اسلاميات

أحوال وأسباب توفيق الله للعبد

أعلى مراتب توفيق الله لعبده أن يحبِّب إليه الإيمان والطاعة

  • 12
  • 2:44 دقيقة
الشيخ عبد المالك واضح*
الشيخ عبد المالك واضح*

إن من أهم ما يصبو إليه الإنسان المؤمن طمعه في توفيق ربه إياه، ومن توفيق الله لعبده أن يزكي نفسه، فمن وفقه الله لتزكية نفسه فقد أفلح وفاز: {قد أفلح من تزكى}.

وأعلى مراتب توفيق الله لعبده أن يحبِّب إليه الإيمان والطاعة، ويُكرِّه إليه الكفر والعصيان، وهذه المرتبة لا ينالها إلا الخلَّص من خلق الله: {ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم، وكرّه إِليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون}.

يقول ابن القيم رحمه الله في “مدارج السالكين” مبينا معنى هذه الآية: “يقول سبحانه: لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له، وتزيينه في قلوبكم منكم، ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك، فآثرتموه ورضيتموه، فلذلك لا تقدموا بين يدي رسولي، ولا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، فالذي حبب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده منكم، فلولا توفيقه لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان، فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم، ولا تقدمتم به إليها، فنفوسكم تقصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه، فلو أطاعكم رسولي في كثير مما تريدون لشق عليكم ذلك ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون”.

والتوفيق من الأمور التي لا تُطلب إلا منه سبحانه؛ إذ لا يقدر عليه إلا هو: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}، وهذه الهداية هي هداية التوفيق، قال ابن القيم رحمه الله: “أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك”، وبهذا جاء التوجيه النبوي: “دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت”.

وتوفيق الله لعباده يكون على أحوال كثيرة، فمنها أن يُعرض الخير على أناس فيردونه حتى ييسر الله له من أراد به الخير من عباده، وها هو صلّى الله عليه وسلم يمكث أكثر من عشر سنين يعرض نفسه على القبائل لينصروه، فلم يستجيبوا له حتى وفّق الله الأنصار لذلك، فنالوا الشرف العظيم. ومنها أن يوفق الله العبد في آخر حياته لعمل صالح فيموت عليه، يقول أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلّى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: “أسلم”، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم فأسلَم، فخرج صلّى الله عليه وسلم وهو يقول: “الحمد لله الذي أنقذه من النار”. ومنها أن يُوفَّق العبد لعمل قليل وأجره عند ربه كثير، يقول البراء رضي الله عنه: أتى النبي صلّى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم، قال: “أسلم ثم قاتل”، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال صلّى الله عليه وسلم: “عَمِل قليلا وأُجر كثيرا”.

واعلم رعاك الله أن للتوفيق أسبابا، ومن أعظمها وأجلِّها بر الوالدين، فمن رزقه الله حنانا وشفقة على أبويه فهذا هو الموفق، ومنها تدبر كتاب الله، فالله تعالى جعل كتابه بصائر وهدى، فمن تدبره هانت الدنيا في عينيه، وترك الفانيات وسابق في الخيرات: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا}، ثم قال سبحانه مرشدا أولياءه من خلقه: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا}.

فمن تدبّر القرآن عرف عظمة ما يقرأ، وعرف حال المؤمنين فسأل الله أن يسلك به سبيلهم، وحالهم في الآخرة وطمع من الله أن يلحقه بهم، وعرف حال الكفار والفساق والفجار، فجأر إلى ربه أن يعيذه من هذا الطريق، وعلم مآلهم في الآخرة فاشتد إلحاحه على ربه أن يجيره من النار. والله ولي التوفيق.

*إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي