ثقافة

"ضحية الجمبري".. صفحة سوداء أخرى للاستعمار الفرنسي في الجزائر

للكاتب والإعلامي رفيق موهوب.

  • 845
  • 1:46 دقيقة
السفاح مارسيل بيجار، الصورة: ح.م.
السفاح مارسيل بيجار، الصورة: ح.م.

يختار الروائي والإعلامي موهوب رفيق عنوانًا صادمًا ودالًا لروايته الجديدة "ضحية الجمبري"، مستحضرًا من خلاله واحدة من أكثر الممارسات دموية وإثارة للجدل في تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر، والمعروفة بتسمية "جمبري بيجار" (Crevettes Bigeard)، المرتبطة بعمليات قتل مختطفين ومعتقلين جزائريين ورمي جثامينهم في البحر بعد تثقيلها بالإسمنت، خلال حرب التحرير، ولا سيما في فترة معركة الجزائر سنة 1957.

ولا يستمد العنوان قوته من غرابته فحسب، بل من الحمولة التاريخية والإنسانية التي تختزنها كلمة "الجمبري"، التي تحوَّلت في الذاكرة الجزائرية إلى رمز لمصير ضحايا اختفوا في مياه المتوسط، في سياق ممارسات القمع والتصفية خارج القانون التي ارتبطت بتلك المرحلة.

وقد أثارت هذه الوقائع شهادات تاريخية، فيما ظل الجنرال الفرنسي مارسيل بيجار ينفي مسؤولية قواته المباشرة عن هذه الممارسات. ومن خلال هذا العنوان، يضع موهوب رفيق القارئ أمام ذاكرة موجعة، ويمنح روايته مدخلًا يتجاوز الحكاية الفردية إلى استحضار مصير الإنسان الجزائري في مواجهة آلة الاستعمار.

 فـ"الضحية" في هذا السياق ليست مجرد شخصية روائية، بل إحالة إلى إنسان سُلب حقه في الحياة والكرامة، وإلى ذاكرة ظلت تطالب بكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.

 وتدور أحداث الرواية حول شخصية الطاهر، الذي يجد نفسه وسط شبكة معقدة من المطاردات والأسرار والتحولات التي عرفتها الجزائر خلال خمسينيات القرن الماضي.

 ومن خلال مساره، ينسج الكاتب خيوط حكاية تتقاطع فيها التجربة الإنسانية مع أجواء الثورة التحريرية، وتتحول فيها الوقائع المحيطة بالشخصية إلى مدخل لطرح أسئلة حول الخوف والنجاة ومصير الأفراد حين يصبحون ضحايا لصراعات أكبر منهم.

ويكتسب اختيار عنوان "ضحية الجمبري" أهمية خاصَّة، لأنه يستدعي واقعة تاريخية تتجاوز حدود الذاكرة الفردية، ويعيد طرح سؤال مصير المفقودين والضحايا الذين اِرتبطت أسماؤهم بممارسات القمع الاستعماري.

 كما يفتح المجال أمام الأدب لاستعادة صفحات مؤلمة من التاريخ الجزائري، لا بوصفها أحداثًا من الماضي فحسب، بل باِعتبارها ذاكرة إنسانية تستحق التوثيق والتأمل.

 وتأتي الرواية ضمن تجربة موهوب رفيق الأدبية، التي تشمل أعمالًا من بينها "الهراب" و"منام ميت" و"اللوكو"، في مسار يولي اهتمامًا للتاريخ الجزائري وتحولاته، ويبحث عن المساحات التي يمكن للسرد الروائي أن يكشف من خلالها ما وراء الوقائع والأحداث.

وبعنوانه المحمّل بالدلالات، يراهن موهوب رفيق في "ضحية الجمبري" على اِستثارة الذاكرة ولفت الانتباه إلى مأساة إنسانية ارتبطت بمرحلة الاستعمار، واضعًا القارئ أمام سؤال جوهري: كيف يمكن للكلمة الأدبية أن تستعيد أصوات الضحايا الذين حاول البحر أن يخفي آثارهم؟