اسمه أو نشر صورته لأسباب أمنية، مبديا استغرابه لعدم قيام طائرات حفتر بقصف قواتهم هذا اليوم، فباستثناء قيام طائرة بعملية استطلاعية، لم تقع أي اشتباكات أو قصف في الجبهة، وعلق مازحا: لعلهم سمعوا بقدومكم فأوقفوا القصف. مشيرا إلى أن طائرات حفتر تقصفهم يوميا من 6 إلى 9 مرات.
لكن بعد خروجنا من مركز قيادة جبهة الهلال النفطي، سمعنا صوت طائرة حربية تابعة لحفتر، كانت تحلق على ارتفاع شاهق، فوق رؤوسنا، قبل أن تختفي خلف السحاب. وقال لي أحد الضباط إن هذه الطائرات لا تصيب أهدافها بدقة بسبب ارتفاعها الشاهق وسرعتها الكبيرة، كما أن مضاداتهم الأرضية لا تصل إليها.
وبعد لحظات من انطلاقنا عائدين من الجبهة، استوقفنا حاجز عسكري، وبدا أحد الجنود غاضبا ولم يستوعب وجود صحفي جزائري في نقطة متقدمة من خط القتال، خاصة أن قوة الحماية ابتعدت عنا، ولم يسمح لنا بالعبور إلا بعد أن سمع أحد رفاقه وهو يصرخ ويقفز من فوق سيارة “لاند كروزر” المسلحة ويشير بإصبعه إلى الدخان المنبعث من مكان ليس بعيدا عنا قامت طائرة حفتر بقصفه.
ورغم أن ذلك الجندي الغاضب كان بصدد التحقيق معنا، إلا أن القصف المفاجئ لطائرة حفتر، عصر ذلك اليوم، جعله يطلب منا المغادرة بسرعة.
كانت الطريق طويلة والظلام حالكا والحواجز العسكرية منتشرة بكثافة من السدرة إلى غاية مصراتة، وقبل أن نصل إلى هذه الأخيرة، استوقفنا حاجز عسكري آخر، ورغم أن الضابط الذي كان يرافقني كان يحمل أمرا بمهمة، إلا أن ذلك لم يشفع لنا، حيث طلبوا منا وثائقنا، وبقينا لمدة ننتظر، وسألت مرافقي عن سبب تأخيرهم في السماح لنا بإكمال طريقنا، فأوضح أنهم يضعون أسماءنا في جهاز حاسوب للتأكد من أننا لسنا مطلوبين لديهم، وقوة الحماية العسكرية المرافقة لنا ابتعدت عنا هذه المرة أيضا، وحاول مرافقي الاتصال بهم هاتفيا دون جدوى.
لكن عادت بي الذاكرة إلى هذه الحادثة عندما التقيت برئيس المجلس الأعلى للدفاع (وزير الدفاع الليبي) بقصر الحكومة، وسألني إن كنت الصحفي الجزائري الذي كان في جبهة السدرة بالأمس، وأضاف: “كانوا سيعتقلونك”، وتابع مبتسما “قلت لهم أخونا جزائري فاتركوه”، وفهمت حينها لماذا تم توقيفنا في ذلك الحاجز تلك المدة.
وبعد وصولنا إلى مدينة مصراتة، ودعنا فرقة الحماية العسكرية وشكرناها على مرافقتها لنا وتأمينها الطريق، ومن مصراتة إلى غاية طرابلس كانت الطريق آمنة بالكامل، لا حواجز أمنية ولا عسكرية، ولا قصف جوي، ولا حتى قطاع طرق، ووصلنا إلى طرابلس مع منتصف الليل بعد أن قضينا 15 ساعة في الطريق، ذهابا وإيابا.
هكذا فُجرت استديوهات قناة “النبأ”
قبل يومين عن سفري إلى جبهة السدرة، أصر علي الزميل عمر الشيخ، المنسق الإخباري بقناة “النبأ”، على ضرورة مشاركتي في النشرة الرئيسية للقناة التي تعد الأكبر مشاهدة في ليبيا، ولم أكن متحمسا للظهور الإعلامي في هذه الظروف الحساسة، خاصة أنني كنت أنتظر موعدا صحفيا مع وزير النفط بعد صلاة المغرب، قبل سفره إلى الخارج صبيحة اليوم الموالي، إلا أن إلحاح الزميل الليبي واتصاله بوزير النفط لتأجيل موعدنا، لم يترك أمامي أي عذر.
وكان النقاش حول الموقف الجزائري القوي في الجامعة العربية الذي تحفظ على الاعتراف بشرعية مجلس النواب على حساب المؤتمر الوطني العام، والذي فاجأ الكثيرين وأثلج صدور حكومة عمر الحاسي في طرابلس وجميع أنصارها.
وفي هذا اللقاء الصحفي أكدت على أن الجزائر تحاول أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأنها لا تنظر لـ”فجر ليبيا” على أنهم إرهابيون على الإطلاق، بل تعتبر الصراع في ليبيا قبليا وليس إيديولوجيا كما تحاول أن تسوقه بعض الدول العربية، وأن الحل في ليبيا لن يكون إلا سياسيا.
وبعد أقل من 48 ساعة عن هذا التصريح، قام مجهول بقصف استوديوهات القناة فجرا بقذيفة آربيجي، ولحسن الحظ لم يصب أحد بأذى، لأن مقر القناة كان خاليا، وكأن الهدف كان تخويف الصحافيين ليس إلا.
أحد المراسلين الصحافيين المصريين في طرابلس قال لي إن “حكومة عبد الله الثني في طبرق حذرت الإعلاميين من التعامل مع الحكومة المنافسة في طرابلس”، فقلت له “إذن أنت مستهدف”.
وانتشر وقتها خبر إعدام صحافيين تونسيين اختطفا في أجدابيا شرقي ليبيا على يد جماعة إبراهيم الجضران، رئيس حرس المنشآت النفطية على حد تأكيد عمر الحاسي، رئيس حكومة الإنقاذ الذي عبر لـ”الخبر” حينها عن وجود أمل بأنهما لازالا على قيد الحياة.
وقبل عودتنا إلى تونس، توجهنا إلى منطقة قريبة من مدينة زوارة التي تعد مركز قيادة الجبهة الغربية لعملية “فجر ليبيا”، القريبة من قاعدة الوطية الجوية التي يتحصن بها جيش القبائل وكتائب الزنتان، وهناك وقفنا على مشهد حي لاكتشاف سيارة محملة بكميات كبيرة من الهيروين قدرت بنحو 20 كلغ كانت مخبأة بإحكام في هيكل السيارة.
لا إرهابيون ولا إخوان
المشهد الإعلامي الذي يحاول ترويجه الجنرال المتقاعد خليفة حفتر ومن معه في حكومة الثني ومن خلفهما آلة إعلامية كبيرة لدول عربية، أن طرابلس تسيطر عليها ميليشيات إرهابية، وأن حكومة عمر الحاسي هي حكومة إخوان، والحقيقة التي وقفنا عليها عكس ذلك تماما.
فحكومة عمر الحاسي لا تضم في صفوفها أي وزير من الإخوان، أو حتى من حزب آخر، حيث تم الاتفاق على أن تكون حكومة تكنوقراط، وزرت مقر حزب العدالة والبناء الذي يعتبر الذراع السياسي لجماعة الإخوان، والتقيت بشباب مثقفين وغاية في الأدب والاحترام، إلى درجة أنك تتساءل إن كنت حقا في ليبيا، فالصورة عن هذا البلد قبل أن آتي إليه تغيرت 180 درجة.
والتقيت عسكريين ورجال أمن في قيادة الأركان وفي وزارة الداخلية وعلى جبهات القتال، سواء في المنطقة الشرقية أو في المنطقة الغربية، بعضهم ملتح وغالبيتهم من دون لحية، فيهم المدخن وفيهم المتدين، وفيهم من دون ذلك، ويضمون مختلف أطياف الفكر الليبي ويحدوهم جميعا الأمل في أن تكون طرابلس عروس البحر أجمل من دبي كما كانت في الستينات، فلديهم البترول وعدد السكان قليل، والقذافي الذي وقف عائقا أمام تطورهم رحل، لكنهم يواجهون اليوم تحديات أمنية صعبة.
في قاعدة معيتيقة الجوية
وقد زرت قاعدة معيتيقة العسكرية رفقة ضابط في الجيش الليبي، والتي سماها الأمريكيون عند تشييدها بعد الحرب العالمية الثانية “هويلس”، في حين كان يسميها الليبيون حينها “الملاّحة”، لأن المنطقة التي شيدت عليها كانوا يستخرجون منها الملح، وبعد مجيء القذافي إلى السلطة في 1969 سماها قاعدة عقبة بن نافع، وفي الثمانينات نقل الاسم إلى قاعدة الوطية الجوية جنوبي صبراتة، وأصبحت “هويلس” تسمى قاعدة “معيتيقة الجوية”، وزعم القذافي أن أول قنبلة في العالم أطلقت من طائرة كانت في ليبيا، وقتلت هذه الطائرة الإيطالية طفلة ليبية اسمها “معيتيقة”، ومن هنا جاء اسم قاعدة معيتيقة الجوية، التي غير اسمها بعد الثورة إلى قاعدة طرابلس الجوية، لكن مازال اسم قاعدة معيتيقة شائعا بين الناس.
وشاهدت في مدرج قاعدة معيتيقة طائرتي نقل عسكريتين تبدو وضعيتهما الخارجية جيدة، بالإضافة إلى طائرات مدنية تابعة للخطوط الجوية الإفريقية والخطوط الليبية. وقال لي هذا الضابط الذي رفض الكشف عن اسمه: “هؤلاء الجنود الذين يحرسون القاعدة الجوية ليسوا إرهابيين”. وأعرب عن تفاجئه بنشر الصحافة في كل من الجزائر والمغرب خبرا عن هجوم إرهابي بالطائرات من ليبيا على غرار أحداث 11 سبتمبر في أمريكا، معتبرا أن هناك جهات تحاول تشويه الوضع في طرابلس بشكل بعيد تماما عن الحقيقة، مشيرا إلى أن قاعدة معيتيقة سقطت في البداية على يد ثوار سوق الجمعة بطرابلس، باعتبار أن القاعدة موجودة في منطقتهم، ثم أصبحت تابعة لقيادة أركان الجيش الليبي.
وعندما تدخل إلى القاعدة الجوية التي أصبحت بمثابة مطار دولي بعد تدمير مطار طرابلس، تجد قلة من الخطوط الجوية التي يمكن زيارتها لا تتعدى خمس خطوط، منها دار البيضاء المغربية، وعمان الأردنية وإسطنبول التركية، وجزيرة مالطا الأوروبية.
الخلاف قبلي وليس إيديولوجيا
وحين تتابع الوضع عن قرب، تجد أن أصل المشكل ليس بين ليبراليين وإسلاميين، ولكنه مشكل قبلي، بين قبائل الشرق وقبائل الغرب، وإذا تعمقت أكثر في أصل الأزمة فإنك ستجد الخلاف بين البدو والحضر، وبشكل أدق بين مدن طرابلس ومصراتة وبنغازي والزاوية وصبراتة والقبائل البدوية كالقذاذفة والورفلة والمقارحة، والقبائل البدوية في الشرق والتي سعى معمر القذافي إلى تقويتها على حساب الحضر خلال فترة حكمه، على حسب بعض التحاليل.
ولكن القوة الضاربة والمهيمنة في الغرب الليبي ليسوا الإسلاميين ولا الإخوان بل هي مصراتة، التي ليست قبيلة كما هو متداول لدى العامة، بل تمثل أكبر تكتل متجانس في ليبيا، يضم نحو 500 ألف ساكن، وعدد مقاتليها يقدر بنحو 15 ألف مسلح أو ما يعادل ثلثي قوات “فجر ليبيا”، المشكل من تحالف عدة كتائب ومدن في الغرب الليبي مثل جنزور والزاوية والكتائب الأمازيغية مثل زوارة، فالكلمة الأولى والأخيرة في غرب ليبيا تعود إلى قادة مصراتة بالتوافق مع شركائهم في المدن الأخرى.
التقسيم.. الخطر الداهم
وأخطر ما تواجهه ليبيا ليس الإرهاب بقدر ما هو التقسيم، فعشر قبائل كبرى وعلى رأسها قبيلة العبيدات في الشرق كلها تدعم خليفة حفتر، وبعضها لديه رغبة كبيرة في الانفصال عن غرب ليبيا، على غرار قبيلة المغاربة التي ينحدر منها إبراهيم الجضران، رئيس المكتب السياسي لإقليم برقة، والمتحكم في الموانئ النفطية في الهلال النفطي.
لكن ما سيجهض مشروع التقسيم في ليبيا هو بنغازي التي تسمى “ليبيا الصغرى”، بالنظر إلى أنها تضم سكانا من مختلف أرجاء ليبيا خاصة من الغرب، بل إن أحياء مثل سوق الحوت والصابري تعود أصول عائلاتها إلى مصراتة، منذ زمن العثمانيين، لأسباب تاريخية يطول شرحها، وهذا ما يفسر عجز حفتر لعدة شهور عن السيطرة على هذين الحيين.
كما أن حفتر لا يملك مشروعا انفصاليا وكذلك رئيس حكومته عبد الله الثني الذي ينحدر من منطقة غدامس في الجنوب الغربي ذات الطابع الصوفي، أما عمر الحاسي رئيس حكومة الإنقاذ في طرابلس ينحدر من قبيلة الحاسة المدعمة لحفتر، وكذلك قائد الأركان عبد السلام جاد الله العبيدي الذي ينحدر من قبيلة العبيدات، أكبر قبيلة في ليبيا بتعداد لا يتجاوز 150 ألف نسمة حسب بعض التقديرات، فسعي كل طرف للاستعانة بأسماء وقيادات من الجهة الأخرى من شأنه إجهاض مشروع التقسيم.
كما أن قبيلة الزوي التي تتقاسم مع قبيلة المغاربة الانفصالية مدينة أجدابيا الواقعة غربي بنغازي، تعتبر القبيلة الوحيدة في الشرق الموالية لـ”فجر ليبيا”، وذلك لأن أصولها، حسب بعض الشهادات، تعود إلى الغرب الليبي، وأهمية هذه القبيلة أنها تسيطر على آبار النفط جنوبي الموانئ النفطية التي تسيطر عليها قبيلة المغاربة، كما يمتد انتشار قبيلة الزوي إلى غاية مدينة الكفرة في الجنوب الشرقي، ورغم الاختلاف الجوهري بين قبيلتي المغاربة والزوي إلا أنهما تحافظان على نوع من التعايش السلمي في أجدابيا.
الجزائر تسترجع شعبيتها
لقي تحفظ الجزائر في الجامعة العربية على اعتبار مجلس النواب المنعقد في طبرق الجسم الشرعي للدولة الليبية، فرحة عارمة ومفاجأة غير متوقعة في العاصمة طرابلس، والكل كان يتحدث عن الموقف الجزائري التاريخي والشجاع، والذي كان الوحيد الذي رفض الانحياز إلى مجلس النواب الذي قضت المحكمة الدستورية بحله.
“الخبر” كانت في قصر الحكومة بطرابلس عندما ناقشت حكومة الإنقاذ برئاسة عمر الحاسي الموقف الجزائري في الجامعة العربية، والتقت بعدد من الوزراء على هامش ذلك الاجتماع، وأعربوا جميعا عن إعجابهم بالموقف الجزائري، وهناك من تحدث لي عن إمكانية إرسال وفد وزاري إلى الجزائر لشكرها على موقفها، كما أكد لي النائب الرابع لرئيس الحكومة، مصطفى أبوتيتا، أنه اقترح في اجتماع مجلس الحكومة إلغاء التأشيرة على الجزائريين كرسالة شكر من الشعب الليبي على الموقف الجزائري في الجامعة العربية، وبعد عودتي من الجزائر اتصل بي مصدر مسؤول في السفارة الليبية وأخبرني بأن سلطات بلاده قررت رسميا إلغاء التأشيرة على الجزائريين، وشرعت في إجراءات ترسيم هذا القرار بالتنسيق مع السلطات الجزائرية.
كما أن القادة العسكريين والضباط في قيادة الأركان وقادة الثوار، ومن بينهم مصطفى الربع وأحمد بوشحمة وكتائب الاحتياط، سواء في مصراتة أو زوارة، الذين التقيتهم وناشطين سياسيين وإعلاميين أمثال جمال زوبية، مدير المجلس الإعلامي الخارجي، كانوا سعداء بهذا القرار وعبروا عن احترامهم الشديد وتقديرهم للجزائر حكومة وشعبا.
الحرب الثانية على عصابات المخدرات
في اليوم الذي وصلت إلى طرابلس، عجت صفحات التواصل الاجتماعية الليبية بأخبار عن اشتباكات بين الشرطة وعصابة لتجار المخدرات قتل فيها أحد بارونات المخدرات، لتقوم بعدها احتجاجات لعصابات المخدرات، كانت هذه إحدى مشاهد تغول عصابات المخدرات التي انتشرت بكثافة بعد الثورة على ما يبدو.
وقد كنت شاهدا على عملية القبض على أحد تجار المخدرات بالصدفة، خلال توجهي إلى مركز قيادة المنطقة الغربية بالقرب من مدينة زوارة، والتي تدار من خلالها المعارك في جبهة قاعدة الوطية ومنطقة بئر الغنم.
كنت حينها في الطابق الأول في بناية تعتبر مركز قيادة المنطقة الغربية، في انتظار إجراء حوار مع العقيد محمد مهرة، الناطق الرسمي باسم محور الوطية بالمنطقة الغربية، عندما دخل أحد ثوار زوارة بوجه متجهم حاملا مسدسه، تبعه آخر حاملا رشاشا، ولم تكن نظراتهما تبشر بخير، ليلحق بهما عدد أكبر من ثوار زوارة ويتعالى الصراخ، وتم إشهار الأسلحة بشكل اعتقدت أن جيش القبائل هجم على ثوار زوارة، قبل أن يتبين أن ثوار زوارة تمكنوا من الإمساك ببارون مخدرات ولم يكن سوى شاب في العشرينات من عمره، وكان رفقة والديه الطاعنين في السن، جاء بهما من أجل التمويه، قبل أن يكتشف الثوار الموالون لقيادة الأركان في طرابلس سيارة محشوة بالقنب الهندي المعالج، وقد قدرت الكمية التي تم سحبها من داخل هيكل السيارة بنحو 20 كلغ.
أكملنا طريقنا إلى معبر راس جدير عائدين إلى الأرض الوطن، وكنت أتساءل إن كنا سنجد نفس الإشكالات التي واجهتنا عند الدخول، ولكن لحسن الحظ تم ختم جواز سفري دون مطالبتي بتأشيرة خروج كما اشترطوا علي عند الدخول، كما لم يطلبوا مني أي حقوق أو مصاريف وهمية، ولم نتعرض لأي ضغوط، وتم الأمر بيسر لولا الاكتظاظ وبطء الإجراءات سواء من الجانب الليبي أو الجانب التونسي.
أحد رجال الشرطة التونسيين عندما علم بأنني صحفي جزائري، قال لي: “أنت محظوظ لأنك خرجت حيا، لقد خطفوا لنا صحافيين، ولا ندري مصيرهما”. والحقيقة أن طول وجودي في ليبيا لم أشعر بتهديد حقيقي على حياتي إلا في جبهتي السدرة وفي مليتة بالقرب من محور الوطية، وبشكل محدود، وهي مناطق اشتباك خطرة، ومن الطبيعي أن تكون درجة الخطر عالية، أما في العاصمة طرابلس وفي المنطقة الممتدة من مصراتة شرقا إلى صبراتة غربا، تشعر بأمان كبير باستثناء بعض المناطق في العاصمة ليلا التي تتطلب الحذر.
غير أن ليبيا تخفي مظهرا جميلا غير الحرب والاشتباكات، وأجمل ما فيها ساحة الجزائر، التي أصبحت مخصصة فقط للراجلين وبها بنايات قديمة وجميلة تعود ربما إلى العهد الإيطالي، وكذلك ميدان الشهداء الذي تطل منه قلعة السرايا الحمراء التي شيدها العثمانيون، والتي منها كان يخطب القذافي على أنصاره عند قيام الثورة، والآن أصبحت مكانا يتجمع فيه أنصار “فجر ليبيا” للتظاهر نصرة للثوار في الجبهات، وتطل السرايا الحمراء على كورنيش جميل مقابل ميناء المدينة، ويفصل بينهما طريق سريع، وهذا المكان كان جزءا من البحر، لكن القذافي وعن طريق شركة ألمانية قام بردم أجزاء من البحر وشيد عليها طريق الفتح أو طريق الشط، وفيه كانت تقام الاستعراضات العسكرية. وحسب بعض الليبيين، فإن جيش عقبة بن نافع مر من هذا الطريق عند فتح طرابلس. خرجنا من طرابلس بصورة مختلفة تماما عن تلك التي دخلنا بها، فلم نجد فيها لا إرهابيين ولا مظاهر مسلحة، والحياة فيها طبيعية، إلا في المناطق التي تشهد قتالا شرسا مثل السدرة وبن جواد، كما أن أهلها طيبون وفيها الكثير من المثقفين والشباب المتعلم والعديد من خريجي الجامعات الأوروبية والغربية، لكن الوضع الاستثنائي الذي تعيشه يجعلها تتعرض لاختراقات أمنية من حين لآخر، والحذر فيها واجب خاصة ليلا.


العقيد محمد مهرة الناطق الرسمي لمحور الوطية لـ”الخبر”
“نحن ليبيون وثوار حقيقيون

ما هو الوضع العسكري على مستوى قاعدة الوطية التي يسيطر عليها موالون لحفتر؟
 الوطية هي قاعدة جوية ليبية تتمركز فيها قوات لما يسمى بجيش القبائل المدعوم من قبل عملية الكرامة. هذه القوات هدفها هو العبور إلى طرابلس لتدمير العاصمة من جديد، وهذه القوات معظمها كان متمركزا في طرابلس على طريق المطار وفي منطقة ورشفانة، وهذه القوات تم دحرها وتراجعت في منطقة قريبة من مدينة الزاوية تسمى بئر الغنم في باطن الجبل، واتخذت من قاعدة الوطية الجوية لتكون قاعدة إمداد ومقر لانطلاقهم لتدمير المدن الليبية، بحجة بناء جيش وشرطة، وهذه القوات مدعومة من حفتر الذي حاول أن ينقلب على الشعب الليبي عدة مرات ليرد ليبيا إلى الحكم الدكتاتوري. فشبابنا العسكريون والمدنيون الذين انضموا إلى درع ليبيا، المنضوون تحت لواء رئاسة الأركان العامة، رفضوا هذا وانطلقوا بعملية “فجر ليبيا” لتصحيح مسار ثورة 17 فبراير وتحقيق أهدافها، لنحافظ على الحرية التي حققناها بعد سقوط القذافي، اليوم الأحد 11 جانفي 2014 نحن نسيطر بالكامل على المنطقة الغربية ولدينا قوات في عدة محاور، هدفها تحرير الوطية من هؤلاء المجرمين الذين تجمعوا ليكوّنوا ما يسمى جيش القبائل، وبالتالي بإذن الله في طريقنا لتحرير الوطية لتأمين المدن الليبية إن شاء الله.
كان هناك حديث عن دخولكم منطقة الوطية لفترة قصيرة عقب سقوط ككلة في يد جيش القبائل ثم انسحبتم، ماذا حدث حينها بالضبط ؟
 لم يكن هناك دخول لقاعدة الوطية، ولكن كان وصولا لأقرب نقطة وهي بوابة منطقة الزرير، التي تبعد عن البوابة الرئيسية لقاعدة الوطية بحوالي 7 كلم، وهذه كانت بداية الهجوم على الوطية لتحريرها بقيادة الشهيد عمر المختار، وكان هناك رمي بالمدفعية ولم يتم تدمير طائرتين، حاولت طائرة أن تقصف مدينة زوارة استهدفها شبابنا فأحدثوا فيها خللا، وعند وصولها إلى القاعدة اشتعلت بها النيران، ولكنهم مازالوا يستعملون الوطية في طلعات جوية، وكانت هناك أمس طلعة جوية لطائرة عمودية خرجت من الزنتان وطائرة مقاتلة انطلقت من الوطية، لكن الطائرة العمودية حاولت قصف قواتنا، وكان الله هو الحافظ، فقصفوا قواتهم فأحدثوا دمارا في صفوفهم.
ما هو عدد الطائرات التي يملكها جيش القبائل؟
 حسب معلوماتنا لديهم طائرتان مقاتلتان، وأخلوا أمس طائرة عمودية، فالحكومة المصرية تحاول أن تدعم هؤلاء باعتبار أن هناك علاقة قديمة بين حفتر والرئيس المصري السيسي، حيث كان حفتر قائد السيسي في حرب 1973 وبالتالي فهو يحاول أن يقدم له يد العون، وهذا مرفوض من الشعب الليبي، فكل الليبيين يسعون لبناء جيش وشرطة، ونحن في مدينة صبراتة وفي مدينة زوارة ومصراتة وككلة وغريان، الشرطة تشتغل بوضعها الطبيعي، شرطة المرور الجنائية، الجيش في مواقعه في البوابات الرئيسية خارج المدن، وهذا شيء أرادوا أن يستخفوا به الشعب الليبي، فنحن عسكريون نريد بناء جيش لتحرير ليبيا، وأنا شخصيا ساهمت في بناء جيش وتدريب قوات عسكرية تشتغل حاليا، هدفها حماية الشعب الليبي وليس قتله كما يفعل حفتر حاليا.
هل الوطية على مدى مدفعيتكم أم أنكم على بعد 50 كلم عنها كما يقول خصومكم؟
 لدينا محاور قريبة جدا من الوطية ومدى المدفعية يصل إلى قلب القاعدة، ولدينا محاور أخرى تبتعد عن القاعدة لقطع الإمدادات في حالة محاولة أي جهة دعمهم، ولدينا خطة محكمة تسمح لنا بالسيطرة على القاعدة في القريب العاجل.
أتوجه بكلمة إلى إخوتنا وأحبائنا الجزائريين الذين لدينا معهم علاقات اجتماعية ومصاهرات وتاريخ يربط الليبيين بالجزائر، فنحن ليبيون صرف وثوار حقيقيون، هدفنا بناء جيش وشرطة وبناء المؤسسات المدنية، لا نريد الدكتاتورية ولا نريد العودة إلى القيود وقد تحررنا وحررنا الوطن.

طرابلس: حاوره مبعوث “الخبر” مصطفى دالع

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول