العالم

من قناة بنما إلى هرمز.. عودة مقاربات القوة البحرية

لفهم الاندفاعة نحو نقاط الاختناق البحري، لا بد من العودة إلى ثلاثة منظّرين كبار شكلوا العقل الإستراتيجي الغربي.

  • 260
  • 3:11 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تحولت الممرات المائية الدولية من مجرد شرايين للتجارة العالمية إلى بؤر توتر غير مسبوقة. فبعد أن بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عهدته الثانية بحرب تجارية عبر فرض الرسوم الجمركية، انتقل إلى التلويح بالسيطرة على المضائق الحيوية. ومن التهديد بإعادة الهيمنة على قناة بنما، إلى المطالبة بإعفاء السفن الأمريكية من رسوم قناة السويس، وصولا إلى الحرب على إيران التي أعادت مضيق هرمز إلى واجهة الصراع الدولي، يتم رسم خريطة جديدة للقوة العالمية تستند إلى منطق قديم مفاده من يسيطر على الممرات البحرية يسيطر على مصائر الاقتصاد.

لفهم الاندفاعة نحو نقاط الاختناق البحري، لا بد من العودة إلى ثلاثة منظّرين كبار شكلوا العقل الإستراتيجي الغربي، هم ألفريد ثاير ماهان، صاحب نظرية "القوة البحرية"، الذي رأى أن عظمة الأمم تُقاس بقدرتها على التحكم في خطوط المواصلات البحرية وحماية تجارتها عبر أساطيل وقواعد دائمة.

السيطرة على المضائق، وفق ماهان، هي مفتاح الإسقاط العسكري ومنع المنافسين من خنق الاقتصاد. ترامب، بمنطق رجل الأعمال، يعيد إحياء هذه النظرية ولكن بأدوات اقتصادية وعسكرية متزامنة. نيكولاس سبيكمان، في نظريته عن "الحافة"، أكد أن القوة العالمية لا تتحقق باحتلال قلب الأرض الأوراسي وحده، بل باحتواء هذا القلب من خلال السيطرة على الطوق البحري المحيط به. المضائق مثل هرمز وملقا وباب المندب وجبل طارق هي نقاط هذا الطوق، ومن هنا تكتسب أهميتها الإستراتيجية، ويأتي تطويق الخصوم عبر أدوات بحرية واقتصادية.

أما هالفورد ماكيندر، صاحب نظرية "القلب"، فقد حذر من أن القوة التي تسيطر على أوراسيا ستتحكم في العالم. واستطرادا، فإن منع أي قوة من إحكام القبضة على قلب العالم يتطلب السيطرة على منافذه البحرية. الحرب على إيران، وهي دولة تقع على حافة الهلال البحري الاستراتيجي، لا يمكن عزلها عن هذا السياق النظري العميق.

الاقتصاد سلاحا.. المضائق بوصفها رافعة جيواقتصادية

تعبر 80% من التجارة العالمية المنقولة بحرا عبر هذه الشرايين المائية. فمضيق هرمز وحده يمر عبره نحو 21 مليون برميل نفط يوميا، ما يعادل 38% من تجارة النفط الخام البحرية و29% من غاز النفط المسال. مضيق ملقا يسيطر على 30% من التجارة العالمية بقيمة 3.5 تريليونات دولار، أما قناة السويس فهي معبر 12% من التجارة الدولية، وبنما شريان حيوي لـ40% من حركة الحاويات الأمريكية.

وفي زمن الحرب والتهديد، تتحول إلى أسلحة اقتصادية، فتعطيل ممر واحد يكفي لإرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين لمستويات قياسية.

والتهديد بالسيطرة على غرينلاند (لمواردها ولموقعها في طرق القطب الشمالي المستقبلية) وخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (تأديبا لمن يهدد تدفقات النفط في الكاريبي) والضغط على مصر للحصول على امتيازات في قناة السويس، ثم الحرب على إيران التي تحولت من محاولة سيطرة مباشرة على مضيق هرمز إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي برمته، يبرز ذلك.

ويفرض قانون البحار الدولي، خصوصا اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982، توازنا دقيقا بين حق الدول المطلة على المضائق في ممارسة سيادتها وحق المجتمع الدولي في الملاحة الحرة. نظام "المرور العابر" يضمن للسفن العسكرية والتجارية عبورا متواصلا وسريعا عبر المضائق الدولية دون إذن مسبق. أما القنوات الاصطناعية كالسويس وبنما، فتخضع لسيادة الدول المشغلة التي تملك حق فرض الرسوم وتنظيم المرور.

إلا أن توجهات جديدة تدفع باتجاه إعادة تفسير هذه القواعد، فعندما يطالب بمرور مجاني للسفن الأمريكية عبر السويس أو يهدد باستعادة السيطرة على بنما بحجة التهديدات الصينية، فذلك يمثل خرق القانون الدولي وضرب مبدأ المساواة في السيادة الذي قام عليه نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية.

عسكرة الاقتصاد وانهيار الاستقرار

أدت سياسات الحروب التجارية والحروب المباشرة إلى ما يشبه العودة إلى ثلاثينيات القرن الماضي مع عالم متوتر، مقسم، تغيب عنه الثقة. واقتصاديا، تسببت الحرب على إيران في أسوأ أزمة طاقة وغذاء منذ 2008، حيث قفزت أسعار النفط 27% والغاز الأوروبي 74% خلال أيام، وارتفعت كلفة الشحن والتأمين، وتهدد ملايين الأشخاص بفقدان الأمن الغذائي، كل ذلك قبل أن يتحقق الهدف المعلن وهو السيطرة على مضيق هرمز.

كما أن إذكاء النزاعات حول المضائق، من تايوان إلى ملقا إلى المضايق التركية، يزرع بذور صراعات قادمة، فكل دولة ستسعى بدورها إلى استخدام ممراتها المائية كورقة ضغط، ما يهدد بنية التجارة العالمية برمتها. والأخطر أن أي سوء تقدير في مضيق تايوان أو بحر الصين الجنوبي قد يجر القوى العظمى إلى صدام.