القرآن العظيم كتابُ الهداية الكاملة التامة: {إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم}، فلم يترك أمرا من الأمور، أو منحى من مناحي الحياة التي لا تتحقق هداية الناس من دون استقامتها إلا بيّنها وجلّاها بأساليب مختلفة، ومناهج متعددة، ووسائل عدة، وإن من أهم أساليب القرآن الحكيم في هداية الناس ذكره لنماذج معيارية تتكرر في حياة الناس في كل العصور والأزمان، وفي كل الأمم والأصقاع، فقد ذكر سبحانه نموذجا للعالم الذي يتبع هواه ويبيع دينه في قصة بلعام بن باعوراء، وذكر نموذجا (للملياردير) المغرور بماله في قصة قارون، وذكر نموذجا للجنرال الدموي في قصة هامان... إلى آخر القصص القرآني الهادي.
ومن أعظم النماذج المذكورة في القرآن الكريم، والتي تتكرر في تاريخ البشرية نموذج الأمة الطاغية الماردة، المغترة بقوتها، الباطشة بالأبرياء في قصة قوم عاد: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أَوَلَم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}، وقد تجلّى نموذج عاد في عصرنا هذا في الولايات المتحدة الأمريكية، فهي عاد هذا الزمان، وحروبها وجرائمها في شرق الأرض وغربها وفي شمالها وجنوبها تصرخ بوقاحة وغرور: من أشد منا قوة!، {أَوَلَم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}، وعاد التي ظنت أن لن يقدر عليها أحد، ولن يغلبها أحد سلّط الله تعالى عليها أخف جنده، الذي لا وزن له ولا يُرى: الهواء / الريح؛ ليكونوا عبرة: {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون}، ولن تفلت أمة طاغية ماردة من عذاب الله مهما طالت مُهلتها، ولا مهرب لها من جند الله، وكما سلّط الله على عاد ريحه سيسلط على أمريكا جندا من جنده، عبادا مؤمنين، أو غير ذلك: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}. كما أن من أعظم النماذج المذكورة في القرآن الكريم، والتي تتكرر في تاريخ البشرية نموذج فرعون، الحاكم الطاغي المارد، المغترّ بقوته وحكمه وجنده، وقد ذُكر في القرآن العظيم اثنين وسبعين (72) مرة، وهو عدد كبير يدل على خطورة هذا النموذج وأثره السيئ في حياة البشر، وضرورة معرفته ومعرفة صفاته ومقاومته، وتيقن زواله وإهلاك الله تعالى له، ففرعون الذي ملك مصر (مصر فقط) في حقبة من الحقب (حقبة فقط)، اغترّ بملكه وسلطانه وجنوده، فتجبّر وتكبّر، وبلغ من طغيانه وجبروته أن ادعى الألوهية كفرا وحمقا وطغيانا: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلَهٍ غيري}، وما دليله على هذا الحمق: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون}، فكان نهايته ونهاية ملكه وجنده بأن سلط الله تعالى عليه جندا من خلقه: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مُليم}، وهكذا كل فرعون يظهر سيسلط الله عليه جندا من جنده.
إن الله تبارك وتعالى إنما كرر من ذكر فرعون وذكر لنا من أوصافه حتى نحذر من شرور الفراعين، وحتى لا يلتبس علينا أمرهم، ولا نغتر بحالهم، ولا نغفل عن مآلهم، ففرعون هو نموذج متكرر بنفسيته، وبأفعاله وأقواله وأحواله ومآله، وحين نتدبر آيات القرآن وهي تصف فرعون وفساده، ونُنزل معانيها على واقع التاريخ ماضيا وحاضرا سيتبين لنا كم من فرعون مر على هذه الأرض؟، وكانت نهايته هلاكا وعبرة، ولن يكون آخرهم ترامب، الفرعون الكوميدي، بل سيتلوه فراعين إلى أن يشاء الله، وكلهم سيذل أمام جند الله تعالى، وتكون نهايته عبرة للناس وليس للفراعين، فهؤلاء لن يعتبروا وهم سكارى بخمر القوة والبطش والملك، كما لا يعتبر كثير من الناس المغترين بحال الفرعون في عنفوانه وهيلمانه: {فاليوم نُنَجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون}.
لنقرأ بعضا من الآيات التي وصفت فرعون، وسنجد أوصافه كلّها يتصف بها الفرعون الكوميدي ترامب، فقد وصفه الله تعالى بالعلو والإسراف: {..من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين}، ووصفه بالطغيان: {اذهب إلى فرعون إنه طغى}، ووصفه بالسخرية من الحق: {ولقد أرسلنا موسى بِأياتنا إلى فرعون وملإيه فقال إني رسول رب العالمين * فلما جاءهم بِآياتنا إذا هم منها يضحكونَ}، ووصفه باحتكار الحقيقة: {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}، ووصفه بالعلو والفساد: {إن فرعون علا في الأرض وجعَل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أَبناءَهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}، ووصفه بالفسوق: {في تسع آياتٍ إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقِين}، ووصفه بالاستكبار والاستعلاء: {إلى فرعون وملإيه فاستكبروا وكانوا قوما عالين} ..
وهذه الأوصاف كلها بيّنة ظاهرة على الفرعون الكوميدي وغيره من فراعين هذا الزمان، ولن تجد لسنة الله تغييرا ولا تبديلا ولا تحويلا فكما قصم الله تعالى الفراعنة عبر التاريخ سيقصم فراعنة العصر، {ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا}. وقد يقول قائل: ما دام أوصاف الفرعون معروفة، ومصائر الطواغيت في التاريخ مشهورة، فلماذا لا يعتبر الفراعنة بها، ويصلحون من حالهم قبل أن يحيق بهم عذاب الله تعالى؟، وقد أجاب القرآن الحكيم عن هذا السّؤال، فقال تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصُدّ عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب}، “أي حصل له تزيين سوء عمله في نفسه فحسب الباطل حقا والضلال اهتداء”. فمهما خطط ومهما تآمر ومهما عمل فكيده وتخطيطه في تباب، أي هلاك وخسران، ولكن كثير من الناس مغرورون فلا يعلمون!
الخبر
21/01/2026 - 23:05
الخبر
21/01/2026 - 23:05
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال