ثقافة

"نحن قوم نموت ولا نخون"

في زنزانة التعذيب، كان مشهدا لا يصدق، رجال يسلخون وجهه، يدخلون قضيبا حديديا محمى بالنار في فمه.

  • 397
  • 4:44 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

"ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب"، "نحن قوم نموت ولا نخون"، بهاتين العبارتين الخالدتين، رسم الشهيد محمد العربي بن مهيدي معالم مدرسة فريدة في الفداء والثبات، مدرسة الجزائريين الأحرار الذين آمنوا بأن الكرامة تثمّن بالدم، وأن الحرية لا تشرق شمسها إلا على جثث الشهداء.

مرّت أمس، الذكرى الـ 69 لرحيل جسد هذا العملاق، لكن روحه لا تزال تخفق في كل زاوية من زوايا الجزائر، وفي كل قلب نابض بحب الوطن. رحل بن مهيدي شهيدا تحت التعذيب الوحشي ليلة 3-4 مارس 1957، لكنه انتصر بإيمانه، بابتسامته التي تحدّت الموت، وبصمته الذي أرغم الجلادين على الاعتراف بفضيلته.

في زنزانة التعذيب، كان مشهدا لا يصدق، رجال يسلخون وجهه، يدخلون قضيبا حديديا محمى بالنار في فمه، يعلقونه من يديه لساعات، يصعقونه بالكهرباء.. ورغم ذلك، يبتسم! إنه العربي بن مهيدي، ابن الـ 34 ربيعا، الذي قرّر أن يعلم جلاديه درسا لن ينسوه: الإيمان أقوى من كل أدوات التعذيب، والوطن أغلى من الجسد الفاني.

كان يردّد بين جلسات التعذيب: "أمرت نفسي ألا أبوح بسر"، "أريد أن أُعذب حتى أتأكد أن جسدي الفاني لن يخونني"، وهو ما دفع الجنرال الفرنسي مارسيل بيجار، ذلك السفاح الذي أدار عمليات التعذيب، إلى الاعتراف بعد يأس قائلا: "لو أن لي ثلة من أمثال بن مهيدي لغزوت العالم!". أما الجنرال بول أوساريس، أحد أبرز ضباط المخابرات الفرنسية، فقد وقف أمام بن مهيدي قبل إعدامه وأدى له تحية عسكرية شرفية، اعترافا ببسالته النادرة، أعلنت السلطات الفرنسية أنه انتحر في زنزانته، ونشرت صحيفة لوموند خبرا كاذبا بعنوان "انتحار العربي بن مهيدي في زنزانته بعد حالة اكتئاب".

وبعد عقود من الزمن، اعترف أوساريس بتفاصيل الاغتيال، لينهار بذلك الادعاء الفرنسي الرسمي بأن بن مهيدي "انتحر في زنزانته". وقال إنه قتل شنقا، وفي خطوة تاريخية، اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميا في 1 نوفمبر 2024، بمناسبة الذكرى السبعين لاندلاع الثورة، بأن العربي بن مهيدي "قتله عسكريون فرنسيون". اعتراف متأخر، لكنه انتصار للحقيقة.

ماي 1945.. النار التي صنعت الثائر

كانت مظاهرات 8 ماي 1945 نقطة فاصلة في حياة بن مهيدي، خرج رافعا العلم الجزائري في الصفوف الأولى، معبرا عن فرحة الجزائريين بانتهاء الحرب العالمية الثانية، ومطالبا بالحرية والاستقلال. لكن الرد الفرنسي كان وحشيا، مجازر رهيبة راح ضحيتها آلاف الجزائريين. اعتقل بن مهيدي وأمضى ثلاثة أشهر في سجن الكدية بقسنطينة، تعرض خلالها للاستنطاق والتعذيب. وهناك في زنزانته الضيقة، نضجت قناعته: لا خلاص من المستعمر إلا بالكفاح المسلح، مشاهد المجازر بقيت محفورة في ذاكرته، تغذي عزيمته وتصميمه على الانتقام للوطن.

ساهم بن مهيدي في تأسيس حركة انتصار الحريات الديمقراطية عام 1946، لكن العمل الأهم كان التحاقه بالمنظمة الخاصة، الجناح العسكري السري للحركة الوطنية، عند تأسيسها عام 1947. وكان من أوائل المنتسبين، وسرعان ما أثبت كفاءته، وفي عام 1949، أصبح مسؤول الجناح العسكري بسطيف، ونائبا لرئيس أركان التنظيم السري على مستوى الشرق الجزائري (إلى جانب محمد بوضياف). عام 1950، أصبح مسؤول التنظيم بعد نقل بوضياف إلى العاصمة.

وكان بن مهيدي يتنقل بين المدن بسرية تامة، يختار رجال التنظيم، يدربهم بنفسه على استعمال السلاح وأساليب القتال وحروب العصابات. كان معلما ومربيا وقائدا. وفي مارس 1950، اكتشفت السلطات الفرنسية التنظيم، وبدأت حملة اعتقالات واسعة، اضطر بن مهيدي للتخفي، متخفيا بأسماء مستعارة تتغير باستمرار، حتى أصبح يعرف بـ "الرجل ذو العشرين وجها" صدر في حقه حكم غيابي بالسجن 10 سنوات، لكنه ظل طليقا يواصل نضاله.

اجتماع الـ22.. "ارموا بالثورة للشارع"

في 23 جوان 1954، اجتمع 22 مناضلا جزائريا في منزل إلياس دريش بالجزائر العاصمة. كان الاجتماع مصيريا: إما إشعال الثورة الآن، أو الاستمرار في النضال السياسي العقيم. نقاش طويل، تردّد البعض، خوف من المغامرة، تساؤل عن الإمكانيات، هنا وقف بن مهيدي، بهدوء وثقة، ليلقي كلمته التاريخية: "ارموا بالثورة للشارع سيحتضنها الشعب". كان بن مهيدي يؤمن أن الشعب هو صانع الثورة وحاضنها، وأن القيادة مهمتها إطلاق الشرارة فقط، بكلماته البسيطة والعميقة، حسم النقاش وأقنع المترددين. وقد انتهى الاجتماع بتشكيل لجنة من خمسة أعضاء "صارت فيما بعد مجموعة الستة" تتولى التحضير للكفاح المسلح. كان بن مهيدي أحد هؤلاء الستة العظماء.

أسندت إلى بن مهيدي مهمة تفجير الثورة في المنطقة الخامسة (وهران)، كانت المنطقة تعاني من ضعف التنظيم وقلة الإمكانيات، لكنه قبل المهمة بعزيمة لا تلين.  في ليلة 31 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 1954، انطلقت أول رصاصة من جبال الأوراس. وفي وهران، ورغم كل الصعاب، كان رجال بن مهيدي في الموعد، استطاع تنظيم وتجنيد وتسليح رجال الثورة، وضرب بقوة.

البعد المغاربي.. ثورة واحدة في المغرب الكبير

أدرك بن مهيدي مبكرا أهمية الوحدة المغاربية، سافر سرا إلى القاهرة للتنسيق مع الوفد الخارجي، ثم إلى المغرب للالتقاء بالمقاومين المغاربة،  في 15 جويلية 1955، أعلن في الناظور عن تأسيس "لجنة تنسيق لجيش تحرير المغرب العربي". وفي أوت 1955، اجتمع في تطوان مع بوضياف وقيادة المقاومة المغربية، لتنظيم عمل عسكري مشترك. هذا التنسيق أعطى دفعة قوية للثورة الجزائرية، وفتح آفاقا جديدة للدعم والإمداد.

وفي 20 أوت 1956، انعقد مؤتمر الصومام التاريخي في وادي الصومام بجبال الأوراس، كان بن مهيدي أحد أبرز المنظمين، وانتخب رئيسا للمؤتمر بفضل قدراته التنظيمية ورؤاه الثاقبة. وقد خرج المؤتمر بقرارات مصيرية: تقسيم البلاد إلى 6 ولايات، هيكلة الثورة سياسيا وعسكريا، وتشكيل "لجنة التنسيق والتنفيذ" كقيادة عليا للثورة. عين بن مهيدي عضوا في هذه اللجنة. و منذ ذلك الحين، أطلق عليه رفاقه لقب "صندوق الأفكار"، لغزارة أفكاره وثراء رؤاه الاستراتيجية.

وقد كانت معركة الجزائر (1956-1957) من أشرس معارك الثورة، قادها بن مهيدي بكل شجاعة، واضعا خططها ومنسقا لعملياتها، لكن أبرز محطاتها كان إضراب الثمانية أيام (28 جانفي 1957). اقترحه بن مهيدي لفتح أنظار العالم إلى القضية الجزائرية، تزامنا مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.

 في 16 فيفري 1957، وخلال تمشيط للقصبة، أوقعت قوات المظليين الفرنسيين بالعربي بن مهيدي. كان يحمل بطاقة هوية مزيفة باسم "عبد الرحمن عيبود"، لم يصدقوا أنفسهم عندما اكتشفوا أنهم قبضوا على العدو رقم واحد، نقل إلى فيلا سوسيني، مركز التعذيب الشهير. هناك، تعرض لأبشع أنواع التعذيب، لكنه ظل صامدا، لم ينطق بكلمة واحدة عن الثورة أو رفاقه. وقال النقيب آلير، أحد جلاديه: "كان رجلا هادئا، في قمة الصفاء، لم يكن خائفا ولم يكن قلقا.. يجب الاعتراف بالعظمة والشجاعة للخصم، حتى اسمه الثوري كان حكيما.. آلمني فقدان رجل مثله".