أحيا مسجد باريس الكبير، سهرة أول أمس الثلاثاء، الذكرى المئوية الأولى لتأسيسه، وذلك في احتفالية أشرف عليها عميد المسجد الأستاذ شمس الدين حفيز، والمدير العام محمد لوانوغي، وإطارات وموظفي المسجد، إلى جانب عدد من الشخصيات البارزة من أمثال عمدة الدائرة الخامسة في باريس فلورنس بيرتو، والكاتبة فانتا درامي، والشيخ خالد بن تونس وغيرهم.
بمناسبة ذكرى المئوية الأولى لتأسيس مسجد باريس الكبير، وفي لحظة مثقلة بالتوترات والشكوك التي تعيشها فرنسا والعالم، جدّد العميد شمس الدين حفيز تأكيد موقع مسجد باريس الكبير كفضاء للذاكرة والروح والحوار، وكصوت ثابت في مواجهة العنف والكراهية، ومدافع عن قيم الجمهورية الفرنسية. ففي خطاب مؤثر، استهلّه عميد مسجد باريس الكبير بالوقوف عند ضحايا العنف بدافع الكراهية الدينية، مستحضرا أسماء قُطعت حياتها في لحظات صلاة وسلام، في اعتداءات وُصفت بأنها ليست حوادث معزولة، بل تعبير عن كراهية موجهة ضد أشخاص بسبب إيمانهم الحقيقي أو المفترض. مؤكدا في كلمته أن تسمية هذا الواقع لا تكفي، بل إن على المجتمع الفرنسي امتلاك الشجاعة لمواجهته، لأن أي تمييز يطال المواطنين إنما يقوّض مبدأ المساواة الذي تقوم عليه الجمهورية.
وشدد الأستاذ شمس الدين حفيز على أنه لم ولن يصمت، ملفتا إلى أنه أطلق في سبتمبر 2025 أول مرصد وطني لرصد التمييز ضد المسلمين في فرنسا، وهو عمل وصف بالدقيق والضروري لكشف وقائع كثيرا ما يتم تجاهلها أو إنكارها. مُعلنا أن هذا المرصد سيُعزَّز في عام 2026 ليصبح أداة فعلية للدفاع عن حقوق جميع المواطنين، دون تمييز ديني أو ثقافي.
وأكد حفيز أن المسلمين في فرنسا يواجهون هذه التحديات بكرامة، عبر الالتزام بالقانون والمشاركة المدنية والوفاء لمبادئ الجمهورية. مجدّدا التزام مسجد باريس الكبير بالدفاع عن كل إنسان يتعرض للإهانة أو العنف، سواء كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو من أي انتماء آخر، معتبرا أن أي اعتداء على فرد هو جرح يصيب المجتمع بأكمله.
وفي لهجة تحذيرية، نبّه عميد مسجد باريس إلى خطورة بعض الخطابات الإعلامية والسياسية التي تسعى إلى تطبيع الإقصاء أو الترويج لأفكار تتناقض مع الإرث الإنساني لفرنسا، متسائلا: متى تخلّى الوعي الجماعي عن قيم إعلان حقوق الإنسان والمواطن؟ داعيا في ذات السياق إلى صحوة أخلاقية ترفض تقسيم المجتمع وتجريد المستقبل من إنسانيته.
كما تطرق حفيز إلى دور الأديان، ضمن احترام مبدأ العلمانية، في التذكير بالقيمة المقدسة لحياة الإنسان، مؤكدا أن المسلمين لا يمكن أن يكونوا غائبين عن القضايا الكبرى لعصرهم، من الأزمات الإنسانية إلى التحديات البيئية، حيث تشكل حماية الضعفاء والتضامن وخدمة الصالح العام جوهر الأخلاق الروحية.
وفي استعراض لحصيلة عام 2025، أشار عميد مسجد باريس الكبير إلى مساهمته في إحياء الذكرى الـ120 لقانون 1905، وتنظيمه لندوات حول مخاطر المخدرات، ومشاركته في النقاشات الأخلاقية المتعلقة بنهاية الحياة، إضافة إلى إطلاق مدرسة ابن باديس الوطنية لتكوين الأئمة، باعتبار التكوين الديني أداة لتعزيز التماسك الوطني وبناء علاقة واعية بين الإيمان والجمهورية. وشدد عميد مسجد باريس الكبير، في كلمته الختامية، على أنه ”يمكن للمرء أن يكون مسلما كاملا وفرنسيا كاملا في آن واحد”، مؤكدا أن ”الإيمان لا يتعارض مع الجمهورية، بل يسير معها”.
ومع دخول مسجد باريس الكبير ”قرنه الثاني”، أكد العميد حفيز أن هذا الصرح ”سيظل بيتا للسلام والصلاة والحوار والكرم، وسيظل صوتا هادئا في قلب فرنسا، ويقول: المسلمون جزء من تاريخ فرنسا، وهم جزء من حاضرها، وجزء من مستقبلها”. يشار إلى أن خطاب الأستاذ شمس الدين حفيز، سهرة أول أمس، اكتسب بُعدًا خاصًا مع حلول الذكرى المئوية لتأسيس مسجد باريس الكبير عام 1926، هذا الصرح الذي وُلد من رحم الحرب العالمية الأولى، تكريما لمئات الآلاف من الجنود المسلمين الذين دافعوا عن فرنسا. ومنذ ذلك الحين، ظلّ المسجد شاهدا على تاريخ مشترك، وملجأً للضمير الإنساني، كما حدث خلال سنوات الاحتلال حين ساهم في حماية يهود مضطهدين.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال