اسلاميات

أهمية الشجرة والتشجير في حياتنا من المنظور الإسلامي

ديننا الإسلامي يُولي عناية فائقة بالشجرة والتشجير

  • 8
  • 3:01 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

لقد أحسنت وزارة التربية والتعليم في بلادنا عندما خصصت الحصة الأولى من السنة الدراسية الجديدة للحديث مع الطلبة والتلاميذ عن أهمية الشجرة والتشجير في حياة الناس، وذلك في أعقاب الحرائق المهولة التي مست مناطق كثيرة من بلادنا الحبيبة والتي خلفت خسائر كبيرة في الغابات والمساحات الخضراء في تلك المناطق.
وديننا الإسلامي يُولي عناية فائقة بالشجرة والتشجير، حيث لا ينظر إليها مجرد زينة أو وسيلة لتحقيق فوائد مادية عابرة، بل يراها عنصرا حيويا لاستمرار الحياة وعمارة الأرض وجزءا من منظومة التعبد والمسؤولية الاستخلافية التي أُنيطت بالإنسان.
تتجلى هذه الأهمية من المنظور الإسلامي في عدة جوانب رئيسية:
أولا: استمرار الأجر وحسابها كصدقة جارية: فلقد أكد الشارع الحكيم أن غرس الأشجار والزرع يعد من أعظم الصدقات التي يمتد نفعها وأجرها للمسلم في حياته وحتى بعد مماته. ففي صحيح البخاري، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة”. ويمتد هذا الثواب ليتحول إلى صدقة جارية يستمر تدفق حسناتها ما دام الغرس مأكولا منه أو يُنتفع بظله، حتى لو انتقلت ملكيته أو مات غارسه.
فمن المعلوم أن غرس النخل من الأعمال الصالحة التي تنفع صاحبها بعد موته، كما جاء في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره وهو بعد موته: من علّم علما، أو كرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته”.
ثانيا: التشجير كواجب لعمارة الأرض حتى اللحظات الأخيرة. فلقد بلغت عناية الإسلام بالتشجير أن حث على الغرس والعمل حتى في أشد الأوقات حرجا وهي قيام الساعة. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرِسها فليغرسها”. هذا التوجيه النبوي الشريف يعكس قيمة الإيجابية، البناء، والعطاء كهدف أسمى، ويؤكد أن زرع الشجر مقصد ديني مطلوب لذاته لعمارة الكون.
ثالثا: حفظ مقاصد الشريعة وحماية البيئة، إذ يرتبط نظام التشجير مباشرة بـ “حفظ النفس البشرية”، وهو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية؛ فالأشجار تؤدي دورا رئيسا في الحفاظ على التوازن البيئي من خلال جهاز شؤون البيئة: تنقية الهواء وامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وتحرير الأكسجين ومحاربة التصحر وتقليل انجراف التربة وتوفير الظل وتخفيف وطأة التغير المناخي والحرارة في المدن، وتوفير الغذاء المباشر وغير المباشر للإنسان والدواب ودخول النباتات في صناعة الأدوية.
رابعا: حظر قطع الأشجار في السلم والحرب، فلقد وضع الإسلام تشريعات صارمة تحمي الغطاء النباتي وتمنع الإفساد في الأرض. ففي أوقات الحروب، صاغ الإسلام قواعد إنسانية وبيئية متقدمة؛ حيث كان الخلفاء الراشدون، ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يوصون جيوش المسلمين بعبارات صريحة: “ولا تقطعوا شجرا مثمرا ولا تخربوا عامرا”، هذا النهج يوضح أن تدمير البيئة النباتية وقطع الأشجار بلا مصلحة شرعية راجحة يعد شكلا من أشكال الإفساد المنهي عنه.
إن العناية بالتشجير والتخضيرةوسيلة مهمة لحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية وكلياتها الضرورية (الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، انطلاقا من الآثار التي يرتبها زرع الأشجار وغرس النباتات، سواء تعلق الأمر بحماية البيئة وما يلحق ذلك من تأثير واضح على صحة الإنسان وسلامته الجسمية والعقلية، أو بما يتحقق من زراعة الشجر من فوائد مهمة ونتائج نافعة للاقتصاد وللبنية المادية للعقارات المحيطة بها، حماية للمحصولات والمنتجات الزراعية؛ ليتأكد بالملموس أن عناية الإسلام بأصل المصلحة التي تتحصل من التشجير والتخضير حصلت قبل أن يعرفها تمدن اليوم، لذلك وجب سن القوانين الخاصة بردع ومعاقبة كل تعد على الغابات والأشجار عموما.
ويبقى الارتباط بين الشجر والبشر ارتباطا وثيقا وعميقا لا تفسره الدراسات والنظريات، بل يمتد إلى العقل الباطن واللاوعي؛ حيث يشعر الإنسان بالراحة والطمأنينة بجانب الخضرة والشجر، بل يمكننا أن نقول إن منشأ هذا الارتباط بدأ من اللحظة التي سكن فيها أبوانا (آدم وحواء) الجنة وتنعما في ثمارها وأنهارها، ودخل ذلك في التكوين العميق للإنسان حتى صارت النفس البشرية تتوق للخضرة وتنعم بها وترتاح إليها.