مجتمع

منحة 750 أورو تغير خريطة سفر الجزائريين

يرى مهنيون أن قرار رفع منحة السفر لم يقتصر أثره على زيادة القدرة الشرائية للمسافر الجزائري، بل ساهم أيضا في تغيير نظرته إلى السفر.

  • 2686
  • 8:12 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد المشهد داخل الوكالات السياحية يشبه ما كان عليه في المواسم السابقة. فخلف الحواسيب التي تعرض عشرات العروض، تتكرر أسئلة الزبائن، لكن بأسماء وجهات لم تكن مألوفة قبل سنوات. فبعد أن كانت تونس وتركيا ومصر تتصدر اهتمامات أغلب الجزائريين الراغبين في قضاء عطلتهم خارج الوطن، بدأت دول مثل جورجيا وأذربيجان واليونان وإسبانيا وماليزيا وحتى الصين تدخل بقوة ضمن قائمة الخيارات المطروحة.

ويرى مهنيون أن قرار رفع منحة السفر إلى 750 أورو لم يقتصر أثره على زيادة القدرة الشرائية للمسافر الجزائري، بل ساهم أيضا في تغيير نظرته إلى السفر، إذ لم يعد الهدف مجرد قضاء عطلة بأقل تكلفة، وإنما البحث عن تجربة سياحية جديدة، والاستفادة من الإمكانيات التي وفرتها المنحة لتحسين مستوى الرحلة أو التوجه إلى وجهات كانت تعتبر في السابق بعيدة عن متناول الكثير من العائلات.

ولرصد هذه التحولات ميدانيا، تنقلت "الخبر" بين عدد من الوكالات السياحية بالعاصمة، حيث بدا النشاط أكثر حيوية من السنوات الماضية. فصالات الاستقبال تعرف توافدا مستمرا للزبائن، والهواتف لا تتوقف عن استقبال طلبات الاستفسار، فيما ينهمك أعوان الحجز في شرح تفاصيل البرامج السياحية ومقارنة الأسعار بين مختلف الوجهات.

وبين وكالة وأخرى، اتفقت الآراء على أن المنحة أحدثت حركية حقيقية في السوق، لكنها لم تلغ تأثير الارتفاع المتواصل في أسعار النقل الجوي والإقامة، الذي ما يزال يفرض نفسه بقوة على قرارات المسافرين.

داخل الوكالات... إقبال أكبر وأسئلة مختلفة

محطتنا الأولى كانت  وكالة تيناروز بالقبة، كانت الحركة متواصلة منذ الساعات الأولى من النهار. زبائن يتصفحون الكتيبات السياحية، وآخرون يستفسرون عن إجراءات التأشيرات أو يقارنون بين أسعار الفنادق والرحلات.

وفي حديثه مع "الخبر"، أكد صاحب الوكالة، إسلام بن مني، أن رفع قيمة منحة السفر إلى 750 أورو أحدث حركية ملحوظة في نشاط الوكالات السياحية، حيث شجع عددا أكبر من الجزائريين على التفكير في قضاء عطلتهم خارج الوطن، خاصة مع حلول الموسم الصيفي، وهو ما انعكس، حسب قوله، على ارتفاع عدد الاستفسارات والحجوزات مقارنة بالفترات السابقة.

وأفاد  صاحب الوكالة أن المنحة ساهمت في تحسين القدرة الشرائية للمسافرين، وجعلت بعض الزبائن أكثر استعدادا لاختيار وجهات جديدة كانت في السابق تتطلب ميزانية أكبر، مضيفا أن العديد منهم أصبح يستفسر عن عروض سياحية خارج الوجهات التقليدية التي اعتاد الجزائريون التوجه إليها، في محاولة للاستفادة من قيمة المنحة بأفضل شكل ممكن.

وأشار إلى أن الوكالة سجلت اهتماما متزايدا بوجهات مثل أذربيجان وجورجيا، إلى جانب بعض الدول الأوروبية بالنسبة للمواطنين الحاصلين على التأشيرة، مؤكدا أن هذه الوجهات بدأت تستقطب اهتمام المسافرين الباحثين عن تجارب سياحية جديدة. ورغم ذلك، أوضح أن تونس وتركيا ومصر لا تزال تتصدر قائمة الوجهات الأكثر طلبا، بالنظر إلى سهولة الوصول إليها وتوفر عروض متنوعة تلائم مختلف الميزانيات.

وأضاف بن مني أن منحة السفر، رغم أهميتها، ليست العامل الوحيد الذي يحدد وجهة المسافر، إذ تبقى أسعار تذاكر الطيران وتكاليف الإقامة من أبرز العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار. وأشار إلى أن أسعار الرحلات الجوية نحو بعض الوجهات، سيما الآسيوية، لا تزال مرتفعة، كما أن تكلفة الإقامة بالفنادق في تونس وأسعار الرحلات إلى مصر شهدت زيادات مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يقلص جزئيا من أثر المنحة.

وأفاد المتحدث أن الإقبال على تونس لا يزال قويا، بفضل قربها الجغرافي وأسعارها التنافسية مقارنة بعدد من الوجهات الأخرى، غير أنه لفت إلى وجود اختلاف في سلوك الزبائن، حيث يحرص جزء منهم على استغلال المنحة لتحسين مستوى الرحلة، من خلال اختيار فنادق ذات تصنيف أعلى أو إضافة برامج وجولات سياحية متنوعة، بينما تركز شريحة أخرى على حجم المكسب المالي الذي توفره المنحة أكثر من اهتمامها بجودة الخدمات أو مستوى الإقامة.

وفي السياق ذاته، أوضح صاحب الوكالة أن الوجهات التي سجلت أكبر نسبة من الطلب، منذ تطبيق المنحة الجديدة، هي تونس، تركيا، السعودية ومصر، إلى جانب بعض الدول الأوروبية وحتى الصين، وهو ما يعكس، حسبه، اتساع خيارات الجزائريين ورغبتهم في اكتشاف أسواق سياحية جديدة كلما سمحت الإمكانيات المالية بذلك.

وأضاف أن المنحة ساعدت، في كثير من الحالات، على تحسين ميزانية الرحلة أكثر من إطالة مدتها، إذ فضّل العديد من المسافرين توجيه قيمتها نحو رفع جودة الخدمات السياحية بدل زيادة عدد أيام الإقامة، وهو ما انعكس على الطلب المتزايد على الفنادق الراقية والبرامج السياحية المتكاملة.

واختتم بن مني تصريحه بالتأكيد على أن الوكالة سجلت ارتفاعا ملحوظا في الطلب على العروض العائلية خلال الموسم الصيفي، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار النقل الجوي والإقامة لا يزال يشكل تحديا أمام الكثير من الراغبين في السفر، رغم مساهمة منحة 750 أورو في تخفيف جزء من الأعباء المالية، ومساعدتها العديد من الأسر على التخطيط لعطلها الصيفية بميزانية أفضل.

تنوع في الوجهات... والزبون أصبح أكثر جرأة

وفي محطتنا الثانية إلى وكالة لاندينغ ترافل بالعاشور، وقفنا على  تكرر المشهد نفسه، حيث تعرف الوكالة حركة دؤوبة مع اقتراب ذروة الموسم الصيفي. ويؤكد صاحبها محمد بن براهيم، في تصريح لـ "الخبر"، أن رفع منحة السفر خلق ديناميكية جديدة داخل القطاع، انعكست مباشرة على حجم الطلبات التي تستقبلها الوكالة يوميا.

وكشف المتحدث أن المنحة الجديدة منحت الجزائريين هامشا ماليا أكبر، ما شجعهم على التفكير في السفر إلى وجهات كانت في السابق تعد مرتفعة التكلفة أو خارج ميزانية الكثير من العائلات، مضيفا أن الأمر لم يقتصر على زيادة عدد المسافرين، بل شمل أيضا تغيرا في طبيعة الوجهات المطلوبة.

وقال صاحب الوكالة أن الطلب لم يعد يتركز فقط على الوجهات التقليدية، بل اتجه عدد متزايد من الزبائن إلى دول أوروبية وآسيوية، على غرار إسبانيا، إيطاليا، اليونان وتركيا، إلى جانب اهتمام متزايد بوجهات مثل جورجيا وماليزيا، وهو ما يعكس رغبة المسافر الجزائري في خوض تجارب سياحية جديدة.

وأشار إلى أن تونس لا تزال تحافظ على مكانتها كوجهة مفضلة لدى شريحة واسعة من الجزائريين، غير أنها لم تعد الخيار الوحيد، حيث أصبح المسافر أكثر ميلا إلى تنويع وجهاته والاستفادة من الفرص التي أتاحتها المنحة الجديدة.

وأضاف أن المنحة ساهمت، في بعض الحالات، في تمديد مدة الإقامة وتحسين مستوى الخدمات التي يختارها الزبائن، إذ أصبح كثير منهم يفضلون الإقامة في فنادق ذات تصنيف أعلى أو اقتناء برامج سياحية متكاملة تشمل الجولات والأنشطة المختلفة.

وفي المقابل، شدد بن براهيم على أن ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والإقامة ما يزال يشكل عاملا مؤثرا في قرارات السفر، مؤكدا أن المنحة خففت من الأعباء المالية لكنها لم تُلغِ تأثير ارتفاع الأسعار، وهو ما يدفع الزبائن إلى البحث عن العروض الترويجية والحجز المبكر للحصول على أفضل الأسعار.

وأكد أن الموسم الحالي يشهد إقبالا أكبر على السفر العائلي مقارنة بالسنوات الماضية، متوقعا أن تتواصل هذه الديناميكية خلال الفترة المقبلة مع تنامي اهتمام الجزائريين باكتشاف وجهات سياحية جديدة والاستفادة من التسهيلات المالية.

قراءة مختلفة... المنحة فتحت بابا للاستغلال

ومن أجل الاستفسار أكثر عن الموضوع، اتصلنا بصاحب وكالة "ساندنروك ترافل" المتواجدة بقسنطينة، قدم لنا صاحبها كريم زيتوني رؤية مختلفة لتداعيات رفع منحة السفر.

وكشف صاحب الوكالة أن قرار رفع منحة السفر إلى 750 أورو، ورغم مساهمته في تشجيع عدد من الجزائريين على التفكير في السفر، إلا أنه أفرز، حسب رأيه، بعض الانعكاسات السلبية، أبرزها استغلال المنحة من قبل جهات لا تنشط في المجال السياحي، الأمر الذي اعتبره سببا في استنزاف جزء معتبر من خزينة الدولة.

وأوضح المتحدث أن بعض الأشخاص، خاصة في المناطق الحدودية على غرار القالة وسوق أهراس، أصبحوا يستغلون هذه المنحة من خلال تنظيم رحلات نحو مراقد أو فنادق بتونس، حيث يتم نقل المواطنين من أماكن إقامتهم بغرض تمكينهم من الاستفادة من منحة السفر، دون أن يكون الهدف الأساسي القيام برحلة سياحية حقيقية أو الإقامة لفترة معتبرة.

وأضاف أن هذه الجهات تقوم باستئجار حافلات وجمع أعداد كبيرة من المواطنين، ثم مرافقتهم إلى الجانب التونسي للاستفادة من المنحة، مؤكدا أن الشخص الذي ينظم هذه العمليات قد يحقق أرباحا تصل إلى حوالي سبعة ملايين سنتيم، وهو ما فتح المجال أمام أشخاص ليست لهم أي علاقة بقطاع السياحة للدخول في هذا النشاط واستغلال الامتياز المالي الذي وفرته الدولة.

وأشار صاحب الوكالة إلى أن المنحة، بصيغتها الحالية، لم تغير كثيرا من سلوك فئة من الجزائريين الذين اعتادوا السفر سنويا، موضحا أن هناك من تخصص ميزانية قد تصل إلى 150 مليون سنتيم لقضاء عطلها خارج الوطن، في حين تكتفي فئة أخرى بميزانية تتراوح بين 40 و50 مليون سنتيم، مؤكدا أن هذه الفئات كانت تسافر بشكل منتظم حتى قبل رفع قيمة منحة السفر.

وفي هذا السياق، دعا المتحدث إلى إعادة النظر في آلية الاستفادة من المنحة، مقترحا أن يتم صرفها عبر الوكالات السياحية المعتمدة بدلا من تسليمها مباشرة للمواطن. وأوضح أن المسافر يمكنه التوجه إلى وكالة سياحية للحصول على عرض سعر (Devis) يتضمن تفاصيل الرحلة، لتتولى الوكالة بعدها جميع الإجراءات المتعلقة بالسفر، بما فيها إجراءات صرف المنحة، وهو ما من شأنه، حسب رأيه، ضمان توجيه الدعم إلى المسافرين الحقيقيين، والحد من التجاوزات والاستغلال غير المشروع.

وفيما يتعلق بالوجهات الأكثر طلبا، أكد كريم أن تونس لا تزال تتصدر قائمة الوجهات المفضلة لدى الجزائريين، خاصة بعد رفع قيمة منحة السفر، نظرا لقربها الجغرافي وانخفاض تكاليفها مقارنة بوجهات أخرى، تليها مصر ثم تركيا، إلى جانب وجهات سياحية أخرى بدأت تستقطب اهتمام المسافرين الجزائريين.

المنحة غيرت طريقة السفر أكثر من مدة الإقامة

ورغم اختلاف وجهات النظر، يتفق أصحاب الوكالات الثلاث على أن المنحة غيرت سلوك المسافر الجزائري أكثر مما غيرت مدة رحلته. فالكثير من الزبائن فضلوا استغلال المبلغ الإضافي لتحسين مستوى الإقامة والخدمات، بدل تمديد عدد أيام العطلة.

كما لاحظت الوكالات ارتفاعا في الطلب على العروض العائلية، وعلى البرامج التي تشمل التنقلات الداخلية والزيارات السياحية، وهو ما يعكس اهتماما متزايدا بجودة التجربة السياحية، وليس فقط بالسفر في حد ذاته.

وفي المقابل، يبقى ارتفاع أسعار النقل الجوي والإقامة العامل الأكثر تأثيرا، خاصة بالنسبة للوجهات البعيدة، وهو ما يجعل الكثير من المسافرين يوازنون بين قيمة المنحة والتكاليف الإجمالية قبل حسم اختيارهم.

وجهات أكثر... لكن القرار تحكمه الميزانية

وتخلص الجولة التي قامت بها "الخبر" بين الوكالات السياحية إلى أن منحة 750 أورو أحدثت بالفعل تحولا في خريطة سفر الجزائريين، إذ فتحت الباب أمام وجهات جديدة، وشجعت عددا أكبر من المواطنين على التفكير في السفر خارج الوطن، كما ساهمت في تنشيط نشاط الوكالات ورفع وتيرة الحجوزات والاستفسارات.

غير أن هذا التحول لا يعني تراجع الوجهات التقليدية، إذ ما تزال تونس تتربع على رأس القائمة، تليها تركيا ومصر، بفضل قربها الجغرافي وتنوع عروضها وأسعارها التي تبقى في متناول شريحة واسعة من الجزائريين.

وفي المقابل، بدأت دول مثل جورجيا، أذربيجان، اليونان، إسبانيا، ماليزيا والصين تحجز لنفسها مكانا ضمن خارطة السفر، في مؤشر على تغير تدريجي في ذهنية المسافر الجزائري، الذي أصبح أكثر ميلا إلى اكتشاف وجهات جديدة كلما سمحت له إمكانياته المالية بذلك.

وبين الأثر الإيجابي للمنحة والتحديات التي يفرضها غلاء النقل والإقامة، يبدو أن سوق السياحة بالجزائر دخل مرحلة جديدة، عنوانها تنوع الخيارات، وارتفاع سقف تطلعات المسافر، مع استمرار المطالبة بإجراءات مرافقة من شأنها تعزيز فعالية المنحة وضمان استفادة القطاع السياحي منها بالشكل الأمثل.