اسلاميات

ضرورة ضبط الفتوى عبر وسائط التواصل الاجتماعي

الفتوى من المناصب الإسلامية الجليلة والأعمال الشرعية الرفيعة

  • 15
  • 3:30 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

 إن الفتوى من المناصب الإسلامية الجليلة والأعمال الشرعية الرفيعة، مقامها عظيم، ودورها في المجتمع كبير، حرصت الشريعة الإسلامية على إيلائها قدرا كبيرا من العناية، والتوجيه، والتأصيل، قام بها النبي صلّى الله عليه وسلم وفقهاء الصحابة وكبار التابعين وبقيت عبر التاريخ الإسلامي تؤدي وظيفتها المقدسة وتحقق أهدافها الشريفة وتلبي حاجة الناس والمجتمع، ثم تولت الدولة الإسلامية رعايتها والاهتمام بها، وأولتها العناية الكاملة حتى جاء العصر الحاضر حيث أصبحت الدولة الإقليمية هي التي تقوم بتعيين المفتين على مختلف المستويات بدءا من المفتي العام للدولة وانتهاء إلى المفتين في المحافظات والمناطق.

تعد الفتوى في المجتمع المسلم إحدى الحاجات المهمة والضرورية لدى الفرد والمجتمع، إذ هي ركيزة أساسية في إرشاد الفرد إلى الطريق القويم في أمور دينه ودنياه، وتعليمه الجوانب الشرعية من منبعها الصافي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما سار عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين والعلماء الأعلام الراسخين.

وتمثل الفتوى عبر القرون المتعاقبة في الإسلام منارة هدى فبِها يستطيع المسلم الوقوف على الأحكام الشرعية فيما يتعلق من أمور العبادات والعادات من معاملات بمختلف أشكالها، إضافة إلى معرفة الثواب والعقاب، وما يترتب على جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم في حياته الدنيوية ومآلها في الآخرة. وفي هذا العصر تنوعت طرق إيصال الفتوى للناس؛ فأصبح الناس يتلقون الفتاوى عبر الإذاعة والتلفاز والفضائيات العابرة للدول، يتوجه السائل من خلالها إلى مقدم البرنامج بمسألته فيجيبه المفتى فورا..

وظهرت حديثا جدا الفتوى عبر الهاتف والتطبيقات الإلكترونية، وتصدّر بعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي (الفايسبوك، التيك توك والانستغرام) الفتوى واقتحموا ميدانها اقتحاما، مما أحدث حيرة وبلبلة في أوساط الجمهور المتلقي لهذه الفتاوى الصادرة عبر الهاتف والتطبيقات الإلكترونية المعاصرة، وبخاصة إذا كان المستفتون غير معروفين بطلب العلم والإتقان في الفتوى.

ولهذا حذّر العلماء من الفتاوى عبر الإنترنت والهاتف الصادرة من أشخاص غير معلومين وغير مختصين تجرأوا على الفتوى، وتصدروا الإفتاء وهم لم يحققوا شروط الإفتاء الشرعية.
وإن شيوع الفتاوى الفردية والفتاوى العابرة للقارات عبر وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة، وغياب دور فعّال للمؤسسات الرسمية والمجامع الفقهية المتخصصة التي يجتمع فيها العلماء من كل التخصصات ومن كل الاتجاهات، هو أحد أسباب ظهور هذا الخلل وهذه الفوضى التي جعلت الناس في حيرة من أمرهم.
والجرأة على الفتوى من غير المتخصصين أصبحت سمة من سمات عصرنا الحالي، خصوصا إذا كان من المشهورين اللامعين في الفضائيات وله أتباع، فتتقصده وسائل الإعلام في برامجها المختلفة لشهرته ونجوميته وكثرة متابعيه ليتصدى للفتوى والبت في كل معضلة.
وهو ما أثّر على حقيقة دور العلماء كمصدر المعرفة الدينية أو الروحية بعد أن أصبح للفرد أن يصل إلى المعرفة التي يريد ووقت ما يناسبه، وهو إفراز لفاعلين دينيين من خارج المؤسسات الدينية الموثوقة والمعتمدة. ولما اتسعت الفتيا من المتأهلين وغيرهم، ووجد من الفتاوى ما جانب الحق وانحرف عن جادة الصواب مع ما وجد من وسائل إذاعتها ونشرها مما لا عهد للسابقين به، كان لابد من وضع الضوابط للفتيا المعاصرة مع بيان ما لها وما عليها. ومن ثم قرر العلماء: أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو عاص أيضا، ونقل ابن القيم عن أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله قال: “ويلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية. قال: وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم”.
لذلك يجب على الدولة أن تنظر في أحوال المفتين، فتمنع من يتصدر للفتوى إلا إذا كان أهلا للفتوى، وتتوافر فيه الشروط المطلوبة، بل عليها أن تحجر على المفتي الماجن. ولذلك إذا تدخلت الدولة أو نظمت الإفتاء يجب أن يكون ذلك لخدمة الإفتاء وتقويته، وإعطاء مزيد من الهيبة والتقدير إليه وإلى أهله من خلال منح الحرية والاستقلال إليه، وليس لأجل جعله منحازا لتوصيات الدولة حتى ولو كانت غير صحيحة.
وإن الدولة بسعيها لتحقيق مصالح الأمة، عليها واجب الإشراف والرعاية لشأن الفتوى، دون المساس باستقلالية مؤسسة الفتوى والمفتين. كما أن أهمية توحيد الفتوى تكمن في أن تؤخذ حكام عن طريق المفتين الرسميين أو جهات الإفتاء الرسمية في الدولة حيث إنها الجهة المناط لها مثل هذا الاختصاص لتوحيد الفتوى، وذلك منعا للتلاعب وتشتيت الآراء والإفهام.
مع ضرورة تعزيز مرجعية الإفتاء الرسمي في الدولة، بأن تعهد بالفتوى لمن يتوافق مع المرجعية الفقهية والعقدية للبلد، فالالتزام بهذه المرجعية من شأنه الحفاظ على وحدة المجتمع واستقراره، ونبذ الخالف والفرقة، والابتعاد عن الأقوال الشاذة.
ويجب أيضا تدخل الإمام في أحوال المفتين، والتأكد من أهليتهم ابتداء، واختيار الأصلح منهم، ومنع من ليس أهال للولوج في سلك الإفتاء، ومراقبة عملهم، وهذا من صميم عمل السياسة الشرعية؛ لأنه يحقق مقاصد الشريعة ويحفظ للدين حرمته.