الوطن

هل يمر قانون المالية من دون تعديلات؟

نقاش هادئ حول القدرة الشرائية والتوازنات المالية وفعالية الإنفاق العمومي وأولويات التنمية المحلية.

  • 284
  • 3:57 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

أثار وزير المالية، محمد لمين لبو، إمكانية مراجعة أسعار الوقود، وذلك خلال عرضه مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام نواب المجلس الشعبي الوطني، في خطوة تهدف إلى إبقاء النقاش مفتوحا أمام هذا الخيار.

وجاء إعلان الوزير في ختام عرضه للتدابير التشريعية المقترحة أمام نواب المجلس الشعبي الوطني، متحدثا صراحة عن هذا التدبير المنصوص عليه في المادة 218 بما يتيح لمنح الجهات المعنية عند الحاجة إمكانية مراجعة أسعار الوقود، في إشارة تفتح المجال أمام تحيين الأسعار مستقبلا بما تراه سلطة المحروقات. والتقط النواب هذه الإشارات بنفس الاهتمام الذي أثاره الملف الشائك خلال اجتماعات اللجنة المالية معه خلال عرض ومناقشة المشروع وعند مناقشة ميزانيتي قطاعي المحروقات والطاقة بالنسبة للكهرباء، علما أن اللجنة المالية لم تعارضه رغم محاولات أعضاء فيها إلغاءه، لكنها اشترطت عبر تعديل لها إعطاء البرلمان حق النظر في القرار.

ويرتقب أن يستغل وزير المالية جلسة الرد لتقديم مزيد من التوضيحات، زيادة على تلك التي قدمها عرقاب أمام اللجنة والتي شدد فيها على عدم وجود خطط حالية لزيادة الأسعار، مع الحاجة لمراجعة التسعير الذي يستفيد منه شركاء أجانب عاملون بالجزائر.

وأشار وزير المالية في عرضه إلى أن مشروع قانون المالية يندرج ضمن التوجه الرامي إلى تفادي فرض أعباء ضريبية جديدة من شأنها المساس بالقدرة الشرائية للمواطنين لاسيما الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 4 أكتوبر الماضي.

وكشف الوزير عن تخصيص 4415.35 مليار دينار كاعتمادات دفع لنفقات التحويلات الاجتماعية، منها 717.7 مليار دينار لدعم المواد واسعة الاستهلاك، فيما بلغت التحويلات لفائدة الأشخاص 2414.15 مليار دينار و517.5 مليار دينار لقطاع السكن و368 مليار دينار لبرامج الإدماج من بينها 21 مليار دينار لمنحة البطالة و158 مليار دينار لإدماج موظفي الجماعات المحلية، مع إعلان فتح 125.675 منصب شغل منها 82.948 منصبا إضافيا من بينها 46.223 منصبا بقطاع التربية و28.329 منصبا بقطاع الصحة، وإبراز حجم الاعتمادات المعتبرة لدعم النشاط الاقتصادي من بينها 395.88 مليار دينار للتحويلات الموجهة للمؤسسات، و80 مليار دينار لدعم سعر الفائدة و50 مليار دينار لمرافقة المؤسسات الاقتصادية التي تواجه صعوبات، إضافة إلى 80.76 مليار دينار لدعم التنمية الفلاحية. زيادة عن تدابير تحفيزية لفائدة المؤسسات الناشئة وحاضنات الأعمال عبر تمديد مدة الإعفاء من الضريبة على أرباح الشركات والضريبة على الدخل الإجمالي إلى خمس سنوات بدلا من سنتين، مع منح تخفيض في الحقوق الجمركية إلى 5 بالمائة على التجهيزات المستوردة الضرورية لإنجاز استثماراتها، وتخفيض ضريبي بنسبة 30 بالمائة لمدة خمس سنوات لفائدة الشركات غير المدرجة في البورصة التي تمتلك فيها هيئات توظيف جماعي ذات رأس مال مخاطر أو صناديق استثمار مشترك حصة لا تقل عن 30 بالمائة من رأس المال أو حقوق التصويت.

كما تضم الإصلاحات إعادة تنظيم الإطار المؤسساتي للاستثمار عبر تكريس الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار والمجلس الوطني للاستثمار والشباك الوحيد للاستثمار، مع تمكين الإدارة الجبائية من القيام بإجراءات فتح الملفات الجبائية والتوقيع وتسليم الوثائق على مستواه.

وقدرت التكلفة الإجمالية للمشاريع الهيكلية بـ3.689.93 مليار دينار، تشمل منجم الحديد بغارا جبيلات، الفوسفات المدمج، خط الجزائر تمنراست والربط الطاقوي للمشاريع الكبرى والمحيطات الفلاحية بالجنوب.

نقاش هادئ

وقد طبع الهدوء النقاش العام في الفترة الصباحية لليوم الأول من المناقشات رغم الانشغالات التي عبّر عنها النواب بخصوص السياسات الحكومية المتعلقة بوضعية التوازنات المالية وغياب مخطط عمل الحكومة لتقييم حصيلتها، فيما غابت القضايا الخارجية عن الأجندة.

وركز نواب حركة مجتمع السلم على التوازنات المالية للمشروع لاسيما حجم العجز الميزانياتي ومصادر تمويله وانعكاساته المحتملة على السيولة والتضخم، داعين إلى توضيح إستراتيجية الحكومة لتنويع مصادر الإيرادات وتقليص الاعتماد على المحروقات دون فرض أعباء ضريبية إضافية، وإثارة مسألة غياب مخطط عمل الحكومة وحصيلة الجهاز التنفيذي.

وتطرق نواب التجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء لضرورة مراجعة آليات الدعم الاجتماعي وتحسين توجيهه إلى الفئات المستحقة مع مراعاة الفوارق في الدخل، مؤكدين أهمية الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية وعدم المساس بالقدرة الشرائية.

وتقاسم نواب جبهة التحرير الوطني التصورات المطالبة بتحسين مردودية الإنفاق العمومي وربط الاعتمادات المالية بمؤشرات الأداء والنتائج المحققة بدل الاكتفاء بمستويات الاستهلاك المالي، مع الدعوة إلى متابعة تنفيذ المشاريع واحترام آجال إنجازها وتكاليفها.

وقاطعت تدخلات النواب بخصوص الحاجة لتسريع تسوية مستحقات المؤسسات لاسيما الصغيرة والمتوسطة بما يضمن استمرارية نشاطها والمحافظة على مناصب الشغل، إضافة إلى طرح عدة انشغالات تتعلق بتفاوت توزيع المشاريع والاعتمادات بين الولايات، ونقص المنشآت الصحية والتجهيزات، والحاجة إلى تعزيز برامج السكن والتهيئة الحضرية، وإنجاز مناطق النشاطات الصناعية والفلاحية، وتحسين الربط بشبكات المياه والكهرباء، وسط دعوات لتحقيق التوازن بين التوسع في المنشآت العمومية وتوفير الموارد البشرية اللازمة لتشغيلها خاصة في قطاع الصحة، إلى جانب الدعوة إلى تسريع إنجاز المشاريع المتعثرة وتقييم أسباب تأخرها.

واستعرض النواب خلال الجلسات متطلبات التنمية المحلية عبر مختلف الولايات مبرزين التفاوت المسجل في توزيع الاعتمادات، ومطالبين بضرورة إيلاء عناية أكبر للمناطق المحرومة والولايات الحدودية والتاريخية التي تنتظر مشاريع هيكلية كبرى لرفع الغبن عن مواطنيها وتوفير مرافق أساسية تليق بتطلعاتهم في التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وتجسيد المشاريع الميدانية في آجالها المحددة بما يضمن تحسين الإطار المعيشي للمواطن ويعزز الديناميكية الاقتصادية الوطنية في ظل التوجهات العامة للدولة الرامية إلى بناء اقتصاد منتج ومتنوع بعيد عن التبعية المطلقة للمحروقات وتحقيق توازن مالي واجتماعي شامل عبر كافة ربوع الوطن.