تعود الباحثة والروائية الدكتورة فضيلة ملهاق إلى الساحة الأدبية بعمل روائي جديد يتناول سيرة الملك يوبا الثاني، تحت عنوان "يوبا الثاني.. عرائس القيصريّة".
وتقدم هذه الرواية عملا سرديا يستند إلى بحث تاريخي دقيق، يغوص في العلاقة المعقدة بين الإمبراطورية الرومانية وشمال أفريقيا والمشرق العربي، معتمدة على مصادر أكاديمية وطنية وأجنبية. أكدت الروائية فضيلة ملهاق، في تصريح خاص لـ"الخبر"، أن هذا العمل الأدبي يعد سباقا في تناوله لسيرة الملك العظيم يوبا الثاني روائيا، بعد أن ظل حضوره في الأدب العربي والعالمي محدودا في إشارات عابرة أو أعمال مسرحية، من دون أن يُتناول كبطل روائي مستقل.
وأوضحت أن الرواية، على خلاف السير التقليدية التي تكتب من منظور السلطة، تأتي "من الهامش؛ من أصوات العبيد الذين عايشوا حياة الملك عن قرب. أصوات لا تملك سلطة التزييف، لكنها تملك الذاكرة، فتمنح التاريخ رواية بديلة لا تمجّد بقدر ما تُنصف".
تقدم ملهاق في روايتها "يوبا الثاني" ليس كملك فقط، بل كإنسان تشكّل في قلب التناقض: بين الانتماء والاغتراب، وبين السلطة المفروضة والهوية الممزقة. إنه طفل اقتُلع من أرضه، وربّته روما في بلاط يوليوس قيصر، حيث امتزج التعليم بالهيمنة، والوعد بالارتهان.

وعندما عاد إلى عرش موريتانيا، لم يعد وريثا بريئا، بل حاكما مشروطا، تحكمه توازنات معقدة بين إرث نوميديا ومصالح روما. ومن هنا تتصاعد الأسئلة الكبرى التي تطرحها الرواية: هل كان حليفا أم أداة؟ منقذا لشعبه أم غريبا عنه؟ ومن خلال هذه الجدلية، تتحول الرواية إلى مرآة تتجاوز الماضي، لتطرح أسئلة لا تزال حيّة في الحاضر، حيث تستمر أنماط الهيمنة والتبعية في أشكال جديدة، وكأن التاريخ لم ينته، بل أعاد كتابة نفسه بوجوه مختلفة.
تدور الرواية حول شخصية تاريخية حقيقية هي الملك النوميدي يوبا الثاني، أحد أبرز ملوك شمال إفريقيا في العصر الروماني، والذي اشتهر بثقافته الواسعة وعلاقاته مع روما وزواجه من كليوباترا سيليني (ابنة كليوباترا السابعة ومارك أنطونيوس).
تعيد فضيلة ملهاق من خلال هذا العمل، تخيّل سيرة يوبا الثاني بأسلوب روائي، فتقدّمه ليس فقط كملك تاريخي، بل كإنسان عاش صراعات بين هويته الأمازيغية والنوميدية، وتأثير الثقافة الرومانية التي نشأ داخلها، ومسؤوليته السياسية كحاكم لمملكة موريتانيا القديمة.
تمزج الرواية بين التاريخ والخيال، وتركز على الجوانب الإنسانية: الطفولة، التكوين الثقافي، الحب، والسياسة، أكثر من التركيز على الأحداث الجافة.
وتعد رواية "يوبا الثاني.. عرائس القيصريّة" ضمن الأعمال التي تحاول إحياء التاريخ بأسلوب سردي، وهي ليست مصدرا تاريخيا مباشرا، لكنها تساعد القارئ على فهم الشخصية من زاوية إنسانية وثقافية. هذا و تعد الدكتورة فضيلة ملهاق كاتبة جزائرية تهتم بإعادة قراءة التاريخ الجزائري والشمال إفريقي عبر الرواية، وغالباً ما تشتغل على شخصيات تاريخية لتقديمها في قالب أدبي حديث. كما تعتبر ملهاق صاحبة أول عمل أدبي جزائري يُترجم إلى اللغة الأوردية في باكستان وشبه القارة الهندية.
ففي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الثقافية بين الجزائر وباكستان، نشرت جامعة العلامة محمد إقبال المفتوحة بإسلام آباد أوّل رواية جزائرية باللغة الأوردية للكاتبة فضيلة ملهاق، في طبعة ثانية بعنوان "حينما تشتهيك الحياة"، مع مقدمة بقلم رئيس الجامعة البروفيسور ناصر محمود الذي أكّد على أهميّة دعم التواصل الثقافي بين البلدين الصديقين الجزائر وباكستان.
وقد تم إصدار مجموعة من أعمالها الأدبية باللغتين الأوردية والانجليزية من طرف جهات أكاديمية رفيعة في كل من كراتشي وإسلام آباد، وتمت الترجمة من طرف اساتذة ورؤساء أقسام جامعات مرموقة.
لاقت هذه الإصدارات صدى كبيرا في الأوساط الإعلامية والأكاديمية في باكستان والجزائر، وكانت محل ملتقيات ودراسات أكاديمية. كما كانت محل تكريم من طرف السيدة وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية في ماي 2024، بمناسبة تكريم الكاتبة ضمن مجموعة من نوابغ الجزائر، عن مجمل أعمالها العلمية والأدبية.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال