اقتصاد

الجزائر تقترب من تحقيق "السيادة الدوائية"

تؤكد الأرقام، اليوم، أن الجزائر قطعت شوطا معتبرا في هذا المسار.

  • 404
  • 2:46 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في ظرف سنوات قليلة، انتقلت الجزائر من موقع المستورد الواسع للأدوية، إلى بلد يراهن على قدراته الصناعية لضمان أمنه الصحي، ولم يعد الحديث عن الصناعة الصيدلانية مجرد طموح اقتصادي، بل أصبح خيارا سياديا واستراتيجيا تفرضه التحولات العالمية، والأزمات الصحية المتعاقبة، والتحديات المرتبطة بسلاسل التموين.

تؤكد الأرقام، اليوم، أن الجزائر قطعت شوطا معتبرا في هذا المسار، بعدما بلغت نسبة تغطية حاجيات السوق الوطنية من الإنتاج المحلي 83 بالمائة، مع آفاق لارتفاعها بفضل عشرات المشاريع الجديدة قيد الإنجاز.

وجاء التحول الذي تشهده الصناعة الصيدلانية تجسيدا لتوجيهات رئيس الجمهورية؛ الرامية إلى تحقيق السيادة الدوائية. وقد تعزز هذا التوجه بإنشاء وزارة الصناعة الصيدلانية سنة 2020، إلى جانب دخول الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية حيز الخدمة في العام ذاته، ما أرسى دعائم تنظيمية ومؤسساتية أكثر صرامة وفعالية.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الجزائر تحصي اليوم 233 وحدة ومصنعا لإنتاج الأدوية، إلى جانب 100 مشروع جديد حصل على التراخيص وهو في طور الإنجاز، ما يجعل الجزائر من أبرز الفاعلين صيدلانيًا على مستوى القارة الإفريقية. كما تضم المنظومة الوطنية أكثر من 780 خط إنتاج، تشمل أدوية تقليدية وأخرى معقدة، وهو مؤشر على تطور القدرات التقنية ونقل التكنولوجيا.

الأنسولين وأدوية السرطان.. مؤشرات على تحوّل نوعي

من أبرز الشواهد على هذا التحول النوعي، إنتاج أقلام الأنسولين محليا بنسبة 100 بالمائة، وهو إنجاز يضع الجزائر في موقع فريد إفريقيًا وعربيًا. كما يتم تصنيع نحو 54 صنفًا من أدوية علاج السرطان محليًا، من أصل حوالي 200 دواء مسجل ضمن المدونة الوطنية الخاصة بمكافحة المرض.

هذه الخطوات لم تساهم فقط في تقليص فاتورة الاستيراد، بل كان لها أثر مباشر على المرضى، من خلال ضمان توفر العلاج وتقليص فترات الانتظار، إضافة إلى تخفيف الضغط عن برامج العلاج بالخارج، التي كانت تستنزف موارد مالية معتبرة، خاصة في ما يتعلق بالأمراض المزمنة والمعقدة.

تقليص العلاج بالخارج.. خطوة نحو الاستقلال الصحي

لسنوات طويلة، شكل العلاج في الخارج خيارًا اضطراريًا للعديد من المرضى، خاصة في الحالات التي تتطلب أدوية مبتكرة أو علاجات متقدمة غير متوفرة محليًا. غير أن توسيع الإنتاج الوطني، لاسيما في مجال أدوية السرطان والأنسولين، إلى جانب مشاريع إنتاج أدوية مبتكرة والعلاج بالخلايا، بدأ يغير المعادلة.

فكل دواء يُنتج محليًا هو خطوة إضافية نحو تقليص عدد المرضى الموجهين للعلاج في الخارج، وتقريب الخدمات الصحية من المواطن، وتحقيق عدالة أكبر في الوصول إلى العلاج.

كما أن مشروع إنجاز مركز للبحث البيولوجي وإنتاج اللقاحات، إضافة إلى مشاريع الشراكة في مجال العلاج بالخلايا مع مجمع "صيدال"، يفتحان آفاقًا جديدة للابتكار الطبي داخل الوطن، بدل الارتهان للحلول الخارجية.

اعتراف دولي مرتقب، و"تأشيرة خضراء" للأدوية الجزائرية

في سياق تعزيز الثقة الدولية بالمنتج الدوائي الجزائري، استقبلت الجزائر وفدا من خبراء منظمة الصحة العالمية لتقييم النظام التنظيمي الوطني المعتمد في مجال إنتاج الأدوية، في إطار مسعى الحصول على مستوى النضج الثالث ضمن نموذج نضج القدرات.

هذا التقييم شمل أربع جهات فاعلة رئيسية، وزارة الصحة، ووزارة الصناعة الصيدلانية، والوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية، والمركز الوطني لليقظة الدوائية. وقد أسفر التقييم الذاتي عن أكثر من 430 توصية تغطي تسع وظائف تنظيمية أساسية، من بينها التسجيل، واليقظة، والتفتيش، والتجارب السريرية.

وبحسب المعطيات المقدمة، تم تنفيذ أكثر من 78 بالمائة من بعض التوصيات، فيما تتواصل الجهود لاستكمال البقية، تمهيدًا للمرور إلى التقييم الرسمي. والحصول على مستوى النضج الثالث سيكون بمثابة “تأشيرة خضراء” للأدوية الجزائرية، تفتح المجال أمام الاعتراف الدولي، وتعزز فرص التصدير والشراكات.

ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي؛ فالمشاريع الجديدة المرتقبة ستوفر مناصب شغل نوعية، خاصة في مجالات البحث والتطوير والتكنولوجيا الحيوية، ما يعزز اقتصاد المعرفة ويحد من هجرة الكفاءات.