لم يعتد الجزائريون طبعا على زيارة شخصية دينية غير مسلمة بهذا المستوى، لهذا ظهر نوع من الجدل بشأن سبب هذه الزيارة، وبحكم تعلق الجزائريين بالسياسة فتح البعض باب التكهنات محاولين الإجابة على سؤال واحد: لماذا زار البابا الجزائر؟
لن أخوض في خلفيات زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، فهناك من هم أعرف مني، ولكن سأكتفي بملاحظات أراها ضرورية لتأطير هذه الزيارة بما يسهل على العامة فهم ما يجري.
أولا؛ البابا لم يأت إلى الجزائر ليخرجها من الإسلام.
ثانيا؛ الاستعمار الفرنسي لمدة قرن ونصف لم يستطع ذلك. الكاردينال لافيجري لم يستطع فعل ذلك.
ثالثا وهذا اعتقادي؛ البابا جاء يزور "أرض ملهمه القديس أوغستين" وأحيانا تكون مثل هذه الزيارات شخصية. وتلبية مثل هذه الطلبات يكون من باب المجاملة وإظهار الاحترام.
الآن: ماذا تستفيد الجزائر من زيارة البابا؟
بالنسبة للجزائر، تتجه العلاقات مع أوروبا منذ فترة وتحديدا عبر بوابة إيطاليا في منحى تصاعدي، وإذا دخل البابا على الخط، فسيكون ذلك في مصلحة الجزائر بالتأكيد، بالنظر إلى مكانة البابا لدى المسيحيين وقادة الدول المسيحية.
لابد أن نشير إلى أن رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني زارت منطقة الخليج والجزائر فقط وأكدت أن دول الخليج والجزائر شريك موثوق.
جورجيا ميلوني لا تتحدث باسم إيطاليا فقط وإنما باسم أوروبا، لأنها تزود مئات الملايين من سكان القارة الأوروبية بالغاز الجزائري. لقد كانت الجزائر ولاتزال تبعث برسائل طمأنة لشركائها في العالم، في فترات السلم والحرب، كما نشهد هذه الأيام.
يزداد الدور الجزائري أهمية حين نعرف الخطط المستقبلية لأنبوب الغاز الصحراوي العابر من نيجيريا نحو أوروبا عبر الجزائر (نيغال). نحن نتحدث هنا عن ربط أقصى أوروبا بأدنى إفريقيا في مجال الطاقة. الجزائر ستكون بذلك مصدر أمان طاقوي لأوروبا لعقود من الزمن، وفي هذا مصلحة للجميع بالتأكيد، ولكن بالخصوص: الجزائر، إيطاليا، تونس، النيجر، نيجيريا.
لكن هناك أسئلة أخرى ظهرت تخص فرنسا في ظل حالة الجفاء بين باريس والجزائر.
ولمن يرى أن البابا جاء يحمل رسالة من الرئيس الفرنسي، فهذا الأخير هو من يحتاج البابا والجزائر وليس العكس.. إذن: مرحبا بالبابا إذا كان سيساعد في حل مشاكل الجزائر مع خصومها.
من المهم هنا معرفة أن الجزائر في مرحلة إعادة البناء، بعد سنوات الإرهاب، ومن حق الجزائريين أن يعيشوا أعوام الخير كما عاشوا سنوات البؤس. من المهم للجزائر أن ترسل رسائل طمأنة لجيرانها وللعالم. من المهم أيضا عدم استنزاف طاقة الجزائر، سواء المؤسسات السياسية أو مؤسسة الجيش أو المجتمع. نحتاج لثقافة البناء والرخاء. لنتعلم من الصين التي تواصل تطورها عسكريا وتقنيا لكنها ترفض كل دعوة للحرب. لنتعلم تنويع شراكاتنا الدولية وبناء شبكة صداقات تقوم على المصلحة دون تقديم تنازلات تنال من كرامة الجزائر وقرارها السيادي.
في الخلاصة وهذا رأيي طبعا: زيارة البابا إلى الجزائر أعادت ذكر اسم الجزائر إلى الساحة الدولية بما هو إيجابي، كما كان دور الأمير عبد القادر، مؤسس دولة الجزائر، حين حمى آلاف المسيحيين في المشرق من المذابح.
زيارة البابا إلى الجزائر تقول إن الجزائر دولة مسلمة منفتحة على الآخر وتمد يدها للمساعدة عند الحاجة، وهي ضامن استقرار في شمال إفريقيا وحتى جنوبها. هذه هي الرسالة التي تبعث بها الجزائر لشركائها في العالم.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال