ثقافة

من هو باتريس لومومبا؟

اسمه عاد إلى الواجهة بفضل كرة القدم.

  • 5955
  • 3:13 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

ساهم مناصر الكونغو الديمقراطية، ميشال كوكا، وخاصة بعد الذي حدث عقب مباراة منتخب بلاده ضد الجزائر، لإعادة إلى الواجهة، اسم شخصية إفريقية تركت بصمتها في تاريخ القارة.

فلم يكن باتريس إمري لومومبا رقما عابرا في تاريخ إفريقيا الحديث، بل كان عنوانا لمرحلة فاصلة حاولت فيها القارة أن تتحرر فعلياً من الاستعمار، لا شكلاً فقط. رجلٌ حمل حلم الاستقلال الكامل، وواجه به القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، فكان مصيره الاغتيال في واحدة من أكثر الجرائم السياسية دموية في القرن العشرين، جريمة اشتركت فيها أيادٍ داخلية وتواطؤ دولي.

من رحم الاستعمار إلى وعي التحرر

وُلد باتريس لومومبا سنة 1925، في كونغو خاضعة لواحد من أكثر أنظمة الاستعمار وحشية، وهو الاستعمار البلجيكي الذي حوّل البلاد، عقب مؤتمر برلين (1884-1885)، إلى ملكية خاصة للملك ليوبولد الثاني. ملايين الكونغوليين قضوا تحت سياسات السخرة ونهب الثروات، في وقت كانت فيه الكونغو تُستنزف لصالح الصناعة الأوروبية، خاصة المطاط والمعادن النادرة.

في هذا الواقع القاسي، تشكّل وعي لومومبا تدريجياً. لم يبدأ حياته السياسية منادياً بالاستقلال، بل طالب في بداياته بالمساواة بين الكونغوليين والبلجيكيين، وانخرط في الحزب الليبرالي البلجيكي، قبل أن يصطدم بجدار التمييز والقمع، ليدرك أن التحرر لا يكون إلا بالقطيعة الكاملة مع الاستعمار.

 الحركة الوطنية وصعود الزعيم

في عام 1958، أسس لومومبا “الحركة الوطنية الكونغولية”، رافعاً شعار الاستقلال، والوحدة الوطنية، والتوزيع العادل للثروات. سرعان ما لاقت أفكاره صدى واسعاً، خاصة لدى الشباب، ما دفع السلطات الاستعمارية إلى اعتقاله وتعذيبه، في محاولة لإخماد المدّ الوطني.

غير أن رياح التحرر التي عمّت إفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية، وضعف بلجيكا نفسها، عجّل بإعلان استقلال الكونغو. وفي انتخابات 1960، فاز لومومبا ليصبح أول رئيس وزراء منتخب للبلاد، في لحظة تاريخية لم تدم طويلاً.

استقلال هش وصراع دولي

جاء استقلال الكونغو في خضم الحرب الباردة، حيث تحولت البلاد إلى ساحة صراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، نظراً لموقعها الاستراتيجي وثرواتها الهائلة، وعلى رأسها اليورانيوم، الذي استُخرج منه ما استُخدم في قنبلتي هيروشيما وناغازاكي. هذا الواقع جعل القوى الكبرى حريصة على التحكم في القرار السياسي بكنشاسا.

برزت أولى الأزمات بمحاولة انفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن، بدعم بلجيكي مباشر. رفض لومومبا هذا المسعى، واعتبره مؤامرة لتقسيم البلاد وإعادة إخضاعها للاستعمار الجديد، كما انتقد استمرار سيطرة الضباط البلجيكيين على الجيش الكونغولي، ما زاد من عزله داخلياً واستعداء القوى الغربية.

من الزعامة إلى التصفية

علاقات لومومبا مع قادة تحرريين أفارقة، وانفتاحه على الاتحاد السوفياتي، جعلاه في نظر واشنطن “خطراً يجب إزالته”. وبدعم بلجيكي وتواطؤ استخباراتي، نُفذ انقلاب قاده جوزيف موبوتو في سبتمبر 1960، وُضع على إثره لومومبا تحت الإقامة الجبرية، قبل تسليمه إلى خصمه مويس تشومبي في كاتانغا.

بعد أسابيع من الاعتقال والتعذيب والإهانة، أُعدم لومومبا رمياً بالرصاص في 17 جانفي 1961، رفقة رفيقيه جوزيف أوكيتو وموريس مبولو. ولم تُكتفَ الجريمة بإعدامه، بل جرى إذابة جثمانه في الأحماض، في محاولة لمحو الرمز من الذاكرة.

ووجهت أصابع الاتهام في قتله لمويس تشومبي، زعيم كاتنغا، الذي شغل بعد اغتيال لومومبا، منصب وزير أول، وبعد إسقاطه، فر إلى الخارج، وخلال عملية اختطاف طائرته، حطت هذه الأخيرة بالعاصمة الجزائرية، وظل معتقلا، حتى توفي بسكتة قلبية، ورفضت الجزائر تسليمه، لعدة اعتبارات.

صديق الجزائر ورمز إفريقيا

لم يكن لومومبا منغلقاً داخل حدود بلاده، بل كان مؤمناً بوحدة المصير الإفريقي. دعم بقوة الثورة الجزائرية، وشارك في مؤتمر أكرا سنة 1958، وساند جبهة التحرير الوطني سياسياً وعسكرياً. ولهذا بقي اسمه حاضراً في الذاكرة الجزائرية، حيث أُطلق اسمه على شوارع وساحات في عدة مدن كالجزائر العاصمة والبليدة وبجاية التي مازالت شاهدا على نضال الرجل وتضامن الجزائر.

وما قامت به الجزائر في قضية توقيف تشومبي، قاتل لومومبا، اعتبره الكثير، ثأرا من أرض الأحرار لصديق الجزائر وثورتها.

اعتذار متأخر وذاكرة حية

بعد عقود من الصمت، اعترفت بلجيكا سنة 2001 بمسؤوليتها في اغتيال لومومبا، وقدمت اعتذاراً رسمياً، قبل أن تعيد لاحقاً بقايا رفاته إلى عائلته. خطوة رمزية، لكنها أعادت فتح ملف العدالة التاريخية وجرائم الاستعمار.

باتريس لومومبا اغتيل وهو في السادسة والثلاثين من عمره، لكنه بقي أكبر من السلطة التي حُرم منها. لم يحكم طويلاً، لكنه ترك إرثاً تحررياً خالداً. زعيمٌ قُتل لأنه أراد للكونغو سيادة كاملة، ولإفريقيا أن تكون سيدة قرارها… فبقي اسمه، بعد أكثر من ستة عقود، مرادفاً للكرامة والحرية.