مجتمع

كيف نتعامل مع المساحات الغابية المحروقة؟

الباحث البيئي، خالد فوضيل يجيب عن ذلك.

  • 620
  • 3:00 دقيقة
الصورة: الحماية المدنية الجزائرية
الصورة: الحماية المدنية الجزائرية

وجه عدد من المهتمين بالبيئة والجمعيات الخضراء، تنبيهات عبر صفحاتهم الرسمية، إلى السلطات العليا وإلى مسؤولي قطاع الغابات، بالتدخل الحازم لوقف ومنع كل المبادرات وحملات التشجير العشوائية التي يطلقها أصحاب الصفحات الافتراضية وصنّاع المحتوى، فهذه الحملات رغم حسن نواياها أصبحت تهديدا صريحا يقضي على ما تبقى من التراث الغابي ويكسر مسارات التجديد الطبيعي.

ويؤكد هؤلاء "أن فضاءاتنا الغابية ومحيطنا الحيوي، لا يحتاجان إلى غرس عشوائي يزيد هشاشة الأرض، بل يتطلبان استراتيجية وطنية محكمة لإعادة ترميم النظم الإيكولوجية، وفق بروتوكولات علمية صارمة تقودها الهيئات الرسمية والمراكز البحثية المتخصصة، ولشراكة حقيقية وميدانية مع الجمعيات البيئية ذات الخبرة والمعرفة التقنية بالأقاليم الغابية"، مؤكدين أن هذه المناطق تعد موروثا بيئيا معقدا يحتاج إلى مختصين لا إلى حملات فايسبوكية تعيد إنتاج الكوارث.

"دعوا الغابات المحروقة تتجدد طبيعيا"

 ويرى الدكتور والباحث البيئي، الأستاذ الجامعي في معهد تسيير التقنيات الحضرية جامعة قسنطينة 3، خالد فوضيل، في تصريح لـ"الخبر"، أنه يجب فرض تنوع شجري وشجيري مدروس لكسر استمرارية الكتلة الحيوية القابلة للاشتعال وتفادي الكوارث المتكررة، مع التركيز على خطة رعاية وحماية ممتدة لثلاث سنوات بعد الغرس في ولايتي جيجل وبجاية والولايات المتضررة من الحرائق، محذرا في نفس الوقت من حملات التشجير العشوائية وغير المؤطرة علميا والتي تستخدم أحياناً أصنافاً غريبة أو تغرس في مواسم غير ملائمة وتترك الشتلات لمصيرها.

وردا على سؤال حول ما إذا كان التجديد الطبيعي أفضل أم إعادة غرس الغابات المحروقة التي لا يتدخل فيها الرعي الجائر وتتجدد طبيعياً؟ أجاب: "نعم وبشكل قاطع، التجديد الطبيعي يتفوق علميا وبيئيا واقتصاديا على التدخل البشري ما دام بنك البذور في التربة حيا ولم يحدث انجراف حاد، حيث إن الشتلات الناتجة طبيعيا تمتلك توافقا جينيا متوارثا يجعلها أقدر على مقاومة الجفاف والأمراض الموضعية، كما تبني مجمعا جذريا وتديا أعمق وأقوى مقارنة بشتلات المشاتل، مما يعزز قدرتها على تثبيت التربة وامتصاص المياه العميقة".

 وأضاف: "التجديد الذاتي يضمن استعادة التوازن البيولوجي الأصلي ويجنبنا خطأ الزراعات الأحادية الهشة التي يفرضها التدخل البشري والتي غالبا ما تتحول إلى وقود سريع للاشتعال مستقبلا".

 وتابع: "التدخل العلمي لا يعني غرس الشتلات عشوائيا لمجرد ملء الفراغ، بل يخضع لبروتوكول صارم يبدأ بالمراقبة والتقييم والانتظار لموسم أو موسمين لمعاينة قدرة النظام البيئي على التعافي الذاتي، وفي حال ثبوت الحاجة للغرس، يجب احترام التوطن البيئي باختيار أنواع محلية متأقلمة وتجنب الأصناف الدخيلة، مع فرض تنوع شجري وشجيري مدروس لكسر استمرارية الكتلة الحيوية القابلة للاشتعال وتفادي الكوارث المتكررة، ويتكامل ذلك مع تطبيق تقنيات ميكانيكية دقيقة لحفظ التربة والمياه كالمصاطب الصغيرة دون تجريف الطبقة السطحية الخصبة، والتركيز على خطة رعاية وحماية ممتدة لثلاث سنوات بعد الغرس بدلا من الاكتفاء بالأرقام الاستعراضية لحملات التشجير".

 وعن الوقت الذي تستغرقه عملية التجدد الطبيعي، كشف محدثنا: "بالمعنى العلمي الدقيق، لا يمكن استرجاع الغابة بنسبة 100%؛ فالحرائق الشديدة تحدث تغيرا لا رجعة فيه في الخواص الفيزيوكيميائية للتربة وميكروبيولوجيتها، كما تفقد الموائل المعقدة التي أسستها الأشجار المعمرة لعقود. ما نسترجعه هو الوظيفة الهيدرولوجية والبيئية للنظام.

زمنيا، حيث تتطلب أولا استعادة الطبقة العشبية والشجيرية وتثبيت التربة من 3 إلى 5 سنوات، بينما يستغرق تشكل غابة شابة واستعادة دورة الكربون والكتلة الحيوية من 15 إلى 25 سنة، في حين يحتاج النظام البيئي من 50 إلى 80 سنة فأكثر ليصل إلى مرحلة النضج الحرجي الكامل واستعادة التنوع البيولوجي والمناخ الموضعي الأصلي".

 أما السلوكيات التي يمكن أن تؤثر سلبا على عملية التجديد، قال: "يأتي في مقدمتها التسرع في استغلال الخشب المحروق عبر إدخال الآليات الثقيلة لقطعه ونقله، وهو ما يسبب دكا كارثيا للتربة ويسحق البذور الكامنة والبراعم الفتية ويفاقم الانجراف بفعل الأمطار، يليه السلوك البشري المتمثل في حملات التشجير العشوائية وغير المؤطرة علميا والتي تستخدم أحيانا أصنافا غريبة أو تغرس في مواسم غير ملائمة وتترك الشتلات لمصيرها، يضاف إليه الدوس والأنشطة البشرية المكثفة وحركة المركبات في المناطق الحساسة قيد التعافي، وعدم ضبط الأنشطة القريبة من الحواف الحرجية والتي تهدد بنشوب حرائق متتالية تقضي تماما على أي محاولة للاستشفاء الذاتي".