الوطن

الوكلاء يشعلون الأسعار والمستهلك يدفع الثمن

هناك حلقة مفقودة في مسار انتقال المنتجات من الفلاح إلى المستهلك النهائي، لا تزال حقيقتها بعيدة عن التداول والوضوح.

  • 395
  • 3:13 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

درسنا في الاقتصاد أن هناك يدا خفية تحرك خيوط العرض والطلب في الأسواق، ودرسنا أيضا أن الأسعار تتحدد وفق حركة منحنيات العرض والطلب. وبعبارة أخرى، كلما ندرت السلع والخدمات في السوق، زاد الطلب عليها، وعندما يصبح المعروض غير كاف لتلبية الطلبيات، يضطر المنتج أو الموزع أو التجار، سواء تجار الجملة أو التجزئة، إلى رفع الأسعار، رضوخا لضغوط الموردين أو تجار الجملة.

ودرسنا أيضا أن أسعار المنتجات الغذائية ذات المصدر الزراعي، من خضر وفواكه، تتأثر بالظروف المناخية وبوسائل الإنتاج التي تتحكم في تكلفته، بدءا من البذور والأسمدة والمياه والطاقة الكهربائية، وصولا إلى النقل والتأمين، وغيرها من العوامل.

لكن ما لم ندرسه هو أن هذه القواعد لا يبدو أن لها مكانا في أسواقنا، حيث يغني كل واحد على ليلاه، ويتحكم كل طرف في السلعة التي بين يديه، فيحدد سعرها من البداية إلى النهاية، بينما يدفع المستهلك وحده الثمن.

وعندما تسأل الفلاح، تجده يتهم الوكلاء، والعكس صحيح. أما المستهلك النهائي، فيجيبك بحيرة: لم نعد نفهم شيئا! فكل شيء، كما يقال، يوفر للفلاح بدعم من الدولة، من الكهرباء والماء والنقل إلى الأسمدة، وحتى الإرشادات التي يقدمها المهندسون الفلاحيون، الموضوعون تحت تصرف الفلاحين، صغارا وكبارا.

وليعلم الرأي العام الوطني أن الروايات التي يتحجج بها بعض التجار والوسطاء تثير الكثير من الشكوك، وأن هناك حلقة مفقودة في مسار انتقال المنتجات من الفلاح إلى المستهلك النهائي، لا تزال حقيقتها بعيدة عن التداول والوضوح. وهي حقيقة يفترض أن تكشفها الجهات الرقابية، إلى جانب جمعيات حماية المستهلك التي يطرح أداؤها بدوره تساؤلات، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار. وهناك طرف آخر مهم يفترض أنه يملك معطيات عن هذه الممارسات، لكنه لا يكشف عنها للرأي العام، حتى عبر التلفزيون العمومي، وهو اتحاد الفلاحين.

الحقيقة أن مكمن الخلل يوجد في أسواق الجملة! إنها، في نظر كثيرين، أشبه بجمهوريات داخل الجمهورية، يتحكم فيها فاعلون لا يشتبه في أدوارهم عادة، لكن ممارساتهم تساهم في تأجيج الأسعار وإثقال جيوب المستهلكين، وفي مقدمتهم الوسطاء.

أولا، على مستوى البلديات، ينبغي أن يعلم المستهلك أن أسواق الجملة الواقعة تحت إشرافها تعمل، حسب ما تكشفه الممارسات، في ظل ضعف الرقابة وغياب قواعد واضحة تضبط نشاطها. فالبلدية تؤجر السوق لمن يدفع أكثر في المزاد، إذ بعدما كانت قيمة الإيجار تقدر بالملايين، أصبحت بالمليارات. ولكم أن تتصوروا كيف يسترجع الفائز بالصفقة أمواله خلال عام واحد، ومن الطبيعي أن يسعى إلى تعويض ما دفعه عبر فرض شروطه على التجار المستأجرين للمربعات داخل السوق.

ثانيا، هناك أسواق الجملة العمومية التي تتبع، من حيث المبدأ، وزارة التجارة الداخلية، وتقع على عاتقها مسؤولية مراقبتها وضبط نشاطها وتنظيمها. ومع ذلك، تطرح طريقة تسيير هذه الأسواق، وما تشهده من مضاربة في أسعار استغلال المربعات، تساؤلات بشأن مدى فعالية الرقابة المفروضة عليها، خصوصا أن بعض الممارسات لا تختلف كثيرا عما يجري في الأسواق التابعة للبلديات.
ثالثا، هناك ما يعرف بـ"المكس"، وما أدراك ما "المكس"! فالشخص الذي يمارسه يسمى "المكاس"، ويتولى فرض إتاوات على الشاحنات عند دخول السوق، حسب الوزن والحجم. وبعدما كانت هذه الإتاوات تقدر بألف أو ألفي دينار، أصبحت، حسب ما يثار بشأنها، تصل إلى مبالغ بالملايين، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعتها القانونية وكيفية تحديدها ومراقبتها.

رابعا، وفوق هذا وذاك، تفتقر أسواق الجملة، البلدية منها والعمومية، إلى جداول واضحة وملزمة تحدد الأسعار المرجعية للمنتجات، في ظل ما يمكن وصفه بالأسعار المتقلبة. إذ يحدد كل تاجر أو صاحب مربع السعر وفق حساباته الخاصة، وتتحكم المزايدات في تحديد أسعار الجملة، من دون ضوابط واضحة أو سقف معلوم، وفي أحيان كثيرة من دون مراعاة السعر الذي اشترى به المنتوج من الفلاح.

ويضاف إلى ذلك غياب الفواتير في المعاملات، وضعف الإطار الرقابي الذي يضمن شفافية تحديد هوامش الربح عبر مختلف حلقات التسويق، من الفلاح إلى الوكيل، ثم تاجر الجملة، فتاجر التجزئة، وصولا إلى المستهلك النهائي، أي المواطن الذي يتحمل في نهاية المطاف عبء هذه الزيادات.

ألم يحن الوقت للتكفل بملف الوكلاء في أسواق الجملة؟ أليس من حق المواطنين أن تضطلع وزارة التجارة الداخلية بمسؤولياتها في مراقبة هذه الأسواق وتنظيمها، من دون تقاعس أو تردد؟ ولماذا لا تطبق السلطات العمومية المكلفة بالرقابة القانون بصرامة، حماية للقدرة الشرائية وصونا للسلم الاجتماعي، ووضع حد لممارسات تتيح لفئة من المتعاملين تحقيق أرباح سهلة على حساب المواطنين؟