ثقافة

هكذا أنقذ الأمير عبد القادر الآلاف من المسيحيين

كان مثالا يُستشهد به في ثقافة التسامح والتعايش السلمي وحظي بتقدير دولي واسع نظير شجاعته ومواقفه النبيلة.

  • 526
  • 3:21 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لقد برز اسم الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة وأحد أبرز رموز المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، في خضم الاضطرابات الطائفية التي شهدتها دمشق سنة 1860، كرمزٍ إنسانيٍ استثنائي، تجاوز حدود الانتماء الديني والعرقي، ليجسّد قيم التسامح والشجاعة في أبهى صورها.

 فقد اندلعت الفتنة بين الدروز والمسيحيين، مخلفة حالة من الفوضى والعنف، هددت حياة الآلاف من الأبرياء. لم يقف الأمير موقف المتفرج في هذا السياق المضطرب، بل تحرّك بحزم لحماية المسيحيين المهددين، حيث فتح أبواب داره لاستقبال الفارين، ووفر لهم الأمن والغذاء، متحديا بذلك الحشود الغاضبة، حيث اندلعت أعمال عنف طائفية في دمشق، استهدفت المسيحيين وأحرقت كنائسهم وقنصلياتهم.

وكانت تطالب بتسليمهم، والتي أسفرت عن نتائج مأساوية على مرأى ومسمع السلطات العثمانية التي كانت المنطقة تحت إمرتها آنذاك.

وتشير المصادر إلى أن عدد الذين احتموا به بلغ نحو 15 ألف شخص، وهو ما يعكس حجم المبادرة الإنسانية التي قام بها.

 ويذكر الكاتب كمال بوشامة في كتابه "الأمير عبد القادر وجزائريو بلاد الشام"، أنه في بداية عام 1860 حدثت صراعات طائفية بين المسيحيين والدروز في منطقة الشوف في لبنان، وشن الدروز هجوما على قرى جبل لبنان المسيحية الشمالية، أحرقوا فيها كل قرية، وقتلوا أي رجل وجدوه هناك. وقد تركت الأحداث في جبل لبنان انطباعا خطيرا على السياسة والمجتمع في دمشق. وقد سلّح الأمير أكثر من ألف جندي من أعزّ الشباب الجزائري لحماية المسيحيين من هذه المذابح.

ولم يتردد الأمير عبد القادر في اتخاذ موقف مثل هذا، لأنه كانت لديه وجهة نظر حول قضية تعدد الأديان، وهنا ربطها ليس فقط بإخلاصه لمبادئ الإسلام، ولكن أيضا بموقفه باحترام ما سماه "حقوق الإنسانية".

 ولم تقتصر شجاعة الأمير على الإيواء، بل واجه المهاجمين مباشرة، مستخدما نفوذه وهيبته لردعهم، ومؤكدا أن حماية الأبرياء واجب ديني وأخلاقي. لقد كان موقفه رسالة قوية ضد التعصب، ودليلا على إمكانية التعايش بين الأديان حتى في أحلك الظروف.

 وهذه نبذة، وردت في الكتاب، عن الرسالة الطويلة التي بعثها الأمير عبد القادر لأسقف الجزائر "باقي" في 11 جويلية 1862 ردا على شكره على موقفه تجاه المسيحيين، حيث أجابه الأمير بتواضع كبير لشرح معنى تدخله خلال مذابح جويلية 1860، قائلاً في رده: "ما قمنا به مع إخواننا المسيحيين كان لزاما علينا أن نقوم به وفاء للشريعة الإسلامية، واحتراما لحقوق الإنسانية".

 ثم أضاف قائلا بأسلوب هادئ ومهدي ولا يخلو من التربية، أسلوب المؤمن الصالح للمجتمع: "وصلتني رسالتكم البليغة الرائعة، فما قمنا به مع المسيحيين كان من واجبنا أن نقوم به وهذه الأسباب ذكرتها آنفا، لأن كل المخلوقات هنا من عائلة الإله عزّ وجل وأحباؤه هُمُ الذين أكثر فائدة لعائلته، بمعنى لكل البشرية، فكل الديانات التي جاء بها الأنبياء من آدم إلى محمد ترتكز على مبدأين: تمجيد الله العلي القدير والرحمة لمخلوقاته، فبصرف النظر عن هذين المبدأين، هناك تداعيات فقط تجعل من الاختلافات قضايا غير مهمة، أما قانون سيدنا محمد (ص) هو من بين جميع المذاهب الدينية الذي يظهر الأكثر ارتباطا، ويعطي الأهمية القصوى للاحترام والرأفة والرحمة وكل ما يضمن التماسك الاجتماعي ويبعد عن الشقاق".

 إن هذه الحادثة لم تكن مجرد موقف عابر، بل شكلت محطة تاريخية كرّست صورة الأمير عبد القادر كقائد إنساني عالمي، حيث حظي بتقدير دولي واسع نظير شجاعته ومواقفه النبيلة. كما أصبحت مثالا يُستشهد به في ثقافة التسامح والتعايش السلمي.

وتبقى قصة الأمير عبد القادر في دمشق شاهدا حيا على أن القيم الإنسانية يمكن أن تنتصر على الفتن، وأن القادة الحقيقيين هم أولئك الذين يحمون الإنسان، أيًا كان دينه أو عرقه. وهي دليل على امتداد التسامح الديني في الجزائر إلى إرث الأمير عبد القادر، الذي جسّد التعايش بحمايته للمسيحيين سنة 1860، مؤكدة على تواجد جذور تاريخية راسخة في ثقافة السلم والتعايش بين الأديان لدى الجزائريين. ويجب الإشارة إلى أن موقفه حظي بتقدير دولي عظيم، وحصل على أوسمة من السلطان العثماني، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والفاتيكان.

ولا ننسى أن نذكر بأن الرئيس الأمريكي السادس عشر، أبراهام لينكولن، أهدى الأمير عبد القادر الجزائري مسدسين نادرين مرصعين بالذهب عام 1860-1861، تقديرا لموقفه الإنساني الشجاع في حماية آلاف المسيحيين بدمشق من فتن طائفية، ولا تزال ذكرى هذا الموقف خالدة، حيث أُطلق اسم "إلكادر" (Elkader) في ولاية أيوا الأمريكية على مدينة تكريما للأمير. واعتُبر هذا التصرف من أبرز مواقف الشجاعة الإنسانية والتعايش السلمي في التاريخ الحديث، وأُدرجت استراتيجيته كمصدر أساسي في القانون الدولي الإنساني، حسب عدة مصادر والتي نوهت بهذا التصرف الشهم لمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع