38serv

+ -

حقيقة واحدة أكثر من غيرها من حقائق ظلت تُتداول مع وعن الأفالان، هي أن منطق “قوة النفوذ” كان المهيمن على مجريات المؤتمر العاشر لحزب جبهة التحرير الوطني، لما تثبت عمار سعداني فوق عرشه، وليس مجرد انتخاب أفضى إلى تزكية رجل يقول عن نفسه إنه خرج منتصرا، لكنه لم يكشف عما ينتظر الحزب في مرحلة مقبلة تضاربت الاجتهادات في رسم معالمها، بيد أن معاني ما رافقت الجديد في الأفالان عن رغبة في جعل الحزب يرمي بكل ظله على المشهد السياسي لخفض معدل تنفس المعارضة، وهي معارضة انتقدها الرئيس في رسالة “قاسية” بمناسبة عيد النصر يوم 19 مارس الماضي، والآن قدم لسعداني صك التزكية دونما التفات لأصوات تريد “الشرعية” في الأفالان، ونقيض ذلك اتهم هذه الأصوات بزرع الفوضى، وأسئلة كثيرة مازالت تطرح ولم تجد لها إجابة حتى عند أفالانيين أنفسهم إزاء المستجدات الطارئة في الحزب: هل نجا من المتحف؟ وهل له علاقة بما يحصل في الأرندي؟ وهل انتهت المعارضة الداخلية في الحزب؟ وأي مستقبل ودور للأفالان لأي مرحلة؟الأفالان دوما يتقوى من “انكساراته” بأي ثمنالسلطة تنفخ في “الحزب العجوز” روحا جديدة بحسب مسار الصراع داخل الحزب العتيد، منذ أن خرج أعضاء باللجنة المركزية عن طاعة الأمين العام الأسبق عبد العزيز بخادم بعد المؤتمر التاسع، ثم “استقرار” الصراع على مفعول حسم رئاسي زكى عمار سعداني على رأس الحزب، تتجلى نمطية تناطح بين الفرقاء على وقع انكسارات يتقوى منها الأفالان أكثر، حتى وإن كانت القوة الجديدة التي يستمدها الحزب من الانكسار مصطنعة ومغلفة بقرارات غير ديمقراطية، مثلما قال قادة المعارضة في لقائهم الخميس معلنين استمرار أزمة، بينما كان سعداني أعلن نهايتها.خارج الاجتهاد حيال من يحدد هوية الأمين العام للأفالان منذ الإستقلال، لم يعرف مسار صراع داخل الحزب منتهاه يوما بصفة طبيعية تؤول القيادة في النهاية إلى من يختاره المناضلون، والواضح أنه بعد مؤتمر الخميس الفارط لم يعد هناك حديث عن أفالان خارج حسابات سلطة عززت موقعه في الساحة السياسية ومنحته صك الرئيس، بعد سنوات من انفلات حاولت تعويضه بكيانات حزبية أخرى على غرار حزب “تاج” لعمار غول والحركة الشعبية لعمارة بن يونس، إضافة إلى شريكه السياسي التجمع الوطني الديمقراطي، لكنها رأت وبعد فترة أن الأحزاب التي راهنت عليها في تعويض الأفالان الذي أحرقت ورقته في مرحلة ما، لم تساير مستجدات وضع خطير سياسيا وأمنيا واقتصاديا بنفس ذلك المستوى الذي أبانت عنه المعارضة، ممثلة خاصة في تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، في تعاطيها مع هذا الوضع الذي حملت فيه السلطة مسؤوليته بشكل مطلق، بينما لم تجد السلطة من يدافع عنها حتى ممن يوصف بـ “أحزاب السلطة”.والطريقة التي حسم فيها الصراع “ظاهريا” على الأقل توحي بأنه كان يمكن لرئاسة الجمهورية أن تؤمن الاستقرار لحزبها العتيد منذ زمن بعيد، طالما أن الحسم اللاحق كان بمجرد رسالة من الرئيس، لكن الأفالان كحزب، وإن حصد الأغلبية البرلمانية والأغلبية في الانتخابات المحلية عام 2012، وكما كان يفعل دوما، صار في الأذهان حزبا “يعوم” سياسيا، ولم يعد فصيلا سياسيا تقاس من خلاله حقيقة التوزيع السياسي للأحزاب في البلاد بفعل التزوير كما تقول المعارضة، مثلما صار في وقت ما ورقة رهان “بالية” لا يراهن عليها في حال انتظمت انتخابات فعلا نزيهة وشفافة، وأسند فيها الإشراف والتنظيم لهيئة مستقلة.هذا الطرح يعززه معطى آخر، فمهما يكن الهدف من تثبيت سعداني بقرار، فإن المستجد في الأفالان لا يمكن عزله عما يحصل في التجمع الوطني الديمقراطي الذي يحضر لإعادة أحمد أويحيى لمنصبه، بعد استقالة عبد القادر بن صالح في نفس اليوم الذي ثبت فيه سعداني، بينما يُتداول في أروقة غير رسمية أن أويحيى قد يستقيل أو تنهى مهامه من منصبه كمدير ديوان برئاسة الجمهورية، في سياق ترتيب المرحلة المقبلة.ورغم الهزة المستمرة التي دبت بالحزب العتيد، فإن ما يراد له أن يكون في إطار هذه المرحلة لا يخرج عن سياق رئاسة الرئيس التي دعت الأحزاب الأخرى إلى التعلم من مدرسة الأفالان، ما يعني في نظر حماة الحزب أن الأفالان لم يكن مآله الزوال في معتقد أي كان، حتى إن تعالت أصوات تطالب بإيداعه المتحف.سعداني يفرض أمرا واقعا مستلهما القوة من جماعة الرئيسالطبقة السياسية تترحم على أيام الحزب الواحد إن كان الأرندي يوصف بـ “الثكنة” لغياب النقاش الديمقراطي فيه والتنافس بين قيادييه، فالأفالان كان إلى وقت قريب على نقيض ذلك. بل إن سقف حرية النقاش فيه كان أعلى مما يوجد في أحزاب معارضة محسوبة ظلما على المعارضة. غير أن مجريات المؤتمر العاشر لجبهة التحرير ثبتت طبيعة الحزب كجهاز يفتقد لحرية القرار.غابت الوثائق واللوائح عن الجلسات وانعدم تدافع الأفكار والتنافس بين المناضلين الراغبين في العضوية باللجنة المركزية، وحتى الضرب تحت الحزام غاب، وهي مظاهر كانت حاضرة في المؤتمرات السابقة ولو بصفة شكلية للإيهام بأن الحزب يعيش حياة نضالية. وحل محل ذلك القذف بالأشخاص إلى هيئات الحزب، إلى درجة أن كل الذين توافدوا من الولايات كانوا على يقين بأنهم أعضاء في “المركزية” دونما حاجة إلى انتخابات ولو صورية.عمار سعداني أغلق المؤتمر العاشر بشكل معلن، ففرض أمرا واقعا مستلهما من قوة نفوذ جماعة الرئيس المسيطرة على شؤون البلاد حاليا، بعدما حرص على إبعاد كل صوت معارض. ومثل هذه الممارسة تشبه إلى حد بعيد محاولة فرض أمر واقع آخر، يتمثل في أن بوتفليقة رئيس رغم أنوف من يرون بأعينهم أنه عاجز عن إدارة دفة الحكم بسبب تدهور حالته الصحية.ستضطر الطبقة السياسية والإعلام في المرحلة المقبلة إلى التعامل مع أفالان يقوده أمين عام مستفز ومهاجم ضد خصوم الرئيس بوتفليقة الظاهرين، مثل تنسيقية الحريات، وغير الظاهرين المتواجدين داخل عصب النظام. هكذا فعل بعد أشهر قليلة بعدما وصل إلى قيادة الأفالان، عندما هاجم مدير دائرة الاستعلام والأمن محمد مدين بشكل غير مسبوق لا في عهد “التوفيق”، ولا قبله من قادة المصالح العسكرية للاستخبارات. هذا الهجوم “التاريخي” الذي كان أقرب إلى الاعتداء ما كان سينتهي بسلام على منفذه، حسب مراقبين، لو كان مدين فعلا نافذا وقويا. بعبارة أخرى جرأة سعداني ضد “التوفيق” دليل ضعف الجهاز العسكري وقائده. وهذا الواقع الجديد سيتعامل معه السياسيون والإعلام والمنتسبون للجماعة في الرئاسة وللعصبة المعادية لها في الحكم، في الفترة المقبلة التي هي فترة سعداني بامتياز.في مرحلة 10 سنوات التي قاد فيها عبد العزيز بلخادم الأفالان، بعد حركة الانقلاب على المؤتمر الثامن الذي اختار علي بن فليس مرشحا للحزب في رئاسيات 2004، تميزت الجبهة بالتفاعل مع الأحداث محليا وخارجيا. فتم إطلاق أفكار ومقترحات ومشاريع، بعضها مرتبط بالدستور وآخر بالوضع الاقتصادي. وبلغ الدفع بالنقاش إلى تكوين حكومة ظل بفضل أفواج العمل واللجان التي شكلها بلخادم، كل واحدة منها مهتمة بقطاع معيَن. وتركت هذه الحركية انطباعا بأن بلخادم يملك طموحا في أن يكون رئيسا، بعد أن “يتنازل” بوتفليقة عن الكرسي طوعا أو يبتعد عنه الكرسي بقوة ربانية لا يستطيع الرئيس وجماعته صدَها.لا شك أن تلك الحركية والنشاط في الحزب الواحد سابقا لم تكن عاكسة لحزب يمنح معنى للنضال الحقيقي الذي يصل فيه المناضل إلى الهيئات القيادية بفضل مجهوده وكفاءته وإيمانه بمبادئ الحزب. ولكن على الأقل كانت هناك شبه حرية في حزب انتقم منه بوتفليقة شرَ انتقام بسبب أنه فضل يوما ما شخصا آخر غيره لخلافة بومدين في الحكم، تماما كما انتقم من الجيش عندما اختار رئيسا آخر غيره في 1979. شبه الحرية المزيفة تلك مدعوة إلى الاختفاء تماما في عهدة سعداني.عضو اللجنة المركزية بحزب جبهة التحرير الوطني حسين خلدون لـ “الخبر” “الأفالان انتصر والحركة التصحيحية لم يعد لها مكان في قاموسنا”هل يمكن القول إن الأفالان خرج منتصرا من المؤتمر العاشر؟ بكل تأكيد، خرج حزب جبهة التحرير الوطني منتصرا، حيث أضاف المؤتمر العاشر إلى رصيده إنجازا تاريخيا سوف يحفظه الجيل الجديد، خاصة فئة الشباب المنخرط والمناضل بقناعة وحبا في الجبهة والمتشبع بقيمها ومبادئها. ومن مظاهر إنجاح المؤتمر الشفافية، حيث نظم تحت رقابة وأعين رجال الإعلام الذين غطوا أشغاله بكل حرية.هل تعتقد أنه يمكن لحركة تصحيحية جديدة بلوغ ما حققته الحركات السابقة وتغيير الوضع القائم في الأفالان؟ أعتقد أن التاريخ لن يعيد نفسه في حزب جبهة التحرير الوطني، ومن ثمة أقول إن مصطلح “الحركة التصحيحية” لم يعد له مكان في قاموسنا، كما أن الجزائر لن تلد مرة أخرى حزبا يضاهي حزب جبهة التحرير الوطني في العقيدة أو في الخصائص النفسية والاجتماعية والارتباط بأنصاره ومحبيه وكل الشعب الجزائري.في رأيكم ما هو مصير الأفالان في مرحلة ما بعد بوتفليقة الذي عين رئيسا في المؤتمر العاشر؟ مصير الجبهة بيد الشعب الجزائري الذي برهن على تمسكه برصيده التاريخي والنضالي، والحزب مرشح لأن يكون أقوى من ذي قبل. أما عن مصيره في غياب الرئيس أطال الله في عمره، فأذكر بما قاله رئيس الجبهة رئيس الجمهورية ذات يوم عندما سئل عن مصير الجزائر في حالة مغادرته الحكم، حيث قال كلمته المشهورة “للكعبة رب يحميها”.وما هو المغزي من تمكين وزراء لم يعرف عنهم النضال في الحزب من تبوُّء مراكز قيادية أي اللجنة المركزية؟ انضمام عدد من الوزراء إلى حزب جبهة التحرير الوطني دليل على قوة الحزب، ناهيك عن كونه رسالة منه على أنه التشكيلة الوطنية التي تسع جميع أبناء الوطن وإطاراته، ودليل حي بأن النضال فيه ليس حكرا على أحد، فكل بنات الجزائر وأبنائها مرحب بهم في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، شريطة الالتزام بقواعد النضال وبرنامج ومثل الحزب، واحترام القانون الأساسي والنظام الداخلي المسير له ولهياكله.وهل يضع وجود 7 وزراء منهم الوزير الأول عبد المالك سلال في صفوف الحزب حدا لمطلب قيادة الأفالان بالأغلبية في الحكومة؟ انتماء عدد من الوزراء إلى الحزب لن يثنينا عن المطالبة بإدراج حق الأغلبية في إدارة الجهاز التنفيذي، وتجسيد مبدأ المساءلة على عمل الحكومة، وتمكين المواطن من حق الرقابة على الجهاز التنفيذي بمناسبة المراجعة الدستورية المقبلة، حتى ولو فقدت الجبهة الأغلبية البرلمانية، فهذا مبدأ دستوري نعمل على تحقيقه من أجل ترشيد العمل السياسي.عضو المكتب السياسي سابقا العياشي دعدوعة لـ “الخبر” “كل الظروف مهيأة لإنجاح مساعي تصحيح مسار الأفالان”أنصار سعداني يقولون إن الأفالان خرج منتصرا من المؤتمر العاشر، ما رأيك؟ شهد المؤتمر العاشر خرقا صريحا للمادة 32 من القانون الأساسي للحزب، وغيرها من المواد المتعلقة بتحضير المؤتمر الذي عُقد في غياب ثلث الأعضاء القياديين البارزين في اللجنة المركزية، وفي غياب أكثر من ثلث المجلس الشعبي الوطني، احتجاجا منهم على مهزلة التحضير التي داست على كل القوانين والقيم والتقاليد الحزبية لحزب عتيد ديمقراطي مثل حزب جبهة التحرير الوطني، فذلك يعني الخروج عن السكة، ومن ثم الانحراف وسوء المنقلب للفاعلين وليس للحزب.هل تعتقد أنه يمكن لحركة تصحيحية جديدة أن تغير مسار الحزب بعد المؤتمر العاشر؟ لكل حركة رجال يسهرون على التمكين لها وأسباب تمكنها من الانتصار، فالأسباب القانونية المتوفرة لمعارضي انعقاد ما يسمى بالمؤتمر العاشر، وثباتهم على النضال واستمرار العمل الذي يتحلون به من جهة، والخروق المفضوحة التي سادت أعمال هذا المؤتمر تحضيرا وتسييرا ونتائج من جهة أخرى، عوامل جد مساعدة على نجاح حركة الـ200 قيادي ومن على شاكلتهم.في رأيكم ما هو مصير الأفالان بعد رحيل الرئيس بوتفليقة عن الحكم؟ نعم للرئيس بوتفليقة دور حاسم في انتعاش الحزب وعودته بقوة في الساحة الوطنية، لكن من مميزات الأفالان وخصوصياته ومنذ نشأته إلى اليوم أنه لا يرتبط مصيره النهائي بالشخصيات، إنما بالشعب السياسي الذي يزيد في كل استحقاق من متانته وتعزيز مكانته واستمرار وجوده.ما المغزى من تمكين وزراء لم يعرف عنهم النضال في الحزب من تبوء مراكز قيادية؟ آه بالرغم من أننا في السلطة من المفروض ألا أجيب على هذا السؤال لخروجه عن منطق النقاش الحزبي، لكن لو اقتصر التمكين على الوزراء فقط لكان الأمر أهون وطئا، إنما تجاوزهم إلى إقدام جحافل من وافدين جدد، إما لا يمتون للحزب بصلة وإما أنهم ناصبوه العداء. المندسون والغرباء الذين منهم من أساء إلى الحزب مثل نزع صور مرشحه من أماكن تلصيقه والبصق عليها ودوسها بالنعال أمام الملأ، ولو كانت تمثل قدسية من هو في أعلى هيئة فيه، ومن بينهم من يسومونه السوء بسلوكهم المشين، وبملفاتهم المتعفنة المقدوح فيها شعبيا، ناهيك عن الغر المغرر به، والغض غير المتصل بالماضي.هل يضع وجود 7 وزراء منهم الوزير الأول حدا لمطلب قيادة الأفالان بالأغلبية في الحكومة؟ تلك مخادعة كبرى ومغالطة ما أتى الله بها من سلطان قانوني أو سياسي أو عرفي، يجيز توزيع الصكوك على بياض لغير المناضلين المرتبطين بالحزب تاريخيا وعقديا في السراء وفي الضراء، وبخاصة خلال الامتحانات التي تعرض لها الحزب، بدءا من التعددية الحزبية إلى يوم الناس هذا، بالرغم من أننا أبناء السلطة أو من المحسوبين عليها عبر مسارها الطويل.

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات