ثقافة

كتاب يرصد مأساة 2,3 مليون جزائري في المحتشدات الاستعمارية

بعد تسريبه إلى الصحافة وإصدار الأمم المتحدة للائحة استنكار وتنديد بالوضعية المزرية في هذه المحتشدات.

  • 384
  • 4:15 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

عادت الصحفية روسينيول لورين في كتاب بعنوان "مأساة أو تراجيديا منسية من حرب الجزائر" إلى فظائع المحتشدات وتجميع الاستعمار 2.3 مليون جزائري من سكان الأرياف بالقوة في مراكز حشر تسببت في استشهاد أكثر من 200 ألف شخص، غالبيتهم من الأطفال بمعدل طفل في كل ثلاثة أيام، حسب تقرير ميشال روكار، تقرير أسود إلى الرأي العام الفرنسي بعد تسريبه في الصحافة وإصدار الأمم المتحدة للائحة استنكار وتنديد بالوضعية المزرية في هذه المحتشدات.

 أكدت المؤلفة بأن اكتشافها لقضية المحتشدات كان إثر عملها حول قضايا الذاكرة، في إطار التحقيقات المنجزة لصحيفة " تيليراما" التابعة لمجموعة " لوموند". سعت لاماطة اللثام عن الصفحة المنسية في كتاب بعنوان " تراجيديا منسية من حرب الجزائر-مراكز الحشد" في 256 صفحة، عن دار النشر " أكت سيد".

 أوردت شهادة فاطمة أريج التي كانت في محتشد مسلمون بسواحل بتيبازة في 25 أوت 1958:" كان واضح بأن العساكر الفرنسيين قد تجاوزتهم الأحداث، بعد وصولنا الكارثي، فلا شيء كان يوحي بتهيئة الظروف، لا مأوى ولا دورات مياه ولا جمع القمامة المتراكمة في كل مكان، لا أزال احتفظ بذكرى أول يوم قضيته بعيدا عن منزلنا بلا عمل، وكنت أنتظر منحي قطعة خبز وأنا التي لم أتسول قط طيلة حياتي" حسب ما روته في شهاداتها للباحث محمد رباح سنة 2008. تنتمي هذه المرأة لـ 2378 من الفلاحين المنحدرين من منطقة الظهرة و مرتفعاتها الجبلية الواقعة على بعد مئات الكليومترات غرب الجزائر و الذين اجبرتهم السلطات الاستعمارية على النزوح و مغادرة منازلهم و وضعهم في محتشدات.

عزل 2,3 مليون جزائري عن الثوار

 أشارت الكاتبة إلى أبحاث عالم الاجتماع ميشال كورناتون وأطروحته حول مراكز التجميع أو الحشر التي ضمت أكثر من 2.3 مليون شخص أي 26 بالمائة من السكان المسلمين في تلك الفترة، دون احتساب مليون شخص مجبرين على هجر منازلهم أثناء الحرب.  استخلصت رويسنيول أن النزوح شمل " ثلث السكان الجزائريين في الأرياف". وظفت السلطات الفرنسية نفس المناهج المستعملة في حرب الهند الصينية وابعاد الفلاحين القاطنين في الهضاب العليا والجبال عن أراضيهم لمنع كل مساندة للمجاهدين.  وجد المهجرون أنفسهم في محتشدات تقتصر في أحيان كثيرة على أكواخ مشيدة على عجالة. وضع مزري وصفه جون ماري مير جندي فرنسي قائلا " لم أتخيل في حياتي بأن الجزائر على هذا النحو بحيث نستطيع معاملة الناس كحيوانات... هذه الآلام و المأساة الكبرى التي يتكبدها الرجال لغاية معاملتهم كحيوانات أو أدنى من الحيوانات".

تسجيل 200 ألف وفاة في المحتشدات غالبيتهم أطفال

أحصت حوالي 2500 محتشد وطني تعيش فقر مدقع، بسبب القرار المتسرع في خلق هذه المراكز و معاناتهم من نقص الغذاء و العلاج، و هم في غالبيتهم من سكان الريف يعيشون من الزراعة. تشير الكاتبة بأنه " بحكم التحاق معظم الرجال بجبهة القتال من كلا الطرفين لم تبق إلا النساء في المحتشدات دون وسائل العيش و تحت رحمة المساعدات الغذائية لإعالة أبنائهن."

 أسفرت هذه الوضعية حسب المؤرخ فابيان ساكريست صاحب أطروحة حول هذه القضية " عن تسجيل وفاة 200 ألف شخص في المحتشدات غالبيتهم من الأطفال" وتروي فاطمة أريج التي فقدت ابنتها صاحبة 5 سنوات في شهاداتها " في الأيام الأولى كانت وفيات كثيرة في المحتشد خاصة الأطفال بسبب الإسهال، كانت الليالي باردة، كنت أرتجف عند سماعي في صمت المحتشد، بكاء النساء حزنا على أطفالهن الرضع متأثرين بالجوع".

تقرير ميشال روكار سنة 1959

كانت التراجيديا تجري بتواطؤ من الحكومة الفرنسية وآلاف العساكر، قبل قدوم طالب فرنسي من المدرسة الوطنية للإدارة ميشال روكار لإنجاز تقرير سنة 1959 حول المحتشدات و نقلها نحو الميتروبول.

تجشم أثناء فترة تربصه عناء نقل تفاصيل هذه المعاناة بعد تبليغه من طرف صديق كان يؤدي الخدمة العسكرية في الجزائر حول فظاعة المحتشدات.

 قام بزيارة قرابة 15 محتشدا و إعداد تحقيق كارثي للحاكم العام في الجزائر "بول دولوفريي" و كتب في التقرير ملاحظة " حسب قانون تجريبي: عندما يبلغ تعداد محتشد ألف شخص يموت طفل من ثلاثة أطفال كل يومين".

تكفل فرنسيين من قدماء المقاومين للنازية بتسريب القرار للصحافة ونشرت جريدتي " لوموند Le Mondeو لونوفال أوبسيرفاتور Le nouvel observateur" مقاطع من التحقيق في أفريل 1959، مما أثار صدمة وسط الراي العام بفرنسا و لم يتردد البعض بمقارنتها بما وقع في مراكز الاعتقال النازية.

حاولت السلطات الفرنسية إنقاذ الموقف مثلما أشارت ألهي رويسنيول " أثار الوزير الأول ميشال دوبري مؤامرة ضد فرنسا من طرف جبهة التحرير الوطني و حليفها الصين". تلقفت الصحافة الأجنبية القضية واستغلت هيئة الأمم المتحدة في جمعيتها العامة الملف لإصدار لائحة تشير إلى المحتشدات في الجزائر.  

اضطرت السلطات الفرنسية أمام هول الفضيحة رصد ميزانية استعجالية بقيمة 100 مليون فرنك فرنسي ( 2 مليون أورو) ، لتحسين تموين المتواجدين في المحتشدات، التي استمرت في البقاء رغم الفضيحة،  مع استحداث مراكز أخرى. كما لجأت السلطات لحيلة الاستنجاد بالصليب الأحمر الدولي لتحويل المحتشدات إلى مراكز للاجئين رغم أن الحقيقة مغايرة تماما لأماكن اللجوء. كما تم تحويل المحتشدات إلى أماكن لتجنيد اللاجئين ضد الكفاح من أجل الاستقلال ووضع برنامج لتمدرس الأطفال وتوظيف جنود كمعلمين.

تراجيديا منسية في البلدين

اعتبرت الصحفية بأن " نهاية الحرب سنة 1962 تسببت في تسجيل أضرار وخيمة وحصيلة بشرية ضخمة وكارثة اقتصادية وغالبية السكان بلا موارد و لا عمل و اضطروا لتدبر أمورهم و البعض استقروا في نفس المحتشدات". اعتبرت الكاتبة بان نقل الذاكرة لم يتم في كلا البلدين " من الجانب الفرنسي قلبنا صفحة حرب مشؤومة وغير مشرفة يستحسن عدم مشاركتها ومن الجانب الجزائري هناك سردية بطولية تتحاشى ذكريات مؤلمة وصادمة لمن عاشوا في المحتشدات في اوضاع لا تليق حتى بالحيوانات وبالتالي صعوبة تجاوز الصدمة و التروماتيزم و سرده للأطفال".