ثقافة

الحرف العربي: تألق جزائري في باريس

في المسابقة الدولية للخط العربي.

  • 78
  • 3:01 دقيقة
شمس الدين حفيز، عميد مسجد باريس، الصورة: ح.م.
شمس الدين حفيز، عميد مسجد باريس، الصورة: ح.م.

اختُتمت فعاليات المسابقة الدولية للخط العربي، التي نظمها مسجد باريس الكبير، سهرة أول أمس، في أجواء احتفالية جمعت بين الإبداع الفني والتقدير الأكاديمي، بحضور نخبة من الخطاطين والباحثين والمهتمين بفنون الخط العربي من مختلف دول العالم.

وشهد مسجد باريس الكبير، في ذكرى مرور مائة عام على تأسيسه، حفل توزيع جوائز الدورة الأولى من المسابقة الدولية للخط العربي، التي أطلقتها المؤسسة، بحضور دبلوماسيين بينهم القائم بالأعمال بسفارة الجزائر في باريس وسفير الجزائر لدى منظمة اليونسكو، وشخصيات ثقافية وأعضاء لجنة التحكيم وعشرات الخطاطين والمهتمين بالفنون الإسلامية من مختلف أنحاء العالم.

وفي كلمة بالمناسبة، أكد عميد مسجد باريس الكبير، الأستاذ شمس الدين حفيز، أن المسابقة لا تقتصر على تكريم الفائزين، بل تمثل احتفاءً بفن عريق ارتبط بتاريخ الحضارة الإسلامية وبقيم المعرفة والجمال. مستحضرا البعد الروحي للخط العربي من خلال الآيات القرآنية التي أقسم فيها الله بالقلم وما يسطره الكُتّاب، مشيرا إلى أن الكتابة احتلت مكانة مركزية في الإسلام منذ أولى آيات الوحي التي بدأت بالأمر الإلهي: «اقرأ».

وأوضح، أن اختيار حرف "نون" شعارا للمسابقة يرمز إلى هذا الإرث، باعتباره مرتبطا في بعض التفاسير بالمِحبرة والقلم وعالم الكتابة. وأشار حفيز إلى أن إطلاق المسابقة يأتي في إطار الاحتفال بمئوية مسجد باريس الكبير، الذي ظل منذ افتتاحه عام 1926 فضاءً للعبادة والثقافة والفنون. معتبرا أن إنشاء هذا الموعد الدولي ينسجم مع رسالة المؤسسة في صون التراث الإسلامي ونقله إلى الأجيال الجديدة.

 كما أعلن عن تنظيم "يومي الخط العربي" في رحاب المسجد، حيث ستُفتح ورشات وعروض حية للجمهور، بهدف تعريف الزوار، وخاصة الأطفال والشباب، بأسرار هذا الفن وقواعده الجمالية، وإتاحة الفرصة لغير الناطقين بالعربية لاكتشاف جماليات الحرف العربي بوصفه لغة بصرية تتجاوز حدود الكلمات.

 وتوقفت الكلمة عند المحطات الكبرى في تاريخ الخط العربي، من الخط الكوفي الذي زُينت به المصاحف الأولى، إلى مدرسة بغداد التي أرست قواعد النسب الهندسية للحروف على يد ابن مقلة، ثم تطور خطوط النسخ والثلث والديواني في المشرق والعالم العثماني، وصولا إلى خط النستعليق الفارسي والخط المغربي الذي ازدهر في مدن المغرب الإسلامي والأندلس.

 وأكد عميد مسجد باريس أن تنوع مدارس الخط العربي يعكس ثراء الحضارة الإسلامية وقدرتها على الجمع بين الوحدة والتعدد، حيث تحولت الحروف عبر القرون إلى عنصر أساسي في العمارة والزخرفة والمخطوطات والفنون البصرية.

 كما خصّ بالذكر الفنانين الجزائريين الشقيقين عمر ومحمد راسم، اللذين أسهما في إحياء الفنون الإسلامية التقليدية خلال القرن العشرين، معتبرا أن أعمالهما شكلت جسرا بين الأصالة والتجديد وأسهمت في الحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية في ظروف تاريخية صعبة.

 وأشاد بالمشاركة الدولية الواسعة في المسابقة، التي استقطبت 373 متسابق من اثنين وثلاثين دولة، من آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، معتبرا أن هذا الإقبال يؤكد حيوية فن الخط العربي وقدرته على استقطاب أجيال جديدة من المبدعين.

 كما توجه بالشكر إلى أعضاء لجنة التحكيم والخطاطين المشاركين، مثمنا الجهود التي بذلوها لضمان مستوى فني رفيع يحترم القواعد الكلاسيكية للخط العربي مع الانفتاح على الرؤى المعاصرة.

وخصّ بتحية الخطاط العراقي العالمي الأستاذ غاني العاني، أحد أبرز أعلام مدرسة بغداد في العصر الحديث، مشيدا بدوره في نقل هذا التراث الفني إلى أوروبا وتكوين أجيال من الخطاطين داخل فرنسا وخارجها.ذ

 وفي ختام كلمته، دعا عميد مسجد باريس الكبير إلى إعادة الاعتبار لفن الخط العربي داخل المؤسسات التعليمية والثقافية والمساجد، باعتباره مدرسة في الصبر والانضباط والتذوق الجمالي، ورسالة حضارية تسهم في التعارف بين الثقافات.

وأكد أن مسجد باريس الكبير سيواصل خلال السنوات المقبلة إطلاق مبادرات ثقافية جديدة، من بينها مهرجان «أليف» للفيلم القصير المزمع تنظيمه في ديسمبر المقبل.

 واختتم الحفل بإعلان ثلاثين (30) فائزا من أصل 373 خطاط متسابق من 32 دولة في مختلف قارات العالم، حيث افتك خطاطين جزائريين المرتبة الثانية، وهما: الخطاط محمد عياش (خط الثلث)، والخطاط سعيد بن عبد الله (خط النسخ)، وتكريمهم.

كما تضمن الحفل أيضا مراسم تسليم «ميدالية المئوية» للدكتور غاني العاني، كضيف الشرف، إلى جانب تكريم أعضاء لجنة التحكيم، تقديرا لإسهاماتهم في خدمة فن الخط العربي وتعزيز حضوره على الساحة الدولية.