اقتصاد

هل حققت الجزائر الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب والشعير؟

الأمين العام للمجلس الوطني المهني للحبوب، عبد الغني بن علي، في حديث مطول مع "الخبر".

  • 1015
  • 7:48 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

أكد الأمين العام للمجلس الوطني المهني للحبوب، عبد الغني بن علي، لـ "الخبر" أن الموسم الفلاحي 2025/2026 حقق قفزة نوعية، فيكفي أن الجزائر حققت رسميا اكتفاء في القمح الصلب والشعير، مبرزا في لقاء خص به "الخبر" أن تحقيق الاكتفاء في القمح اللين ليس بالمستحيل، شرط أن يصاحبه تغيير في النمط الغذائي، خاصة وأن هذا الأخير يكلف الدولة فاتورة ثقيلة تصل إلى ثلاثة ملايين دولار سنويا، معرجا على الموسم الفلاحي الجديد، بالدعوة إلى العمل على تحقيق عوامل تساهم في بلوغ الجزائرأهدافها المنشودة في آفاق سنة 2027، مثلما أمر رئيس الجمهورية.

أكد بن علي أن الموسم الفلاحي المنصرم (2025-2026) فاق كل التوقعات، حيث بلغ حجم الإنتاج الوطني ما بين 33 إلى 35 مليون قنطار من الحبوب، والنجاح المحقق سببه تظافر جهود الفلاحين، والوفرة المعتبرة للأمطار التي وزعت بشكل متوازن على التراب الوطني، إضافة إلى التحسن الملحوظ في المسار التقني ومواكبة الفلاحين ميدانيا. وأشار ضيف "الخبر" إلى الدور المحوري لمتابعة السلطات العليا للبلاد، وتحديدا التدخل الشخصي لرئيس الجمهورية والحكومة خلال مرحلة الحصاد، وهو ما حال دون تسجيل خسائر كارثية، على الرغم من بعض التحديات الظرفية المرتبطة بنقص المكننة في بعض ولايات الهضاب الغربية، والتي تم تداركها لاحقا.

إنتاج قياسي تجاوز الـ 33 مليون قنطار

وبفضل هذا الإنتاج حققت الجزائر الاكتفاء الذاتي هذا الموسم، حسبه، نظرا لأن حاجيات البلاد تتراوح بين 23 و26 مليون قنطار، وهذا الإنجاز يعزز استقلالية القرار الاقتصادي، مدعوما بتوفير الدولة للمخازن الفلاحية والإمكانيات الكفيلة بتأمين الإنتاج الإستراتيجي، كما تحقق اكتفاء ذاتي أيضا في الشعير، وبهذا يتم تغطية احتياجات التغذية الحيوانية، وإنعاش في الصناعة الغذائية، حيث أصبحت المؤسسات الجزائرية تنتج العجائن بجودة عالية تضاهي المعايير العالمية، مع وجود فائض مخصص للتصدير.

ويبقى الهدف الإستراتيجي للبلاد، حسب محدثنا، هو رفع الادخار الفلاحي، وتجاوز سقف الـ 43 مليار دولار المحققة سابقا نحو آفاق أوسع، مع توطين صناعة الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية ومواد التعشيب محليا، بما يمنح الفلاح الجزائري الراحة والثقة الكاملة لمواصلة مسيرة البناء والعطاء.

موسم جديد بتحديات أكبر

يرى الأمين العام للمجلس المهني للحبوب أنه، مع انطلاق الاستعدادات لموسم 2026-2027، يُبنى التخطيط الجديد على تقييم دقيق لنتائج ومشاكل الموسم السابق، بغية تذليل العقبات وتوسيع هامش ربح الفلاح لضمان استمراريته. ويضيف أن التحدي الأكبر يكمن في ضرورة استغلال هذه الهياكل ضمن إطار منسق ومدروس، وتفعيل خرائط تحاليل التربة وتحديثها يعتبر خطوة محورية؛ إذ لا يمكن الاستمرار باعتماد نمط إنتاج موحد، متجاهلين خصوصيات كل منطقة ومناخها، فالتنوع الجغرافي والبيئي في الجزائر، وخاصة تباين الخصائص بين الولايات الشمالية والجنوبية، يتطلب خريطة إنتاجية دقيقة تحدد نوع البذور الملائمة لكل تربة، مما يقضي على ظاهرة التذبذب ويضمن تحقيق أعلى مردود.

واستدل المتحدث بولاية تيارت خلال الموسم الماضي، التي حققت إنتاجا يقدر بـ 2.4 مليون قنطار على مساحة 300 ألف هكتار، وفي المقابل أثبتت المناطق الجنوبية "قدرات استثنائية" بإنتاج بلغ نحو 4 ملايين هكتار على مساحات أقل بكثير لا تتجاوز الـ 100 ألف إلى الـ 200 ألف هكتار. كما أن عدم بلوغ بعض المناطق الشمالية لكامل طاقتها الإنتاجية، تعود بالأساس إلى نقص التوزيع المدروس للبذور والأسمدة وفقا لخصائص التربة، وغياب المرافقة التقنية الميدانية وغياب الاستشارات المتخصصة للمنتجين، والتذبذب في توفير مستلزمات الإنتاج في مواقيتها المحددة.

ودعا المتحدث إلى إعادة توجيه سياسات الدعم المالي؛ فبدلا من تركز الدعم في مجالات كالأسمدة وحدها، يجب أن يوجه الدعم بصفة مباشرة إلى الإنتاج الفعلي، وإعادة النظر في أسعار اقتناء الحبوب لدعم الفلاح وتشجيعه، لتحقيق هامش ربح معتبر، مع إزالة الرسوم والضرائب على المدخلات الفلاحية لخفض تكلفة الهكتار الواحد، إلى جانب تعزيز الشراكة الفعلية بين الجامعة، والكفاءات العلمية، والقطاع الفلاحي للارتقاء بمستويات الأداء والبحث التطبيقي. وكلها عوامل ستكفل للجزائر بلوغ أهدافها المنشودة في آفاق سنة 2027، لتكريس سيادتها الغذائية وتحويل الفلاحة إلى قاطرة حقيقية للاقتصاد الوطني، مثلما أكد عليه رئيس الجمهورية.

نحو تأمين المخزون الإستراتيجي

وعن دور التخزين للحفاظ على هذا الانتاج، قال عبد الغني بن علي بأنه في الماضي كانت قدرات الادخار والتخزين في الجزائر لا تتجاوز الـ 24 إلى الـ 25 مليون قنطار، تضاف إليها مخزونات الخواص لتبلغ نحو الـ 28 مليون قنطار بنوعيها القديم والجديد.

وهذه القدرات المحدودة، يقول، لم تكن لتكفي لمواجهة أي أزمة طارئة تتفاقم فيها ظروف الاستيراد، واليوم يجري تجسيد مشروع إستراتيجي طموح يتمثل في إنجاز 350 مركز تخزين جواري موزع عبر مختلف مناطق الوطن، بما يقرب طاقة تخزين إجمالية تتيح للجزائر تحقيق أريحية كبرى. وأضاف أن هذا المشروع لن يحمي الأمن الغذائي فحسب، بل يضمن أيضا تقليل تكاليف النقل الباهظة على الفلاحين وتقريبهم من مراكز الإنتاج، فضلا عن إطلاق صوامع استراتيجية يتراوح عددها بين 30 و35 صومعة، وهو ما سيضمن تخزين نحو 90 مليون قنطار إضافية من قدرات الادخار الوطني، خاصة وأن السياسة الزراعية في عهد رئيس الجمهورية شهدت توجها توسعيا يشمل محاصيل استراتيجية متعددة، شملت القمح الصلب واللين، الشعير والتريتيكال (الذي يتميز بقيمة غذائية أعلى من الشعير ومخصص للإنسان والحيوان)، الشوفان، الذرة الصفراء، العدس، الحمص، الفاصوليا والزيتيات.

مراجعة تركيبة مجلس المكننة وتحدي اليد العاملة

وعن المكننة الفلاحية، طالب بن علي بمراجعة تركيبة مجلس المكننة، لضمان تمثيل حقيقي للمهنيين والفلاحين الحقيقيين ذوي الكفاءة الميدانية، والنأي به عن أي تحايل قد يسعى لاستيراد معدات غير محتاجة، حفاظا على احتياطي العملة الصعبة ودعما للمصانع الوطنية المنتجة للعتاد الفلاحي من الجرارات إلى الحصادات، والتحول إلى النموذج التعاوني بتحويل المؤسسات المرتبطة بالمكننة من طابع اقتصادي بحت إلى طابع تشاركي. ويساهم الفلاحون بصفة مالية تضمن رقابتهم ومشاركتهم الفعالة في التسيير، تجنبا لتكرار أزمة بعض التعاونيات التي تؤجر عتادا دون استغلال أمثل ودعم الصناعة الوطنية وتوفير قطع الغيار.

وإلى جانب التخزين والمكننة، يواجه القطاع الفلاحي، حسبه، تحدي توفير اليد العاملة المؤهلة والمندمجة مع التطور التقني، فبدون مكننة تتلائم مع احتياجات اليد العاملة، يصعب تحقيق قفزة في المردودية وتوسيع المساحات المسقية، سيما في محاصيل استراتيجية كالذرة الصفراء والزيتيات التي تتطلب حصادا في مواقيته الدقيقة، لتفادي تلف المحصول وضمان استمرارية الدورة الزراعية للفلاح.

البقوليات أزمات تتكرر في غياب الدورات الزراعية

وفي رده على الأسباب الحقيقية لتعثر زراعة البقوليات في الجزائر، رد الأمين العام للمجلس المهني للحبوب أن زراعة البقوليات تمثل نموذجا حيا لهذه الاختلالات؛ فرغم الخبرة الكبيرة التي يمتلكها فلاحو مناطق مثل تيارت، تلمسان وتبسة، في هذا المجال، إلا أن غياب مكننة ملائمة، ونقص الأدوية، وتراجع الدورات الإنتاجية المخصصة لتكثير البذور، أدى إلى تراجع الإنتاج والاعتماد على بذور الاستهلاك في الزراعة، وهو ما ينافي القواعد العلمية السليمة للإنتاج الزراعي.

وفي هذا السياق دعا بن علي إلى ضرورة تفعيل دور المعاهد والمجالس المهنية، بدءا من المعاهد التقنية والمجالس المهنية وصولا إلى الهيئات الإدارية والوزارية، فإشراك الكفاءات والمهندسين الزراعيين في توجيه وتسيير دورات الإنتاج، وتقديم الدعم المالي واللوجيستي الحقيقي للفلاح، يظل السبيل الوحيد لتحقيق نتائج مهمة وأيضا إيجاد حلول للمشاكل.

أزمة تمويل لا خلل في الهيكل

وفي قراءته لقرار رئيس الجمهورية بضرورة استحداث مؤسسة تكون مهمتها تخزين الفائض للتدخل كلما ارتفعت الأسعار، قال بن علي بأن هناك الشركة الجزائرية لضبط المنتجات الفلاحية "ساربا" تقوم بذلك، والمطلوب اليوم تفعيلها فحسب، لأن الواقع أفرز أزمات خانقة تمثلت في عجز هذه المؤسسات عن تسديد مستحقات الفلاحين لسنوات، وهذا الخلل يعود إلى غياب السيولة المالية الكافية وعدم قدرة الخزينة العمومية أو البنوك على تمويل عمليات الشراء والتخزين بالشكل المطلوب، مما أدى إلى تراكم الديون على الفلاحين وجعلهم رهائن لدورة إنتاجية متذبذبة.

وأردف ضيف "الخبر" أن إنشاء مؤسسات جديدة لن يحل المشكلة، ما لم يتم إخضاع الهيئات القائمة لعمليات تدقيق شاملة، ولا تقتصر أزمة الفلاح على تأخر المستحقات، بل تمتد لتشمل غياب آليات الحماية من المضاربة غير المشروعة، حيث تتدخل أطراف وسيطة لتستحوذ على المحاصيل قبل نضجها أو في مراحلها الأولى بأسعار بخسة، بينما يُترك الفلاح الحقيقي يعاني وحدَه من تكاليف الإنتاج الباهظة. كما أن غياب العقود المسبقة بين الفلاحين وهيئات التسويق، على غرار الممارسات المعمول بها دوليا في بداية كل موسم فلاحي لتحديد الأسعار وهامش الربح، يزيد الطين بلة. فالفلاح لا يجب أن يترك وحيدا في مواجهة تقلبات السوق، بل يجب ضمان مراقبته ومساعدته ميدانيا في توفير البذور، الأدوية والآليات الحديثة.

من جهة أخرى، يواجه الفلاحون والمستثمرون في القطاع عراقيل إدارية وبنكية معقدة عند التقدم لطلب القروض (مثل القرض الرفيق)، حيث تفرض البنوك شروطا تعجيزية وضمانات قاسية تفوق قدراتهم، بحجة تأمين استرجاع الأموال، وفي المقابل يبقى الفلاح البسيط يعاني بصمت في ظل غياب آليات تمويل مرنة وسريعة تتماشى وطبيعة النشاط الفلاحي الموسمي.

ولخروج القطاع من دائرة الأزمات المتكررة، يجب إعادة النظر في منظومة الأسعار، بتحديد أسعار مرجعية عادلة للمنتجات الأساسية (كالقمح والنخالة) تتناسب مع تكاليف الإنتاج الفعلية وتحمي القدرة الشرائية للفلاح. وعلاوة على ذلك يجب تفعيل عقود النجاعة، بإرساء علاقة تعاقدية شفافة بين الفلاح ومؤسسات الدولة قبل انطلاق الموسم الفلاحي، لضمان استلام المحاصيل وتسديد المستحقات في آجالها، وتطهير المؤسسات ودعمها؛ وذلك بإجراء تدقيق شامل للمؤسسات الفلاحية القائمة وضخ الموارد المالية الكافية لها، بدل إنشاء هياكل جديدة تعاني نفس العوائق الهيكلية، وتسهيل القروض البنكية بإضفاء المرونة على القروض الموجهة للفلاحين ومرافقتهم تقنيا وماديا لرفع الإنتاجية وتحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام.

تغطية الحاجيات الغذائية بلغت 99 بالمائة

وعن مفاتيح الأمن الغذائي المنشود، قال عبد الغني بن علي بأن نسبة تغطية الاحتياجات الغذائية محليا بلغت مستويات متقدمة تقارب الـ 99 بالمائة. ورغم هذا الاستقرار، تبرز بعض التحديات الهيكلية التي تستوجب حلولا جذرية، أبرزها إشكالية القمح اللين الذي يتطلب مراجعة شاملة للأنماط الغذائية، وتوجيه الدعم والدخل بما يخدم توسيع المساحات المزروعة وتثمين المناطق الملائمة، خاصة إذا علمنا، حسبه، أن فاتورة استيراده مكلفة جدا وتقدر بـ3 ملايين دولار سنويا واستهلاك الخبز الأبيض يعد إرثا استعماريا.

وتتمتع الجزائر بإمكانات معتبرة في مجالات الإنتاج الزراعي والحيواني، غير أن التسيير الفعال للفوائض يتطلب تخطيطا محكما يضمن حماية الخزينة العمومية وتحقيق الاكتفاء، والخطط الاستعجالية التي لا تتجاوز السنتين بإمكانها رفع إنتاج اللحوم البيضاء والحمراء. كما لا يمكن الحديث، حسبه، عن أمن غذائي بمعزل عن الأمن المائي، حيث تولي الدولة أهمية بالغة لتحلية مياه البحر، واسترجاع المياه المستعملة، وبناء الحواجز المائية لتدعيم الفلاحة.

كما تُطرح اليوم مشاريع استراتيجية لتحويل المياه نحو الهضاب العليا والمناطق الفلاحية كحل مستدام لتطوير السقي الزراعي ورفع المردودية، ويبقى إشراك المجالس المهنية في كل شعبة فلاحية خطوة محورية لفك مختلف العراقيل البيروقراطية والإدارية، التي قد تعطل مسار الاستثمار، وتوجيه القرارات نحو مقاربة ميدانية حقيقية تخدم الفلاح وتضمن استمرارية الإنتاج.